في رحاب الدعوة وتجارب الحياة “مذكرات الدكتور أحمد الحاج عبد الرحمن”[10]

من أهم إنجازات (الصحوة الإسلامية) في الصومال:

 ومن أهم الإنجازات التي تحققت بفضل الإحياء الإسلامي:-

  • تصحيح كثير من الأخطاء العَقَدية التي كانت تلبس ثوب التدين والإسلام، وتوجيه الاهتمام نحو تصفية التوحيد وتنقيته من الشوائب، في حين لم تعدم تلك الأخطاء من يدافع عنها.
  • الرد على البدع التي كان المجتمع يراها من صميم الدين، وقد تحقق في هذا المضمار الشيء الكثير.
  • التصدي للأفكار الغربية ، ومنظومته الفكرية من علمانية وشيوعية، ورد هذه المذاهب الردية ،والأفكار والنظريات المساندة لها مثل نظرية داروين[1] ونقض أصولها.
  • الرد على الشبهات ، والطعون الموجهة ضد الإسلام من طرف الخصوم مثل نظام الرق، وتعدد الزوجات، وأمثالها وتحصين الشباب والمثقفين من غوائلها، فقد لعبت ( الصحوة الإسلامية) دورا فريدا في هذا الجانب.
  • ساهمت ( الصحوة الإسلامية) بل كانت في طليعة الجهود الرامية لاستعادة الأمة للثقة بذاتها، وبدينها، وثقافتها، وتاريخها، وبسبب تلك الجهود قل الانبهار والافتتان بالغرب ، وتضاءل بريقه.
  • دعت الصحوة إلى أسلمة المجتمع من كل جوانب الحياة؛ سلوكا وتشريعا، وأخلاقا ومناهج للدراسة والمعرفة، وعملت على إعادة الحياء والسلوكيات الحميدة، ومحاربة العادات الاجتماعية القبيحة مثل التدخين ، والقات، والخمر، والسفور، والبغاء وما شابه ذلك.
  • ساهمت ( الصحوة الإسلامية) في إحياء العلم الشرعي، ونشره عبر الحلقات الدراسية والمساجد والمعاهد والجامعات، والمدارس النظامية ،وأعادت لمدرسة تحفيظ القرآن( الدوكسي) دورها الحيوي في المجتمع.
  • أعادت الصحوة سنَّة حجاب المرأة المسلمة وانتشاره؛ لدرجة أنك ترى اليوم أن أية فتاة سواء في الحضر أو ترعى غنما في بادية نائية إلا وتلبس الحجاب، وترى الفتاة في البادية تقود الناضح dhaan متلفعة بحجابها، وهذا أمر مثير للدهشة لبعد البون بين الماضي والحاضر. فالفتاة في الماضي كانت لا تضع شيئا على رأسها، بل ويعد ذلك من تقاليد الفتاة الصومالية ، واليوم أصبح السفور من الماضي المفروغ منه. وكان النظام لا يسمح للفتاة المحجبة حضور المدارس، حتى( الدكسي)-أي خلوة القرآن- حيث كانت تتعرض للتفتيش والمراقبة، وكان يأتيها الإنذار بأن اليوم الفلاني موعد بعثة التفتيش، فيقوم معلم ( الدكسي) بإنذار الفتيات المحجبات، فيحضر المفتشون وفي ( الدوكسي) الأولاد فقط، فقام أبناء الصحوة بجهود جبارة تستحق الإشادة والشكر لنشر مظاهر الاحتشام أثمرت بفضل الله أحسن الثمار.
  • محاربة الشيوعية : نستطيع القول باطمئنان إن ( الصحوة الإسلامية) في طليعة الجهود التي وقفت ضد الشيوعية وأفشلتها ،مع ما امتلكت من وسائل القوة والذيوع ، قاومها مجموعة من الشباب العزل مجردين من أسباب القوة المادية، وحتى من العلم الكثير، لا حامي لهم إلا الله ، ظهورهم مكشوفة للاعتقال وصنوف الاضطهاد، تمارسه سلطة غاشمة ذات نفوذ، ومع ذلك تصدوا لها وأفشلوها فشلا ذريعا.

هذه الإنجازات السالفة الذكر هي التي تحققت في عهد عزِّ الدولة الصومالية ،فلم تكن الصحوة تتحمل أعباء الدولة وهمومها ، وكانت تسير بخطى متسارعة، ونسبة الالتزام الديني في طلبة المدارس الثانوية والجامعات ظلت في ازدياد، بل في أواخر عهد النظام العسكري ، وتراخي قبضته الحديدية ارتفع منسوب التدين، واجتاح الجامعات والمدارس .

 جهود أبناء الصحوة بعد انهيار الدولة الصومالية

 بعد الانهيار وسقوط الحكومة المركزية في الصومال لم تتوقف تلك الجهود التي بذلها أبناء الصحوة، بل لا مبالغة للقول بأن الصومال مدين لأبناء الصحوة الشيء الكثير ، وفي إنقاذ الكثير من مكتسباتها من الانهيار والسقوط المدوي. وقد ألهمت الكثير من الكوادر العلمية بمختلف التخصصات ليصبحوا أعضاء نافعين في مجتمعهم، وأقاموا شركات تجارية رائدة قامت بدعم الاقتصاد الوطني، وأنقذت الشعب الصومالي من العوز، وساهمت في التنمية الاقتصادية للبلاد.

ساهمت (الصحوة الإسلامية) في إنقاذ النظام التعليمي الصومالي من الانهيار ، وسارع أبناؤها إلى إنشاء كثير من المدارس والمعاهد والجامعات ، بل لا نبعد عن الصواب إذا قلنا إن أبناء الصحوة استأثروا بالقطاع التعليمي الخاص لولا ما قامت به (المنظمات الأجنبية) التي دخلت أخيرا في ساحة المنافسة، وإليهم يعود الفضل في سرعة المعافاة من صدمة الحرب القاسية.

ساهمت الصحوة في إصلاح الجانب الاجتماعي، وفي الجانب الإغاثي أقاموا الكثير من المنظمات الإغاثية العاملة في البلاد ويصعب حصرها، ومن أبرزها : جمعية المنهل الخيرية، وجمعية التضامن الاجتماعي ، ومؤسسة زمزم، وجمعيات كثيرة تعمل جنوب الصومال، وإليك نموذج واحد ، وهو عرض جزء ضئيل من إنجازات جمعية المنهل من عام 1997- 2008م من إنجازات تنموية وإغاثية.

عدد المساجد التي بنتها الجمعية 364 مسجدا
مدرسة لتحفيظ القرآن 108
مدرسة نظامية 53
حفرت بئرا سطحيا 421
 آبار ارتوازية 45
مصحات طبية 23
مستشفيات كبيرة 5
مراكز للأيتام 13 مركزا
 الجامعات 2
مراكز للمعاقين مركزا واحدا
معاهد للتمريض  معهدا للتريض
 كفالة الأيتام  كفلت 1500 يتيما
 دورات تدريبية  أقامت 25 دورة تدريبية مختلفة.
حملات طبية عالجت 22000 مريضا للعيون indha fiiqis

مستشفى للعيون أقامت مستشفى للعيون بهرجيسا.

هذا فقط ما قامت به جمعية واحدة من تلكم الجمعيات التي أقامها أبناء (الصحوة الإسلامية)، وما قامت به الجمعيات الأخرى مثل التضامن وزمزم، وغيرها من الجمعيات العاملة في جنوب الصومال فحدث ولا حرج.

 جهود الصحوة الإسلامية في صومالي المهجر

لا تنحصر تلك الجهود في داخل الصومال فحسب ، بل ساهمت في إنقاذ الصوماليين في المهجر، وأقامت مراكز العبادة وتعليم القرآن، محافظة على هويتهم الثقافية، وتقول إحصائية متواضعة حول المراكز التي أقامها الدعاة الصوماليون في المهجر الغربي وبعض البلدان الأخرى:-

 البلد  عدد المراكز الإسلامية فيه (أي التي أقامها الصوماليون)
أمريكا 14 مركزا إسلاميا كبيرا 12 مركزا صغيرا، ومجموعها 26 مركزا
كندا خمسة مراكز
بريطانيا عشرة مراكز
السويد 15 مركزا
النرويج 7 مراكز
الدنمارك 10 مراكز
فنلندا 5 مراكز
هولندا 5 مراكز
بلجيكا  مركز واحد
ألمانيا  مركزان
سويسرا 3 مراكز
أستراليا ونيوزلاندا  4 مراكز
جنوب إفريقيا 4 مراكز كبيرة، و4 مراكز صغيرة

ناهيك عن المراكز الكبيرة التي تأسست في نيروبي وفي ممباسا بكينيا، وفي أوغندا وزامبيا وفي كثير من الدول الإفريقية ، ومجموع تلك المراكز التي أقامتها ( الصحوة الإسلامية) تبلغ 104 مركزا. علاوة على المؤتمرات والندوات المقامة بشكل دوري ومستمر ، ولا يحتمل المقام لذكرها جميعا ، وعلى سبيل المثال أقيم في السويد 17 مؤتمرا بشكل سنوي، لتوعية الجالية الأوربية، و7 مؤتمرات كبيرة في النرويج ، وفي أمريكا 10 مؤتمرات كبيرة، وتعقد خلال تلك الندوات التي يحضرها علماء من داخل البلاد ومن المهجر حملات تزويج ، وتحفيظ للقرآن، وأمر بالحجاب الشرعي، وتربية دينية ، وبناء الأخلاق ، هذا الفضل بعد الله يعود إلى جهود ( الصحوة الإسلامية) بلا منازع.

ساهمت ( الصحوة الإسلامية) في تقليل مضاعفات فترة أمراء الحرب المتنفذين التي اتسمت بالاضطراب والعنت، والحروب المستعرة على أساس مصالح قبلية أو شخصية، فإليهم يعود الفضل في طي تلك الصفحة السوداء بفضل التعليم والتوعية، وربط الشبكات المالية بعضها ببعض في مختلف أقاليم البلاد، ولهم الفضل أيضا في إخراج القوات الإثيوبية ودحرها من البلاد حيث كان (الإسلاميون) في طليعة المقاومة التي أخرجتها من البلاد.

بعد هذا التطواف ، وهذه الإلمامة القصيرة على إنجازات ( الصحوة الإسلامية) الباهرة في الصومال ، يحق لها أن تتيه فخرا وتقول ،وتقول كما قال الفرزدق لجرير:

 أولئك آبائي فجئني بمثلهم ** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

وأقول لأولئك الذين أنفقت الدولة الصومالية لتكوينهم الكثير من المبالغ الطائلة من مثقفين وسياسيين، وعسكريين، ويمكن أن بعضهم أجرم في حق بلادهم أو قصَّروا ، أو دفعوا بالصومال إلى مأزقها الحالي، وأوردوها موارد الانحطاط والتردي . أقول: أليس من المنطقي مواجهتهم بهذه الإنجازات الباهرة ، عسى أن تحمرَّ وجوههم من الخجل والندم، لأن كثيرا منهم تعلموا بضرائب الجماهير الصومالية، وبنفقات الدولة الباهظة، فشاركوا في إشعال حروب، ونزاعات لا تنتهي، وكانوا قيادات الحرب الأهلية، وهم الذين فرَّفوا صف الأمة على أساس عشائر، ومصالح صغيرة، وهم الذين مزقوا النسيج الاجتماعي إنَّ حالهم في كثرتهم وقلة غنائهم كما ذكروا عن امرأة أنجبت كثيرا من الأولاد الذكور لكنها لقيت منهم العقوق والإساءة ولم يسدوا مسدهم المأمول فقالت ما معناه ” لقد ولدتُ كل أصناف الرجال،..وأرى نفسي عقيما لا عقب لها ” يعني أنهم صاروا عاقين عليها، لم يسدوا إليها نفعا ، ولم تر منهم خيرا . [2]

Tib dhalay, oo mooye dhalay, oo sii muuqde dhalay, oo soo muuqde dhalay, oo magallooti dhalay, gablan wiilal lagu falay baan ahay!!!

 أهمية النقد في الإسلام ودوره في إثراء النهضة الحضارية

هذا هو الجانب المشرق للإسلاميين، لكن المتابع ربما يتساءل: سامحك الله ، أسهبت في تعداد الجوانب المضيئة لأرباب ( الصحوة الإسلامية) فأين النقائص والأخطاء التي ارتكبوها ؟

وهذا سؤال منطقي ، يقتضيه العدل في القول، والقوامة في القسط (كونوا قوَّامين بالقسط ولو على أنفسكم ) وهذا ما يقتضيه النصح ، فديننا دين التناصح ، فعن تميم بن أوس الداري قال ، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- (الدين النصيحة) .. الحديث، وحديث جرير بن عبد الله البجلي ( بايعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم ) وحديث ( وإذا استنصحك فانصح له ) ومنها الحديث الصحيح ” المؤمن مرآة المؤمن ” هذه المرآة تعكس ما بوجه الإنسان من نضارة أو شحوب، أو غيره ، فالشريعة الإسلامية إنما نجت من الانحراف الكلي لوجود خاصية التناصح في أصولها، وعاصمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه عواصم وضمانات مهمة فإذا فقدتها الأمة انقصم ظهرها، وسقطت سقوطا ذريعا. ومن تلك الضمانات الصدع بالحق دونما خشية من أحد كما في حديث :” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان حائر” وعدم الخوف من السباحة عكس التيار ، وترك من الناس ، فالحق أحق أن يتبع، لا أن تسلم مقادك إلى الدهماء ليقودوك إلى موارد الهلكة والضلال.

يوضح ذلك حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- الذي رواه أحمد وأبو داود ” ألا لا يمنعنَّ أحدهم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده ” . والنقص قرين للإنسان وتوءم له، ولا معصوم إلا الأنبياء، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ” وحديث ” لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم ” حديث صحيح.

ولا بد من الاعتراف –أيضا- بأن الإنسان لا يسير على حالة واحدة بل يرتفع سلوكه ويصعد التزامه إلى القمة تارة، وينخفض في حالات أخرى ( لو تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها ” وفي الحديث الصحيح ” لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح “.

 من منهج الإسلام وتربيته الأصيلة الاعتراف بالقصور، فالله سبحانه عاتب نبيه، وقد تحدث القرآن عن أخطاء الصحابة ، وانتقدها، مثل موقفهم في معركة أحد ، “ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسُّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ” [ آل عمران / 152]. روى أحمد في المسند عن ابن مسعود قوله: “إن النساء كنَّ يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبره أنه ليس أحد منا يريد الدنيا ؛ حتى أنزل الله عز وجل ” منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة{ [ آل عمران/ 152]. كان الهدف من وراء ذلك ترشيد طائفة المسلمين لضمان تحقيق النصر في المستقبل فيرشدهم القرآن ويعاتبهم ،أما الكفار الذين ارتكبوا الجرائم ضد المسلمين فلا يستحقون العتاب ؛ لأنه ليس بعد الكفر ذنب .

 ثم وصف القرآن طريقة فرارهم وتوليهم ” إذ تُصْعِدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم { [ آل عمران/ 153].

وقال سبحانه ” إن الذين تولَّوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم { [ آل عمران/ 155].

وقال سبحانه ” أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير { [ آل عمران / 165] . وقال سبحانه ” ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحُبت { [ التوبة/ 25].

وقوله سبحانه ” ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه { [ التوبة/ 120].

 هذه النصوص كلها تؤصِّل لمنهج النقد والتصحيح، ومقتضاها أنه حين تحدث الأخطاء والهزائم لابد وأن نكون صريحين في توجيه النقد إلى أنفسنا، وتشريح مكامن الخطأ قصدا للتصحيح ، لا أن نزعم أن البلاء جاء بسبب خارج عنا، أو نعلق المسئولية على غيرنا فقوله جل ثناؤه ” قل هو من عند أنفسكم { [ آل عمران/ 165] فمنهج النقد الذاتي هو منهج تقرَّر بالقرآن، وهو تغليب العوامل الذاتية للهزيمة قبل العوامل الخارجية .

والرسول –صلى الله عليه وسلم- كان يجمع بين بيان الأخطاء، وبين رعاية حرمة القادة ومكانتهم فقال :( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) ومع ذلك فإن خالدا ما زال سيف الله المسلول ؛ ولكن هذا لا يلزم منه إخفاء أخطائه والتستر عليها، وعلى هذا النهج سار الصحابة وهو سبيل المؤمنين ، وهدي السلف الصالحين أيام عزهم وتمسكهم بالإسلام ، فهذه عائشة –رضي الله عنها- استدركت على الصحابة الكبار وانتقدتهم لدرجة أن الزركشي –رحمه الله- ألف كتابا سماه ” الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة “[3] .

وعلى سبيل المثال حينما قال عبد الله بن عمرو بن العاص إن النساء يجب أن ينقضن ضفائرهن ( أي شعرهن الملفوف بعضه على بعض) عند الاغتسال قالت :” عجبا لابن عمرو ، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهنَّ ، أفلا يأمرن أن يحلقن رؤوسهنَّ ، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد ، فما أن أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات ” الحديث أخرجه مسلم.

والإمام الشافعي ضرب أروع الأمثلة في تأصيل هذا المنهج النقدي التصحيحي في كتابه الأم فكثيرا ما ينتقد محمد بن الحسن الشيباني وهو أحد شيوخه البارزين قائلا: وزعم محمد بن الحسن، وينتقد كذلك مالك بن أنس على رأيه في عمل أهل المدينة ، وأنه مقدم على حديث الآحاد، وعلى هذا المنوال تأسس علم (الجرح والتعديل) ليس فيه محاباة، حتى سألوا عليا بن المديني عن أبيه فقال: اسألوه عن غيري، فقالوا : بل نسألك فقال: هذا دينٌ ، أبي ضعيف!. وكذلك محمد بن أبي السري عندما سئل عن أخيه حسينا قال : (لا تكتبوا عن أخي فإنه كذاب )–يعني أخاه حسين ابن أبي السري.

وهذه الأمثلة السابقة وغيرها تأصيل لنقد أي ظاهرة غير صحية تطرأ في المجتمع المسلم، فهذا أبو حامد الغزالي-رحمه الله- انتقد الفلاسفة في كتابه ( تهافت الفلاسفة ) وابن الجوزي –رحمه الله- انتقد أخطاء كثير من الطوائف في المجتمع المسلم في كتابه ( تلبيس إبليس ) يتحدث فيه عن أخطاء الزهاد والوعاظ ، والفقهاء والمحدثين وأضرابهم من أرباب العلوم، ويشير إلى منافذ الشيطان من أعمالهم ، وكذلك ابن تيمية –رحمه الله- انتقد المنطق الأرسطي في كتابه ( نقض المنطق) المنطق الصوري الذي أخذ عن أرسطو ، كل ذلك يمثل حركة علمية لا تجامل الأخطاء الغريبة ، ولا تسمح لها أن تعيش وتتستر داخل جسد الأمة ، وهكذا تسير حركة النقد والتجديد في العالم الإسلامي، ومن السذاجة أن يتصور شخص بدون عيوب؟ كفى بالمرأ نُبلا أن تعدَّ معايبه.

من ذا الذي ما ساء قط ** ومن له الحسنى فقط ؟

 والإطالة في تقرير أصل النقد في الإسلام جاء هنا حثا وتمهيدا لقبول النقد، والإصغاء إليه ليس باعتباره تعييرا وإذلالا، بل تصحيح وإعادة تقييم.

وهؤلاء (الكفار) مع ما في مناهجهم من عيوب إذا حدثت أخطاء فهم لا يتستَّرون عليها، بل يفضحون مرتكبيها، كما حدث بعد الهزيمة العراقية في الحرب على العراق شكَّلوا لجنة من الكونغرس الأمريكي ، وخبراء آخرين سميت (مشروع هاملتون، وبيكر) . وكذلك الحال في الحرب الخاسرة التي خاضتها إسرائيل مع (حزب الله) شكَّلوا لجنة للتقويم والمحاسبة، وفي تقريرها وجهت إلى كل جهة حصتها من المسئولية ، وحتى حرب أكتوبر في مصر عام 1973م والذي تحقق فيها النصر المؤزر لمصر [العاشر من رمضان أو في السادس من أكتوبر] من أهم أسباب الانتصار ظهور النقد في الأوساط المصرية وقبوله من قادتهم. وبهذا الصدد أصدر مركز دراسات الأهرام لكاتب مشهور اسمه (السيد ياسين) كتابا سمَّاه ” الشخصية العربية بين المفهوم الإسرائيلي والمفهوم العربي ” يعني: نحن العرب كيف ننظر إلى ذاتنا وشخصيتنا ؟ وكيف يرانا عدوُّنا ؟ من هنا تبدأ النهضة، فالتصحيح مفتاح الانتصار .

لقد جرى في القرآن عتاب الرسول –صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام في مواطن عديدة مثل قوله تعالى ( عفا الله لما أذنت)[ التوبة/43] وقوله :(ما كان لنبي أن يكون أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) [ الأنفال/67]،وكذلك جرى عتاب الصحابة جاء في مواضع كثيرة –أيضا- من ذلك حديث ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) وما شابه ذلك ،وكل هذا دليل على أن منهج نقد الذات هو المنهج الذي يكفل للأمم النصر، وحين ترك المسلمون نقد أنفسهم وتصحيح أخطائهم حدث ما حدث وتراكمت الأخطاء القاتلة ، ووجد من يسير في طريق الخطأ ، إن من يذهب إلى قرية تبعد عنه 30 كيلو وسار خمس سنوات في طريقه دون الوصول إليها لحري أن يكتشف الخطأ ، ولابدَّ أن يغير الاتجاه .

 الهوامش

_______________

[1]- نظرية دارون :دارون هو: (تشارلس روبرت دارون) ( 1809- 1882م) عالم طبيعي إنجليزي درس الطب بأدنبرة… ثم تخصص في التاريخ الطبيعي، وقد وضع كتابه (أصل الأنواع) 1859م. قامت نظريته على أن الإنسان ما هو إلا حيوان من جملة الحيوانات، حادث بطريق النشوء والارتقاء، وأنه لمشابهته القرد، لا يمنع أن يكون قد اشتق هو وإياه من أصل واحد.
..كلامه مجرد نظرية، وليس حقيقة أو قانوناً، ومع ذلك فلا يؤيدها الواقع المشاهد وتتصادم مع القرآن الكريم لقوله تعالى: ( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) [الزمر: 62].. والله حدثنا عن المادة التي خلقه منها، فقد خلقه من ماء وتراب (طين) (فإنا خلقناكم من تراب) [الحج: 5].. ثم إن تكريم الله لبني آدم الذي لا يتناسب مع ردّ أصل الإنسان إلى قرد: قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) [الإسراء: 70]. وقال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) [التين: 4].( منقول عن الشبكة الإسلامية باختصار شديد وبتصرف).

 [2]- بعد ظهور المحاكم الإسلامية ، وبروز حركة (الشباب) وحدوث نزاعات مسلحة بين الإسلاميين أنفسهم، واستمرار معارك يقودها إسلاميون ، بدأ كثير الشعب الصومالي ينظر إليهم باعتبارهم جزءا من الأزمة وليسوا حلا لها، ولهذا نظر كثير من العلماء حركة (الشباب) ومثيلاتها بأنها مؤامرة غربية لاتخاذها ذريعة لمحاربة الإسلامية والتدين.

تعليق واحد

  1. سلسة علمية رائعة قدمها أستاذ محمد سلمت يدرك،فالصحوة الإسلامية التي تسري شوارع وعقول الأمة بلا منازع،حيث تأثرت وأثرت أعطت واخذت،حاول الغرب بكل امكانياته تصوير الصحوة الإسلامية أنها رجعية متخلفة ولكن الصحوة الإسلامية أثنيتت جدراتها واكذوبة مقولة الغرب.
    فالشكر لعلماء الصحوة الإسلامية (الصومال) الأجلاء الأفذاذ الذين قادوا سفينتها من الغرق فاحسنوا الصباحة.ومن ثمار حمولة تلك السفينة الأنظمة التعليمية على مستوى الابتدائي والثانوي والجامعي، ومن ثمار ذلكم الركب جامعة مقديشو،الجامعة الإسلا مية في مقديشو،جامعة صيمد،جامعة شرق افريقيا،جامعة بوصاصو،جامعة كيسمايو،جامعة بنادر وحمر وغيرها وعشرات المراكز والمدارس والمعاهد النموذجية التابعة للاسلاميين فالشكر لكاتب السلسة الأستاذ محمد حفظهم الله وسدد خطاه

%d مدونون معجبون بهذه: