الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [15]

انحسار التيارات الإسلامية المسلَّحة أمام التيـَّــار الجهادي في الصومال:

بعد اختيار زعيم تحالف المعارضة الصومالية شيخ شريف شيخ أحمد رئيسا للصومال في الثلاثين من يناير 2009م، وتنامي دوره التصالحي، وبعد أن لقي من فئات متعددة من المجتمع الصومالي ترحيبا واسعا، عزز الرئيس الصومالي المنتخب وجوده في الصومال من خلال بسط سيطرته على مناطق كانت تحت نفوذ المقاومة الإسلامية مثل جوهر وبلدوين بالإضافة إلى العاصمة مقديشو، محاولا سحب البساط من منافسيه من الجناح الآخر لتحالف إعادة تحرير الصومال الذي كان يقوده الشيخ حسن طاهر أويس والدكتور عمر إيمان أبوبكر.

أدى ذلك إلى أن يفكِّر الشيخ حسن طاهر أويس والدكتور عمر إيمان وحلفاؤهما في تأسيس جبهة إسلامية مسلحة تعمل على الإطاحة بحكومة شيخ شريف، وتتغاير فكريا مع (حركة الشباب) التي تتبنى أفكار القاعدة صراحة.

بدأت فكرة إنشاء هذا الحزب عندما أقلع الدكتور عمر إيمان أبوبكر – من كوادر التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال-جناح أسمرة – من أسمرة متوجها إلى نيروبي، وذلك إثر انسحات القوات الإثيوبية من الصومال في منتصف يناير 2009م.

بدأ الدكتور حملته من جنوب الصومال خاصة من مناطق جوبا، والتقى بعدد من قيادات المقاومة الإسلامية كالشيخ حسن تركي، وبعد مشاورات عديدة هناك؛ بدأت فكرة إنشاء هذا الحزب الذي ضم أربعة فصائل مسلحة هي: معسكر رأس كمبوني الذي يتزعمه الشيخ حسن تركي، والجبهة الإسلامية التي يتزعمها الشيخ عبدالله أحمد عمر من جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، والمحاكم الإسلامية الجناح الذي يتزعمه حسن طاهر، ومعسكر فاروق عانولي الذي يتخذ من كيسمايو مقرا له.[1]

إلا أن إعلان الدكتور عمر إيمان الحرب على الحكومة وبدءِ أولى المناوشات مع أنصار شريف في مقديشو أدى إلى انشقاق مجموعة من أهم الدَّاعمين للحزب وهي مجموعة يوسف سياد إنطعدي، وقال إنطعدي في مؤتمر في مصنع المعكرونة شمال العاصمة: إنه لا علم له بهذه الحرب التي تبناها الحزب الإسلامي بقيادة عمر إيمان، وأعلن هذا الجناح إعفاءه من منصب رئيس الحزب.

قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” كاد الحزب أن يصبح أثرًا بعد عين لولا انتقال الشيخ حسن طاهر أويس من أسمرة إلى مقديشو مما قوي من أسهم الحزب، ثم حصولهم على أسلحة من أريتريا لتخوض بها المعارك ضد الحكومة بعد أن انسحب منها يوسف إنطعدي وانحيازه إلى الحكومة، وهو الذي كان له أكبر عدد من الرجال والعتاد .. ويرى المتابعون لخطاب الحزب من المراقبين أنه مبني على الثأر الشخصي من الرئيس شريف لعدم استماعه لهم بعدم الدخول في مفاوضات والاستمرار في النهج العسكري، ولا تريد قيادات الحزب أن يسلموا بأن منهج الشيخ شريف الذي كانوا يشكُّون في أنه سيؤدي إلى إخراج الاحتلال [الإثيوبي] قد أتى أكله، وهم إن سلموا له عرف الناس أنهم كانوا مخطئين في معارضتهم له، فلسان حالهم يقول: “النار ولا العار”، ولذلك فهم يقللون من أية خطوة إيجابية من الحكومة ويشككون في صدقيتها”.[2]

أقول: الفشل السياسي للحزب حتَّم على الدكتور عمر إيمان أن يقدّم استقالته في مايو 2009م، وأصبح الشيخ حسن طاهر أويس رئيسا للحزب الإسلامي، وبالفعل حصل رئيس الحزب الجديد على أسلحة من إرتريا إلا أن حركة الشباب المجاهدين لم تسمح بتزايد نفوذ الحزب الإسلامي في الأراضي التي تسيطر عليها في وسط وجنوب الصومال.

بدأت حركة الشباب بتصفية وجود الحزب الإسلامي بدءا من القيادي في الحزب في جوبا السفلى أحمد إسلام مدوبي، ومرورا بمعسكرات الحزب في تييغلو وبلدوين وبولوبرتي وانتهاءا ببورهكبة وأفغوي وضواحي مقديشو.

وبعد أن شددت حركة الشباب الخناق عليه، وتخلَّى عنه حليفه الشيخ حسن تركي وانضمَّ إلى حركة الشباب أعلن الشيخ حسن طاهر أويس في ديسمبر 2010م عن انضمام الحزب الإسلامي إلى حركة الشباب المجاهدين في خطوة فسّرت بأنها لم تكن طواعية، وبهذا انتهى وجود الحركات السلفية المسلحة في جنوب الصومال ما عدا الولايات الإسلامية التابعة لحركة الشباب.

أما جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة فأعلنت في مؤتمر غرووي 2010م ومؤتمر هرجيسا 2012م بأنها تتبرأ إلى الله من أعمال حركة الشباب وأنشطتها، وحذَّرت من حرمة سفك الدماء المعصومة التي تستباح بالشبهات الدينية والذرائع السياسية والقبلية والمصالح الشخصية والفئوية، ودعت الحركة التي تقاتل باسم الإسلام إلى التوبة عن إراقة الدماء المعصومة والغلو في مسائل الحكم على الناس، كما دعتها إلى عدم التمادي في هذه الأفكار المنحرفة التي أدت إلى استحكام العداء بين فئات المجتمع وفصائله لقطع الطريق على أعداء الأمة الذين يستغلون هذا التنافر والتناحر.[3]

وأما قوات المحاكم الإسلامية التي كانت موالية للشيخ شريف – وأغلبها أعضاء في التجمع الإسلامي الإخواني المحلي – فقد تمَّ دمجهم في القوات الأمنية والعسكرية في الحكومة الصومالية.

تزايد نفوذ جناح من حركة الإصلاح في الحكومة الصومالية:

بعد فوز حسن شيخ محمود – الذي كان رئيسا لمعهد “سيمد” منذُ أن كان معهدًا لتطوير علم الإدارة – في الانتخابات الرئاسية التي جرت في البلاد في سبتمبر 2012م ازداد نفوذ جناح من حركة الإصلاح الإخوانية في الحكومة الصومالية.

كان حسن شيخ محمود رئيسا لـ (حزب السلام والتنمية) الذي تم تأسيسه في أبريل 2011م، وكان من أعضائه المؤسِّسين فارح شيخ عبد القادر، وعبد الكريم حسين غوليد، وهؤلاء بدأت صداقتهم في عملهم في لجنة مسلمي إفريقيا (جمعية العون المباشر) الكويتية ثم في رابطة التعليم الأهلي النظامي في الصومال، ثم انضم إليهم عدد كبير من الكوادر والأساتذة، ومعظهم إما عضو في حركة الإصلاح – الجناح الجديد أو أصدقاء مقرَّبون لهم.

ورغم وضوح نفوذ الحركة في الأجهزة الأمنية والمدنيـة والحكومة المحلية في مقديشو إلا أن حركة الإصلاح تنفي أن تكون هي المسيطرة على مقاليد الحكم في الصومال.

قال المراقب العام لحركة الإصلاح د.محمد شيخ أحمد (محمد حاج) في حوار مع شبكة الشاهد: “الحكومة الحالية حكومة وطنية ذات توجه إسلامي معتدل، وتتبنى – إلى درجة كبيرة – القضايا الوطنية العامة بالرغم من كثرة التعقيدات والعقبات أمامها؛ ولهذا تقف معظم القوى الوطنية والإسلامية إلى جانبها في توجهاتها تلك، ونحن في حركة الإصلاح من بين تلك القوى المجتمعية التي تساند الحكومة في توجهاتها الوطنية والإسلامية، وتسعى من أجل تسديد مسيرتها.

أما الإشاعات التي تُروَّج لها في وسائل الإعلام غير المحترفة بأن الحكومة الحالية هي حكومة حركة الإصلاح، وأن غولاً يسمى بـ”الدم الجديد” يتحكَّم في كل شيء في هذه البلاد، فهي أقاويل لا أساس لها من الصحة، ولا تثبت عند إخضاعها لأدنى اختبار؛ إذ إن ذلك يمكن تصوره في حال وجود أغلبية برلمانية لحركة أو حزب معين تتحكم في مصير برامج الحكومة ومشاريعها، أو أغلبية في مجلس الوزراء موثرة على أداء الجهاز التنفيذي، أو حتى في حال كان هناك نفوذ شخصي لأحد المسؤولين عن سلطات الدولة الرئيسة ينتمي لتلك الجهة: رئيس الدولة، أو رئيس البرلمان، أورئيس الوزراء، أو رئيس القضاء، وهذا كله غير حاصل بالنسبة لحركة الإصلاح أو الدم الجديد كما يشاع.

وإذا كان بعض أفراد الحركة نواباً في البرلمان أو وزراء في الحكومة وقد جاءوا من نفس الخلفية القبلية التي جاء منها بقية النواب والوزارء، فليس من المنطقي ولا من المعقول تحميلهم المسؤولية بأكثر مما تتحمله نسبتهم في هذه المجالس، ولا يصحُّ استهداف وحرق مشروع الحركة الإصلاحي السياسي الذي لم يتم تقديمه بعدُ للمجتمع كمشروع، ولم تتوفر في الساحة السياسية الصومالية آليات عرضه، بمجرد اجتهادات وإصلاحات جزئية تسهم فيه الحركة وأفرادها مع بقية القوى المجتمعية الخيرة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل الظروف والأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد في كل المجالات، فهذه المحاولات لا تعدو كونها عملية أقرب إلى الإسعافات الأولية والإغاثات العاجلة منها إلى المشروع الإصلاحي والبرنامج السياسي”.[4]

---------------- هوامش -----------------------
  1. مقال بعنوان (الحزب الإسلامي..صراع يهدد الصمود)، نشر في شبكة الصومال اليوم، بقلم أنور أحمد ميو []
  2. مقال (الحزب الإٍسلامي)، نشر في شبكة الشاهد: http://alshahid.net/biographies/parties/30531 []
  3. مؤتمر الجماعة في هرجيسا ٢٢-٢٦ فبراير ٢٠١٢م، http://alshahid.net/news/65135 []
  4. حوار خاص مع الدكتور محمد حاج، نشر في شبكة الشاهد، 30 أكتوبر 2013م. []
%d مدونون معجبون بهذه: