من الصحوة إلى اليقظة… هل من أفق؟

من الصحوة إلى اليقظة، هذا عنوان الكتاب الأول من كتب سلسلة إعداد قادة النهضة للدكتور جاسم سلطان، الفكرة الرئيسية للكتاب يمكن صياغتها في شكل السؤال التالي:-

إذا افترضنا أن مرحلة الصحوة في العالم الإسلامي تميزت ببذل الجهود الجبارة مع جني الثمار الضئيلة فما السبب في ذلك وما المخرج؟

هذا السؤال يحتوي في طياته أربعة عناصر هي المفهوم والافتراض وسؤالي السبب والمخرج.

أولا: المفهوم

مفهوم الصحوة الإسلامية يؤشر للمرحلة الزمنية المباركة التي امتدت لعدة عقود، والتي بدأت في أعقاب الاحتكاك المباشر لحضارة الغرب، وخاصة بعد الصدمة الانهزامية الكبرى أمام الغرب حين أحكمت جيوش نابليون الغازية الطوق على مصر، حينها انتبه العقل المسلم أن شيئا ما حدث وأدّى إلى قلب موازين القوة في العالم، ومن رحم هذا الانتباه نشأت مرحلة الصحوة المباركة، وقد اعتاد الناس إطلاق هذا الوصف ــ الصحوة الإسلامية ـــ على جملة الجهود المتتابعة والرامية إلى إعادة التوازن للعالم الإسلامي وذلك في ضوء السياق الإسلامي لا في خارجه، والتي أعقبت مرحلة الانتباه تلك.

ثانيا: الفرضية

لا شك أن الجهود في هذه المرحلة كانت ضخمة في الكم ولكنها كانت ضحلة في الكيف، كان جيل الصحوة المبارك يبذل كل الغالي والنفيس في سبيل إعادة التوازن، كانت العاطفة قوية وجياشة، كان الكل يستمتع بالبذل، وكانت الشعارات الحماسية تنطلق في الفضاء لتؤجج لهيب المرحلة، كان الكل ينشد ويتغنى بأبيات حماسية من قبيل هذه الأبيات :

 “فإما إلى النصر فوق الأنام ***** وإما إلى الله في الخالدين!”

وبعد مضي أكثر من قرن من الزمن من انطلاق هذه الصحوة مازال المطلب قائما “إعادة التوازن” وذلك بعد أن استشهد الكثيرون في سبيل الوصول لهذا المطلب؛ ولكن وبعد هذه المدة المديدة لم يعد أغلب اللاحقين يتحمسّون لخوض الرحلة كما السابقين، والسبب في ذلك أن العاطفة المؤججة للرحلة خمدت في برد اليأس!.

إذا هل وصلت الرحلة إلى الطريق المسدود؟

بعد أن وصلت الأوضاع لهذه المرحلة كان لابد للعقلاء من المسلمين أن يطرحوا أسئلة جديدة من شأنها أن تفتح للرحلة أفقا جديدة.

سؤال السبب؟

للدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله رسالة بعنوان “أين الخلل؟” كما أن للدكتور جاسم سلطان مشروعا ضخما يأتي في هذا السياق، والدكتور جاسم السلطان يطرح سؤالا السبب في كتابه السالف الذكر “من الصحوة إلى اليقظة” ـــ والذي يأتي من ضمن سلسلة كتب المشروع ـــ ويفترض الدكتور أن السبب في ضحالة المنتوج رغم ضخامة المجهود في مرحلة الصحوة يعود لهذه المعادلة (العاطفة – الرشد) والمعادلة تشير أن الجهود فقدت قيمتها الإنتاجية بسبب أنها انطلقت من عاطفة جياشة ينقصها الرشد، والرشد مصطلح يشير إلى عمق الرؤية مع عمق المنهج، أي أن مؤشرات ومتطلبات الوصول واضحة وبينة وعميقة كما أن متطلبات تحويل هذه المتطلبات إلى واقع حي واضحة وبينة وعميقة كذلك.

سؤال المخرج؟

يرى الدكتور أن المخرج من هذا المأزق يكمن في تحويل المعادلة من (العاطفة – الرشد) إلى (العاطفة + الرشد) ويرى ضرورة توفر الركنين ـ العاطفة + الرشد من أجل إصلاح الجهود المبذولة أملا في الوصول إلى المطلب، وفي ضوء هذا التحليل ينادي ويطالب الدكتور في الدخول إلى مرحلة جديدة يسميها مرحلة اليقظة وهي مرحلة تأتي بعد مرحلة الصحوة وتتوسط بين مرحلتي الصحوة ــ التي هي مرحلة الانتباه والعاطفة ــ ومرحلة النهضة التي هي مرحلة الوصول، ومرحلة اليقظة تختلف عن مرحلة الصحوة في وضوح الهدف فالهدف المحوري في مرحلة اليقظة هو “كيف نكتسب الرشد؟” بدلا من اللاهدف في مرحلة الصحوة.

كيف نكتسب الرشد؟

يرى الدكتور أن الاستيعاب شرط للتجاوز ويعني بذلك أن مطلب تجاوز الحضارة الغربية يسبقه شرط استيعاب هذه الحضارة فعدم استيعاب ركائز هذه الحضارة يؤدّي إلى عدم تجاوزها، ولكي نستوعب ركائز هذه الحضارة لابد من أن نستوعب السياقات التاريخية التي أدت لنشوء هذه الحضارة، ولكي نستوعب هذه السياقات لابد من أن نجيب عن هذا السؤال “ماذا حدث في العقل الغربي وأدّى إلى إبداع هذه الحضارة؟” هذا السؤال هو أحد شقي سؤال رئيسي يأتي ضمن أسئلة أربعة تشكل المعالم الرئيسية لمشروع اكتساب الرشد ــ اليقظة ــ  ولكي نجيب عن هذا السؤال لابد أن نتعرف على النموذج المعرفي الغربي في فلسفته ومنهجيته ومحتواه.

الشق الثاني من السؤال الذي هو أحد الأسئلة الأربعة هو”ماذا حدث في النموذج الإسلامي وأدى إلى الركود الحضاري؟” فالمعروف أن المسلمين أبدعوا حضارة عظيمة كانت حضارة العالم السائدة منذ قرون، ولكنهم وفي لحظة ما توقفوا عن الإبداع واستسلموا للركود، ومن المعروف أن الدين الإسلامي كان يشكل مصدر إشعاع لهذا الإبداع، والتوقف عن الإبداع يعني أن مصدر الإشعاع توقف عن الإشعاع؛ ولهذا يورد الدكتور الشق الثاني من السؤال في شكل أكثر وضوحا كالتالي “مالذي أفقد الدين فاعليته الحضارية؟”

بعد أن نجيب عن السؤالين السابقين يُفترض أننا سنرجع بمخزون معرفي ضخم، وهذا المخزون سيحتاج إلى تنظيمه في العقل، فالعقل الذي تنتظم فيه المعارف هو وحده القادر في أن يتصرف في تلك المعارف بحيث يحولها من الشكل الخام إلى شكل آخر أكثر معالجة؛ بحيث تكون ملائمة وقابلة للاستخدام، ولذا سيصبح السؤال الثالث من أسئلة الرشد الأربعة “كيف يمكننا أن ننظم عقولنا بشكل يجعلنا نستفيد من المعارف الضخمة التي نكتسبها لنحولها من معرفة مشتتة إلى معرفة منظمة وقابلة للاستخدام؟”

بعد أن اكتسبنا المعرفة الضرورية لإنتاج واقع جديد سنحتاج إلى تفعيل هذه المعرفة في الواقع العملي والواقع ليس كتلة صماء بحيث يمكننا القبض عليه ثم التصرف فيه كما نشاء بل هو جملة من الشروط والأحداث والعناصر المعقدة والمتفاعلة مع بعضها البعض، والتصرف في واقع كهذا سيحتاج إلى قدرة فائقة في الفهم والتصرف، أي فهم مكونات هذا الواقع ثم فهم متطلبات التصرف في هذا الواقع؛ لهذا اختتمت أسئلة الرشد الأربعة بالسؤالين الرئيسين “كيف نفهم الواقع؟ وكيف نديره؟”

للدكتور جاسم مشروع ضخم يسمى مشروع النهضة صُمِّم من أجل وضع الإطار النظري والضروري لمتطلبات مرحلة اليقظة الرشدية، وللاستزادة يمكنك البحث عن هذا المشروع على الرابط التالي :

http://www.4nahda.com/

%d مدونون معجبون بهذه: