الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [13]

صعود التيار الجهادي في الصومال:

من أهمِّ تأثير المحاكم الإسلامية على الحركات الإسلامية في الصومال أن التيــَّار الجهادي تصاعد دوره لأوَّل حتى أصبح في عام 2010م أقوى فصيل إسلامي في وسط وجنوب الصومال على الإطلاق، سواء من الناحية العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسيطر – بالكامل – على جنوب ووسط الصومال بما فيها العاصمة مقديشو، ما عدا القصر الرئاسي والمطار والميناء.

وعند الثورة الإسلامية التي قادتها المحاكم الإسلامية عام 2006م كان التيار الجهادي مجهَّزا بشكل كبير، واستفاد من هذه الثورة الشعبية الإسلامية على زعماء الحرب، وما تلا ذلك من صرعات مريرة مع الحكومة الانتقالية التي أدخلت البلد القوات الإثيوبية، فجنَّد الكثير من الشباب، وتعاطف معه الآلاف من الشعب.

وبعد المفاصلة الفكرية بين حركات المقاومة إثر تأسيس (تحالف إعادة تحرير الصومال) في إرتريا عام 2007م والذي ضم أطيافا من المجتمع الصومالي بادر التيار الجهادي في أن ينأى بنفسه عن هذا التحالف الذي وصفه بالعلماني، ويكرس على وجوده العسكري في المناطق الجنوبية من الصومال.

وبعد أن تم الاتفاق بين التحالف المعارض وبين الحكومة الانتقالية على انسحاب القوات الإثيوبية من الصومال، وتشكيل حكومة وحدة وطنية في يناير عام 2009م فاز فيها رئيس التحالف شيخ شريف شيخ أحمد قام التيار الجهادي بضربة استباقية للتخلص من شيخ شريف، والإسراع في الإطاحة بحكومته فوسَّعوا نفوذهم في العاصمة ومعظم جنوب البلاد.

قال الباحث محمد يوسف موسى: “انضمَّت “مجموعة الشباب” في بنية المحاكم الإسلامية بعد مقتل قائد قوات محكمة إفكا حلني حرسي لغي عام 2006م، وتولَّى آدم حاشي عيرو قيادة هذه القوات، وكان الهدف الرئيسي عسكرة مشروع المحاكم، بل وعسكرة المجتمع الصومالي برمَّته استعدادا لتحقيق أهدافها العسكرية… وبدلا من استثمار هذه الفرصة وتحقيق النصر العسكري الذي تحقق بالمقاومة إلى نصر سياسي والاصطفاف حول الدولة التي يرأسها الزعيم السابق للمقاومة [شيخ شريف] وتصحيحها من الداخل فضلت مجموعات من المقاومة في المواجهة وحسم الأمور عسكريا مع رفاق دربهم في النضال “.[1]

ونتعرف الآن على أهم هذه التيارات الجهادية التي ظهرت في الصومال.

أولا: جماعة رأس كامبوني:

كانت هذه المجموعة في أصلها مجموعة انفصلت عن الاتحاد الإسلامي في إمارة غدو بعد خلاف حول استهداف القوات الدولية المتواجدة في تلك المناطق، وتأثير تنظيم القاعدة على الإمارة الإسلامية، ثم تخلِّي حركة الاتحاد الإسلامي عن الاسم والعمل العسكري.

قال د.عمر إيمان: ” بعد قرار حركة الاتحاد الإسلامي على إيقاف الحروب وإلقاء السلاح وتوزيعها على القبائل، وتفكيك المعسكرات وتسريح الجيش جاء الدور على معسكر طوبلي، ورفض بعضٌ من قادة هذا المعسكر تلك السياسة، وقرروا الاستمرار في المعسكر بحصَّتهم من السلاح والجنود بعد [توزيع] السلاح، ومن هؤلاء القادة الشيخ حسن عبد الله حرسي [تركي] والشيخ أحمد إسلام [مدوبي]، وتم تأسيس تلك الإمارة في 3/7/1993م”.[2]

أقول: هذه المعلومة بهذا الإجمال فيها نظر، إذ أنه تقدَّم النقل عن عبد الله فاضل القمري – في مبحث تأثير القاعدة على الحركات الإسلامية – أن الإمارة تأسّست – في نفس هذا التاريخ تقريبا – إثر اختلاف القاعدة مع إمارة غدو الإسلامية في شأن استهداف القوات الدولية، وتم تأسيس تنظيم القاعدة المعسكرات في منطقة رأس كامبوني بعد الهجوم على القوات البلجيكية المرابطة هناك بدعم من الشيخ حسن تركي الذي أسَّس الإمارة، وكان قرار حركة الاتحاد الإسلامي النهائي في إلقاء السلاح وتسريح القوات في عام 1996م، وأما قرار مؤتمر الحركة في جيبوتي عام 1992م بشأن مناطق الشرق فلم يؤثّر في جنوب الصومال، وفاضل القمري كانت عنده معلومة دقيقة.

 كانت استراتيجية تنظيم القاعدة في معسكرات كامبوني إنتاج أكبر عدد من الجهاديين في الصومال، وساهمت القاعدة في تدريب مقاتلي جماعة رأس كامبوني حتى أصبحوا –لاحقا- أكثر المقاتلين الجهاديين كفاءة وإجادة للأساليب القتالية في الصومال على الإطلاق قبل بروز اتحاد المحاكم الإسلامية.

قال عبد الله فاضل القمري: “وبما أنني في صدد ذكر نشاطنا في شرق إفريقيا فسوف أتطرق إلى نجاح استراتيجيتنا الخاصة بفتح المعسكرات، فبعد فتور طويل وانتظار دام لأكثر من سنتين تقريبا وتجميد النشاط التدريبي، تمكنا بفضل الله بعمل علاقة مع بعض التجَّار المسلمين من أبناء الصومال، ويتكون هؤلاء من شبكة كبيرة لا يستطيع أحدٌ معرفتهم، ولم نجتهد في معرفة مصادر أموالهم لأن ذلك لا يعنينا، كل ما كان يعنينا أن يصل إلينا المال لكي نستخدمه في التدريبات لذا لا أعرف مصادرها وهذه هي الحقيقة.

لقد تعاملت مع شخصية واحدة هي التي كانت تتصل بتلك الشبكة لتطلب منها المال، وكانوا واثقين من أن أموالهم تذهب إلى المكان المناسب، لذا كانت هذه فرصتي لجمع شمل الإخوة حيث يوسف التنزاني وعيسى الكيني وطلحة السوداني [ثلاثتهم من كوادر القاعدة في الصومال]، وربط شملهم في عمل واحد وهو العمل الذي أتينا إلى الصومال من أجله وهو تدريب المسلمين، ومساندة إخواننا في الأوغادين”.

أقول: كان عبد الله فاضل القمري وصل إلى الصومال مرة ثانية عام 2001م بعد أن غادرها عام 1993م، ومكث فيها حتى عام 2007م بعد التدخُّل الإثيوبي وهرب إلى كينيا كما في مذكّراته، وفي تلك الفترة كان يتابع التطوُّرات والأنشطة الجهادية في الصومال عن كثبٍ.

ثم قال فاضل: “وعندما درسنا مقتراحات التجَّار حول إعادة إحياء المعسكرات في جنوب الصومال واستعدادهم الكامل لتوفير كل المال والسلاح والأموال اللازمة للتدريبات، وبعد أن تأكَّدنا من حسن نواياهم، تمكَّن الإخوة من إرسالهم إلى منطقة “طوبلي” الحدودية مع كينيا ليقابلوا المسؤولين هناك، …وعندما وافقوا على مقترحاتنا سافروا إلى دوبلي لمقابلة الشيخ حسن تركي حفظه الله، وأخبروه بسبب مجيئهم، وقد فرح جدا لذلك الأمر، وأخذهم في جولة ميدانية إلى منطقة (لاكتا) وقرية كامبوني التي تبعد أكثر من 200 كيلومتر، …ثم وعدوا الشيخ بأنهم سيساندوهم في كل شيء، وهكذا بفضل الله بدأت منطقة كامبوني عهدًا جديدًا من النشاط”.

أقول: تغلغل تنظيم القاعدة في صفوف جماعة رأس كامبوني حتى أصبحوا من القيادة العليا.

قال عبد الله فاضل القمري: “كان من الواضح أن طلحة السوداني [قيادي من تنظيم القاعدة] هو من [كان] يسيطر على جيش رأس كامبوني ماديا وعسكريا وتنفيذيا، أما الإدارة الكبيرة المكونة من مجلس شوى وغيره فهي تسمع وتطيع فقط مادام هناك مصلحة مَّا في مكان أو مرحلة ما، وهذا الأمر أقلقني، وقد طالبت دائما أن يكون القرار المصيري بيد الصوماليين وليس بيدنا … وهذه هي نقطة الخلاف الكبير بيني وبين أخي وحبيبي طلحة [السوداني]، فقد طالبتُ دائما أن يتولَّى الشيخ حسن تركي اتخاذ القرارات المصيرية فيما يخص الجبهة الجنوبية، ولكن الأمر كان غير ذلك، وكان هناك أحمد مدوبي وهو سياسي يستغل المواقف لصالحه، وأعرفه معرفة جيدة منذ بداية التسعينات فهو يجيد لعبة السياسة الداخلية، وهناك الأخ طلحة السوداني الذي اقتنع كثيرا بموضوع بناء إدارة خاصة به وبإدارة كامبوني، هذا ما فهمته من التحركات الميدانية واللقاءات التمهيدية”.[3]

أقول: وبعد الثورة الإسلامية وبدءِ المواجهات العسكرية بين “تحالف مكافحة الإرهاب” وبين المحاكم الإسلامية في مارس 2006م قررت جماعة رأس كامبوني التدخُّل في الساحة لصالح المحاكم الإسلامية، وساهمت – إلى حدٍّ بعيد – في الحسم العسكري ضد التحالف.

قال فاضل القمري: “في الشهر الرابع أبريل من عام 2006م تحرَّك الشيخ حسن [تركي] مع الأخ طلحة السوداني ويوسف التنزاني وعيسى الكيني [ثلاثتهم من القاعدة]، وأكثر من ثلاثين من الشباب المتدرِّبين من المهاجرين والأنصار، وتحركوا بثلاث سيارات فقط، وكان هذا الأمر ملفتًا جدا، فكان عليهم المرور بمناطق خطيرة يتواجد فيها قطاع الطرق ولكن ومع ذلك وصلوا إلى مقديشو في مطلع شهر مايو… وبقدوم الإخوة من كامبوني وانضمام القبائل في مقديشو بسلاحها للإخوة المجاهدين بدأ ميزان الحرب يميل لصالح المجاهدين”.[4]

أقول: وفي سبتمبر 2006م قرر التيار الجهادي تشكيل إدارة موحَّدة للتيارات الجهادية تفصلهم عسكريا وإداريا عن (مجلس المحاكم الإسلامية) رغم الانتماء الفضفاض إليها، فتمَّ تأسيس (حركة الشباب المجاهدين) كما سيأتي تفصيله عند الحديث عن هذه الحركة.

إلا أنه بعد أن تولَّى الشيخ أحمد إسلام مدوبي قيادة مجموعة رأس كامبوني مطلع عام 2009م -بعد خروجه من سجنٍ في إثيوبيا – انفصلت الجماعة عن حركة الشباب لاختلاف أحمد مدوبي معها حول إدارة كيسمايو، وانضمَّ إلى الحزب الإسلامي الذي أسسه الدكتور عمر إيمان أبوبكر في كيسمايو بعد رجوعه من إرتريا ومروره بمناطق في جوبا.

ازدادت حدة التوتُّرات ما بين جماعة رأس كامبوني بقيادة أحمد مدوبي المنضوية (شكليًّا) تحت (الحزب الإسلامي)، وبين حركة الشباب التي كانت الأقوى والمسيطرة على مقاليد الأمور في كيسمايو، واتهمت الحركةُ أحمد مدوبي بأنه شخص مشبوه إثر مطالبته بتقاسم السلطة في كيسمايو ما بين حركة الشباب والحزب الإسلامي، بعد انضمام (الإدارة الإسلامية في كيسمايو) رسميا إلى حركة الشباب الأمر الذي أصبح ضربة في أطماح أحمد مدوبي.

اندلعت الاشتباكات المسلحة بين جماعة رأس كامبوني والمتحالفين معها من معسكر عانولي من جهة، وبين حركة الشباب المجاهدين في أكتوبر 2009م في مدينة كيسمايو، وسرعان ما انهزم أحمد مدوبي وأنصاره ولجأوا إلى كينيا.

ورغم أن الشيخ حسن تركي ندَّد في البداية بقرار حلِّ الإدارة الإسلامية في كيسمايو إلا أنه وعَددًا من التيار الجهادي الموالي له أعلنوا ولاءَهُم وانضمامهم لحركة الشباب وبراءتهم من أحمد مدوبي لاحقا في عام 2010م، وتحوَّلت جماعة رأس كامبوني – بواقع الأمر، وبتأثير مؤثِّر– إلى حركة سياسية تحريرية ذات طابع قبَلي محلِّي تسعى إلى تحرير مناطق جوبا السفلى من قبضة حركة الشباب، وسرعان ما احتضنتها كينيا، ودرَّبت أفرادها بجانب أفراد من القوات الصومالية المحليَّة.

تدخَّلت القوات الكينية عسكريا في الصومال لدحر حركة الشباب، وسرعان ما انضمَّت كينيا إلى بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (أميصوم) لتتجِّه إلى مدينة كيسمايو من أكبر معاقل حركة الشباب في الجنوب، وأصبحت جماعة رأس كامبوني التي يترعَّمها أحمد مدوبي من ضمن القوى الصومالية المتحالفة مع القوات الكينية، وعند سيطرة القوات المتحالفة على كيسمايو في سبتمبر 2012م بسط أحمد مدوبي وتيَّاره من جماعة رأس كامبوني سلطتهم بإعلانهم (إقليم جوبالاند)، وعززوا سيطرتهم على مقاليد الحكم في المدينة، وتخلَّصوا من المليشيات الصومالية المتنافسة معهم بدعم من القوات الكينية.

---------------- هوامش -----------------------
  1. تقرير بعنوان: “المقاومة الإسلامية في الصومال الفرص، والعقبات، والمكاسب، والمآخذ”، نشر  في التقرير الدوري للشاهد (الإسلاميون الصوماليون من الهامش إلى مركز الأحداث)، 2010م العدد الأول، ص:102و113 []
  2. “تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال” ص:85. []
  3. “مذكرات فاضل القمري” الموسومة بالحرب على الإسلام (2/108 []
  4. مذكرات فاضل القمري، مرجع سابق []
%d مدونون معجبون بهذه: