الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [14]

ثانيا: حركة الشباب المجاهدين:

كانت قيادة تنظيم القاعدة – عادةً – ما تطلق على المتدرِّبين الجهاديين باسم (الشباب) في أي بلد ومكان، وبالتالي هذا الاسم الذي شاع في الصومال منذ بزوغ فجر المحاكم الإسلامية لم يكن وليدا في تلك الفترة، إلا أن مصطلح (الشباب) لم يكن يدلُّ على تنظيم له هياكل إدارية، بل كانت هناك خلايا عديدة من الشباب المتدرّبين، يتسع نفوذهم ونشاطاتهم مما ألفت أنظار الولايات المتحدة الأمريكية، وألَّبت عليهم زعماء الحرب الذين كانوا في صراع سياسي مع الرئيس الانتقالي – آنذاك – عبد الله يوسف أحمد، وأمدَّت لهم عونا لم تمده للرئيس الصومالي.

كانت خلايا الشباب تتكون من خلية الشمال بقيادة أحمد عبدي غدني وإبراهيم الأفغاني، وخلية آدم حاشي عيرو ومختار روبو في مقديشو، وبعد أن تم الاستيلاء على مال ضخم في مدينة وجالي الحدودية مع إثيوبيا انضمَّت خلية الشمال إلى معسكر آدم عيرو في مقديشو.

قال د.عبد الرزاق محمود تكر: “يعتقد أكثر الباحثين عن تاريخ حركة الشباب أن نواتها الأولى تشكلت عام 2004م حيث اتخذت مقراً لها في معسكر صلاح الدين (مقابر الجنود الإيطاليين بعد نبشها) [في مقديشو]، ولكن الراجح عندي أنها أسست رسمياً في عام 2002م، وقد بدأ نشاطها في عام 2003م حيث شاركت حركة الشباب في استهداف شخصيات غير صومالية داخل الشمال الصومالي (أرض الصومال) واستقطبت الأنظار لدى مقتل الأستاذين: ريتشارد و إينيد إينتون في أكتوبر [……]، والهجوم على قافلة المساعدات الألمانية في شمال الصومال في مارس 2002م”.[1]

أقول: لم يكن هناك تأسيس رسمي لخلايا مجموعات الشباب حتى سبتمبر 2006م، كما سيفصِّله لنا عبد الله فاضل القمري أمين سر تنظيم القاعدة وأحد قياداتهم الكبيرة في شرق إفريقيا.

قال القمري في مذكِّراته: “كانت لدينا خليتان يقودهما رجال من القاعدة، الأولى شكلت من قبل الأخوين يوسف التنزاني وعيسى الكيني [صالح النبهاني] وهما عضوان من القاعدة، وكانا قد اختلفا مع طلحة السوداني وتحالفا مع جماعة صومالية مجاهدة يترأسها الأخ (آدم عيرو) من شباب الشيخ حسن طاهر أويس، وشارك معنا في طردنا للقوات الأمريكية في الصومال سنة 1994م، وبالتنسيق مع الأخ مختار الصومالي (أحمد عبدي)، وهو الأمير المنفّذ لتلك الجماعة، وهو إسحاقي من بلاد أرض الصومال، ومن قدامى المجاهدين في أفغانستان، والخلية الثانية كانت تحت قيادة الأخ طلحة السوداني الذي ترأس خلية القاعدة في عمليات ضرب الصهاينة “.

قال: “اختصرت خلية مختار [أحمد عبدي] الصومالي الطريق حيث بدأت تستهدف كل الجواسيس المرسلون من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لتفقّد أثرنا، وكذلك استهدفوا الجواسيس الإثيوبيين ومن عمل معهم، وهذا من باب الدفاع عن النفس فقد رأينا في الآونة الأخيرة أن تلك المجموعات الجاسوسية نشطت وأدت عملياتها الميدانية إلى خطف وأسر وقتل الكثير من العلماء والمجاهدين، وكان من واجب الشباب التصدي لذلك، وهكذا استمر الإخوة في هذه الاستراتيجية، وكان هناك غطاء ممتاز للعمل سرًّا، لقد كثرت عمليات الاغتيالات ضد الجواسيس، واقتنع الإثيوبيون ومن معهم بأن الأمر لا جدوى منه، فكلما أرسلوا جاسوسا قتل على الفور، وكما نعلم فإن آخر هذه السنة ولدت حكومة عبدالله يوسف”.[2])

أقول: بعد الثورة الإسلامية وانتصارها على تحالف زعماء الحرب في يونيو 2006م برزت إشكالية التمازج مع المحاكم الإسلامية التي كانت تتكوَّن من حركات إسلامية إخوانية وسلفية ومن تجَّار صوماليين ونشطاء مدنيين وزعيم حرب سابق وغيرهم.

وفي إحدى اللقاءات السرية تم الاتفاق على تشكيل كيَّان له قرارته الخاصة يشمل من له توجُّه سلفي جهادي، لكن يبقى الأمر غير معلن، ليكون من ضمن (مجلس المحاكم الإسلامية في الصومال)، وتم تشكيل (حركة الشباب المجاهدين) من خلايا أحمد عبدي غدوني، وآدم حاشي عيرو، ومن مجموعة رأس كامبوني، واختير الشيخ عبد الرحمن إسماعيل عرالي أميرا للحركة.

قال فاضل القمري: “كانت جماعة كامبوني وشباب مقديشو بقيادة مختار [أحمد عبدي] وآدم عيرو – ومن دون إشراك إدارة (الشورى التنفيذية للمحاكم) – على وشك بناء وحدة بين الطرفين فقط، وليس بين جميع المسلمين لأن أفكار هؤلاء المجاهدين تتمركز حول أن الملتزم بالسنة فقط هو من ينبغي أن يكون مجاهدا.

سميت الجماعة الجديدة بـ”حركة الشباب المجاهدين”, وبعد أسبوع من هذه التطورات ذهبتُ لمقابلة [طلحة السوداني] فأطلعني على آخر المستجدات في موضوع الوحدة، وطلب منى أن أعمل معهم في الجماعة وكان معي الأخ يوسف التنزاني، وبهذه المناسبة كان من واجبي أن أفهمه عن أفكاري وانتماءي الحركي وأخبرته بكل وضوح “إني لست مندوبا عن شباب الشيخ [أسامة] فالإمارة معلقة”.

“وكنت ضد الجميع ولم أخفي ذلك، كان الأمر واضحا لدى العيان، بيَّنت لهم في كل مرة أن المحاكم هي سَقْفُنا جميعا، وأيُّ تعطيل لها فسوف نخسر كل شيء، وأثناء الحديث أخبرني بأن هناك لقاء كبير للمجموعتين لتوزيع المناصب والحقائب وينبغي أن أحضر لأشهد الأمر، وافقتُ على ذلك لتلبية دعوة الأخ المسلم، وطبعا لم أكن أحضر الجلسات التحضيرية [للتأسيس] كما بيَّنت سابقا، ولكن التقارير كانت تأتيني أولا بأول.

وقد تسلَّم الأخ طلحة السوداني الحقيبة العسكرية، وتسلَّم الأخ عيسى الكيني قيادة جيش الحركة – وهما من شباب الشيخ أسامة [بن لادن]- وسُلِّمت الحقيبة السياسية للأخ أحمد مدوبي – وهو من قيادات كيامبوني الموالين مباشرة لشباب الشيخ- وسلّمت الأمانة العامة وحقيبة المالية للأخ حسن أفغوي وهو مصرفي مشهور من شباب مقديشو والمقربين لنا، وكانت المفاجأة عندما قرر مجلس الشورى بأن يسلّمني حقيبة اللجنة الأمنية للحركة، وقد تفاجأ الجميع لأن هذه الحقيبة هي أساس الحركة فهي حركة جديدة ويسهل اختراقها، ويشكّل اللجنة الأمنية أهم الركائز في الحركة، ولم أتفوَّه بكلمة وفوجئ الذين لم يكونوا يعرفونني لأنهم لم يشهدوني أبدا في الجلسات واللقاءات السابقة”.[3]

أقول: وبعد التدخُّل الإثيوبي العسكري في الصومال مطلع عام 2007م، وتأسيس (تحالف إعادة تحرير الصومال) في إرتريا من قِبل قيادات من المحاكم الإٍسلامية والمنشقين عن برلمان حكومة عبد الله يوسف، وقيادات المجتمع المدني والمغتربين الصوماليين نأت حركة الشباب المجاهدين بنفسها عن هذا التحالف، وعززت سيطرتها على جنوب ووسط الصومال، ومن هنا برزت الحركة في الساحة كحركة جهادية واسعة لها أطرها التنظيمي، ولم تكن معروفة للجماهير الشعبية من قبل.

قال د.عبد الرزاق تكر: ” أعلنت الحركة عن أميرها الجديد في يوم السبـت 12 ذو الحجـة 1428هـ 22/12/2007م وهو أحمد عبدي غودني، واسمه التنظيمي (مختار عبد الرحمن الملقب بأبي زبير) خلفًا لقائدها السابق السيد/ عبد الرحمن إسماعيل عرالي الذي أُلقي القبض عليه في جيبوتي منتصف عام 2007م، ثم أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إدراج حركة الشباب المجاهدين في قائمة المنظمات الإرهابية يوم 13/3/2008م بسبب ارتباطها بتنظيم القاعدة، وتردَّد اسم حركة شباب المجاهدين بوتيرةٍ عالية في وكالات الأنباء المحلية والعالمية ما أعطى زخماً كبيراً في عملياتها العسكرية ضد حكومة السيد/ علي محمد غيدي آنذاك والقوات الأثيوبية التى ساندتها.

وعلى الصعيد الميداني حقَّقت الحركة مكاسب على الأرض حيث بسطت سيطرتها على معظم مناطق جنوب ووسط الصومال، وأسَّست ولايات إسلامية في معظم مناطق وسط وجنوب الصومال، وخضع لسيطرتها ثلثا مساحة أحياء العاصمة مقديشو من 2009م وحتى أواخر عام 2011م، وكانت الرصاصات الطائشة لمقاتلي الشباب المجاهدين تحصد الأرواح في باحة القصر الرئاسي”.[4]

أقول: تسارعت الأحداث لصالح حركة الشباب وخضع معظم جنوب الصومال لسيطرتها لمدة طويلة من الزمان، وفي فبراير 2012م أعلن أمير الحركة أبو الزبير في تسجيل عن انضمامهم إلى تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أيمن الظواهري.

وفي أواسط عام 2013م واجهت الحركة تحدِّيات كبيرة من بينها الهجوم الكبير الذي شنَّته قوات الاتحاد الإفريقي الأميصوم والقوات الصومالية على معاقلها، وكذلك الخلافات الداخلية التي ظهرت بين قيادتها، وما زالت الحركة تسيطر على مناطق متفرقة من الصومال رغم انسحابها من المدن الكبيرة.

---------------- هوامش -----------------------
  1. ورقة بعنوان: ” تاريخ وموقع حركة الشباب من خارطة جماعات الغلو والتطرف”، قدمت في مؤتمر (ظاهرة الغلو والتطرف) الذي عقد في فندق الجزيرة في العاصمة الصومالية مقديشو 7-11/09/2013م، والمؤتمر قيد النشر والطباعة. []
  2. مذكّرات أبي الفضل القمري (2/47-51 []
  3. مذكرات أبي الفضل القمري، مرجع سابق. []
  4. ورقة بعنوان: ” تاريخ وموقع حركة الشباب من خارطة جماعات الغلو والتطرف”، مرجع سابق. []
%d مدونون معجبون بهذه: