الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [12]

انقسام التيار الإخواني في الصومال:

منذ عام 2001م كان الخلاف في داخل حركة الإصلاح الإخوانية ينشأ شيئا فشيئا حول الرؤى والاتِّجاه في التعامل مع قضايا عدَّة من بينها الهيكل الإداري والشورى والشفافية والانخراط في الأنشطة الإسلامية الدعوية مع الكيانات الأخرى، وغير ذلك من الأمور.

قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: “بالرغم من أن الحركة كان لها أثر فاعل في الساحة الصومالية في مختلف الأصعدة إلا أن هذا الأثر بدأ يتضاءل بعد عام 2001م لأسباب عديدة أهمها: وجود خلاف داخلي عميق حول قضايا تتمثَّل في قضايا الشورى والشفافية في التعامل الإداري والتنظيمي، وتقليل الشأن التربوي والدعوي لدى الأطر الحركية، وسياسة “التعامل مع الواقع” الذي انتهجتها الحركة، ثم موقف قيادة الحركة من المحاكم الإسلامية والغزو الإثيوبي على الصومال.

شكَّلت هذه القضايا تباينـًا في الرؤى والاتجاه بين أبناء الحركة في ظل تسارع الأحداث الإقليمية والدولية الخاصة بالصومال، وبصورة خاصة مع بداية التهديدات الأمريكية الموجَّهة للصومال وللقوى الإسلامية إثر أحداث 11/9، فانسحبت الحركة من ساحة الدعوة، وضغطت على علمائها حتى لا يظهروا في المناسبات الإسلامية والوطنية التي تندّد بالسياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي أو حتى تجاه الصومال، فتوقَّف بعض العلماء من الخُطَب التي كانوا يُلْقُونها في الجوامع بسبب هذه الضغوط، ورفض آخرون هذا التوجُّه.

وكان هناك مبادرات تهدف إلى تسديد مسيرة القيادة التي بدأت تفقد توازنها واعتدالها، وتبتعد عن رسالتها الوطنية والإسلامية لكن هذه الدَّعوات لم تجد آذانا صاغية لدى القيادة، بل كان الخلاف الداخلي يتفاقم يوما بعد آخر منذ عام 2003م حتى أصبح من الملاحظ خلال تلك الفترة وجود تيَّارين في داخل الحركة يتعاملان مع الأحداث الخاصة والعامة برؤيتين مختلفتين”.[1]

وقال حسن محمود عبد الله: ” قد أثبت الواقع أن قراءة الحركة الإسلامية [الإصلاح] في الواقع الصومالي كان صحيحا إلى درجة أن قال أحد المنتقدين السابقين: ” لم تكن الحركة تسبح عكس التيَّار بل كنا نحن الذين يسبحون عكس التيار”، … ورغم قناعة الحركة بصعوبة الاتجاه إلا أنها كانت على يقين بأنه هو الطريق الأسلم والوحيد لإنقاذ الشعب الصومالي، ولم تتردَّد في العمل من خلال هذه الاستراتيجية، وقد دفعت ثمنا باهظا لسياساتها السابقة وكسبت معاداة القريب قبل البعيد، واتُّهم بالتقاعس عن الجهاد، وحتى بعض أبناء المدرسة الإخوانية الذين ابتلوا بركوب موجات العنف ولم يزوروا الصومال اتَّهموها بحذف سياساتها من الجهاد”.[2]

أقول: هذا الصراع الداخلي أدَّى إلى بروز تيَّارين في داخل الحركة: تيَّار ينادي بالتصحيح، وتيَّار يتَّهم الخصوم بالشِّقاق والبلبلة.

وبعد سيطرة المحاكم الإسلامية على مقديشو عام 2006م أصبح من أعضائها كل من الشيخ نور بارود، ود.محمد علي إبراهيم، والشيخ عثمان إبراهيم وغيرهم من التيَّار التصحيحي.

وفي تلك الفترة حاولت قيادة حركة الإصلاح عقد مؤتمرها السنوي في أحد فنادق مقديشو إلا أن المحاكم الإسلامية – بتشجيع من التيَّار التصحيحي – لم تسمح لها بانعقاد المؤتمر، ويقول حسن محمود عبد الله: “كانت هذه أخطر محاولاتهم في ضرب الحركة بقوات المحاكم الإسلامية، وكانت استراتيجيتهم تسعى إلى الاستفادة من قوَّة المحاكم غير المنضبطة لضرب مؤسسات الحركة والاستيلاء عليها”.

وبعد أن قاد المراقب الأسبق للحركة د.محمد علي إبراهيم وفد المحاكم الإسلامية للتفاوض مع الحكومة الصومالية الانتقالية في الخرطوم استشاطت قيادة الحركة غضبًا، وأصدرت قرارا بفصل د.محمد علي إبراهيم من عضويَّة الحركة، وبعدها تم فصل عدد آخر من الكوادر.

قال حسن محمود عبد الله: ” شهدت الحركة الإسلامية الصومالية أوقاتًا عصيبة يمكن وصفها بالمفصلي في تاريخ الحركة، فقد انشقَّ عن الحركة قيادات تولَّوا مناصب عالية وبعضهم في أعلى سلم الهرم، وأذكر منهم د.محمد علي إبراهيم المراقب الثاني، والشيخ نور بارود نائب المراقب، وعبد العزيز حاج أحمد مسؤول المكتب المالي لفترة طويلة، وعبد القادر محمد كتُب مسؤول الجنوب، والشيخ حسن داهية أحمد مسؤول الشمال”.

وقال الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” فقَدَت قيادة الحركة زمام المبادرة في قيادة العمل الميداني نتيجة انفصال القاعدة عن القيادة، وأصبح موقف القيادة أكثر سلبية بعد دخول القوات الإثيوبية إلى الصومال حيث لم تشارك في النضال السياسي والعسكري ضد القوات الإثيوبية، بل تعاونت مع الحكومة الانتقالية التي يتهمها معظم الشعب الصومالي بالعمالة لإثيوبيا”.

أقول: وبعد تيــهٍ دام قرابة عام اجتمع التيار التصحيحي في السعودية في موسم الحجَّ لعام 1428هـ الموافق ديسمبر 2007م في مؤتمر موسَّع، وأعلنوا التأسيس الثاني لحركة الإصلاح، وأقالوا القيادة، وانتخبوا الشيخ عثمان إبراهيم أحمد مراقبا جديدا لحركة الإصلاح.

قال د.محمد علي إبراهيم: “هناك رجالٌ تحالفوا واستَحْوَذوا على مؤسَّسات الحركة، وادَّعوا أنهم يملكون صكَّ الاعتراف من الإخوان الدولي، وتجاهلوا الآخرين وقالوا:” ليغترفوا من البحر”، وبعد محاولات كثيرة للتوسُّط والإصلاح في الداخل والخارج وصلت إلى طريق مسدود، وعندما انسحب هؤلاء عن ساحات الدعوة والتربية والمشاركة في إنقاذ الأمة بدأ شباب الحركة يطالبون بإنشاء كيان يلبي طموحاتهم، وقالوا: “وإلَّا ننضمُّ إلى الجماعات الفاعلة”، وهذا قادنا إلى عقد مؤتمر عام في 2007م وإعلاننا لتغيير القيادة والحمد لله تمَّ هذا، ثم أجرينا تغييرا ومراجعة في دستور الحركة ولوائحها، وقمنا بمسح شامل في الداخل والخارج، وعلمنا أن حوالي 80-85 % من أعضاء الداخل معنا، وهم يريدون التغيير”.[3]

أقول: استقرَّ الأمر ما بين عامي 2008 – 2012م على انشطار حركة الإصلاح إلى جناحين، الدَّم الجديد، أي التيار التصحيحي، والدم القديم أي تيار القيادة، ولكن مسلسل الخلافات والصراعات لم تنته بعدُ، رغم أن صاحب كتاب (تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية) أفاد بأنه بعد خروج المنشقِّين أصبح كل شيء على يرام،! فقال: ” كانت قرارات الحركة مطروحة في الأسواق قبل أن تصدر من مؤسساتها ومكاتبها بصورة متعمَّدة، إن سياسة الإرجاف والبهتان التي مارسها المنشقُّون مُقابِل قيَادةٍ تتحمَّل مسؤوليتها تجاه العمل وتكظم غيظها، هذا الضغط الهائل أنتج سياسة جديدة مفادها أن تناقش القيادة قراراتها قبل عرضه على مجالس الحركة وتهيئة التأييد له”.

الدمج بين جناحين من حركة الإصلاح بعد أزمة داخلية ثانية:

في عام 2012م برز تيَّار تصحيحي آخَر في جناح الدم القديم الذي كان يرأسه د.علي باشي عمر، قاد هذا التيار الشيخ محمد أحمد نور غريري، والدكتور محمد يوسف عبدي، والشيخ أحمد رشيد شيخ حنفي، – وهؤلاء من المؤسِّسين – والشيخ إسماعيل عبد هري طيغ – القيادي السابق في حركة وحدة الشباب الإسلامي، والنائب الأول لمراقب الحركة-، ومحمد أحمد بيري النائب الثاني للمراقب، وكثير من القيادات المهمَّة في جناح الدم القديم.

أصدر الشيخ محمد غريري بيانا نشر في شبكة الشاهد 23/7/2012م بأنه تمَّ حلِّ قيادة الحركة بما فيها المكتب التنفيذي، وتجميد عضوية كل من د.علي باشي عمر المراقب العام، ود.علي الشيخ أحمد أبوبكر من الحركة، وذلك على خلفيَّة تدشينهم لحملة انتخابية مثيرة للجدل للدكتور عبد الرحمن معلم باديو، وتخطيطهم في تأسيس حزب سياسي دون استشارة أعضاء الحركة مع صرعات داخلية أخرى، ودعا الشيخ غريري إلى مؤتمر عام للمشاركة في تصحيح مسار الحركة.

قال د.محمد يوسف – وهو أيضا من مؤسّسي حركة الإصلاح ومن أهم كوادرها -: ” أسباب الانشقاقات في تاريخ الحركة معروفة للجميع فهي تكمن في وجود أشخاص تسلَّقُوا إلى قيادة الحركة بطرق مُلتوية في أواخر التسعينات من القرن الماضي؛ مستهدفين تعويق الحركة ومنعها من تحقيق أهدافها في قيادة المجتمع على ضوء من الكتاب والسنة، خدمةً – في نظري – لجهات مشبوهة لا ترضى للأمة أن تحكم وفق دينها الإسلامي، وتحقيقا لحظوظ نفس أمَّارة بالسوء.

ثم تشبَّثُوا في التمسك بقيادة الحركة مستخدمين في ذلك كل الأساليب التي تتيح لهم السيطرة الكاملة عليها من التزوير الفاضح للانتخابات، وتعطيل مبدأ الشورى واتباع طرق الاستبداد وتجاوز لوائح الحركة ونظامها الأساسي ومحاربة وإبعاد رجالها المخلصين وشبابها الناهض والاستيلاء على مقدراتها ومؤسساتها، وإخضاعها لرغباتهم الخاصة وفرض المحسوبية والأنانية عليها، ومحاولة فرض مظاهر العلمانية أو اللادينية وإشاعة القبلية والفرقة بين أقاليم الحركة الست، مما جعل بعض الإخوان يرى أن البقاء مع تلك المجموعة الفاسدة لا يخدم هدف الحركة، وخصوصاً بعد محاولات الإصلاح من الداخل التي تصدَّت لها – بعنف – المجموعةُ التي غيرت مسار الحركة أي جناح علي باشا”.[4]

وقال الشيخ أحمد رشيد شيخ حنفي – وهو أيضا من مؤسّسي الحركة – : ” إن أكبر مشكلة حدثت في داخل الحركة في الآونة الأخيرة تتمثل في انحراف القيادة العليا للحركة عن الأهداف الرئيسية التي أسست من أجلها الحركة، تلك القيادة – ممثّلة في آخِر مَن كان يتولى مسؤولية الحركة خلال السنوات العشرة الأخيرة – حاولت أن تزرع في داخل الحركة أفكارا غريبة وبعيدة عن أهدافها الرئيسية، ولا أساس لها في الإسلام، وبالفعل هذا ما أدى إلى حدوث الخلافات بينها وبين من كان يعارضها في ذلك التوجه الذي بدا غريبا لدى الغالبية العظمى من أبناء الحركة الإسلامية في القرن الإفريقي، .. ووصل الأمر إلى انتخاب المسؤولين والمجالس الحركية على أساس المحاباة والقبليَّة بعيدا عن الأسُس المعروفة بالحركة، بالإضافة إلى ذلك كان هناك غياب كامل لمفهوم المساواة بين أبناء الحركة؛ حيث كان يتم توزيع الوظائف والمنح الدراسية على أسس خالية من الشفافية والنزاهة المطلوبة،! المآسي كثيرة، ولا يمكن حصرها في هذا المكان، ولكن – كما أشرت سابقا- فإن أكبر مشكلة واجهتنا كانت تتمثل في الجانب الفكري؛ حيث تم استبدال شعار (الله غايتنا) بغيره مما لا أساس له في الإسلام، وقد وصل الأمر أن يتم تجنيد أفراد جدد من قبل المراقب وأعوانه؛ ليصوتوا لصالحهم أثناء الانتخابات”.[5]

أقول: وفي العشرين من أبريل 2013م تمَّ معازلة هذا التيار التصحيحي داخل الدم القديم لجناح الدم الجديد الذي انشقَّ عن القيادة عام 2007م وأصبح – بواقع الأمر – كيَّانا قائما بذاته وباقيًا في الساحة له مؤسَّساته وكوادره، وأعلن الجناحان أنهما بصدد الاندماج والوحدة.

وإثر مؤتمر موسَّع عُقد في مقديشو في 27 أغسطس 2013م أُعْلِن عن الاندماج الكامل بين الجناحين، وانتخب الدكتور محمد شيخ أحمد محمد (محمد حاج) مراقبا عاما للحركة، كما اختير الشيخ إسماعيل عبدي هري (إسماعيل طيغ) رئيسا لمجلس الشورى الجديد.

غير أن جناح د.علي باشي عمر من الدم القديم، رفض هذه الخطوة التي اتَّحد بها التيار التصحيحي – وهو مجموعة الشيخ محمد غريري – مع جناح الدم الجديد، وأعلن جناح علي باشي أنهم مازالوا على الشَّرعية الحركية وكونهم الحركة الأم، ويعترف بهم الإخواني الدولي، وكلُّ من خالفهم فهو الذي ترك وغادر الحركة وانفصل عنها طواعية – حسب تعبيرهم-.

---------------- هوامش -----------------------
  1. “الإسلاميون الصوماليون”، ص:42. []
  2. “تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية” ص:204. []
  3. حوار مع د.محمد علي إبراهيم، مرجع سابق. []
  4. حوار مع د.محمد يوسف، نشر في شبكة الشاهد بتاريخ 28/4/2013م. []
  5. حوار مع الشيخ أحمد رشيد حنفي، نشر في شبكة الشاهد، بتاريخ 30/10/2013م. []
%d مدونون معجبون بهذه: