في رحاب الدعوة وتجارب الحياة “مذكرات الدكتور أحمد الحاج عبد الرحمن”[6]

حروب الاتحاد الإسلامي في شرق الصومال :

  ما وصلنا هو أن المجموعة التي انسحبت من أراري وصلت إلى دوبلي Dhoobley وتناقشوا حول استقرارهم في الجنوب أو التوجه إلى الشرق (أي محافظة شرق الصومال وعاصمتها بوساسو حاليا)، وهناك من يرى عدم التوجه إلى الشرق، ولكن بعد مناقشات استقر رأي الأغلبية منهم التوجه إلى الشرق وحسن طاهر هو الذي اتخذ القرار لأنه كان هو المسئول عن مكتب الجهاد في الحركة ، ولقي معارضة لكنه علل قراره بحجج أدت بهم إلى اتخاذ ذلك القرار. ومن دوبلي على الحدود الكينية الصومالية واصلوا سيرهم ومروا بإثيوبيا وكان حزب (الاتحاد الإسلامي) مسجلا فيها ومعترفا به لدى السلطات وكان له مكتب في أديس أبابا وكان ذلك إبان اعتلاء زيناوي[1] وجبهته على سدة الحكم ، تحرك هؤلاء بشكل علني ومعهم آلياتهم الحربية وأسلحتهم المتنوعة.

 من الواضح أن من أسباب تلك الحرب والتصادم مع مجتمع المنطقة قلة النضج وغياب الرؤية الناتجة عن التحليل السياسي الذي يقرأ الأوضاع من شتى الجوانب بغض النظر عن توفر عنصري الحماس والتدين الجارف، والدليل على ذلك أن التوقيت الذي شنت فيه تلك الحروب كان في ظرف انهزم فيه أهل تلك المنطقة وتم الاستيلاء على كيسمايو وجيدو، ومنطقة الشرق أضحت المنطقة الوحيدة التي بقيت في أيديهم- أي العشائر- يستولي عليها ( الوداد) –أي الاتحاد الإسلامي- فلم يتصوروا حجم الاستماتة والمقاومة الشرسة من القبائل ومن السياسيين الذين يدركون مدى مناسبة التوقيت وتوظيفه لصالحهم. ولكن هل تم توريطهم ؟ لا نعتقد أنه تم توريطهم ولكن اجتمعت عوامل متعددة أبرزها الرغبة الشديدة للحروب ( الجهاد) والسيطرة على المناطق لتأسيس إمارة، وكانوا متحمسين يبحثون عن أية ذريعة وحجة .

 توجيه طاقات شباب المعسكرات 

زارنا في السعودية أحد قادة المعسكرات ضمن جولة له في السعودية فقلت له : أنتم جلبتم عساكر إلى المنطقة، ولا طاقة لكم بإنفاقها أليس من الأحسن أن تحولوا هذه القوات إلى طاقة منتجة نافعة للأمة وتخرجوه جيشا متدربا على مختلف الحرف مثل الصيد وتفتحوا مدارس ليلية لتوعية الشعب ، ويساعدوا المجتمع بالقيام بمشروعات مثل بناء مدارس على غرار مشروع (ساعد نفسك) ISKAA WAX U QABSO بدل أن يقضي الجندي سحابة نهاره في المعسكر فرد الرجل : إن هؤلاء جاءوا إلى المنطقة ليجاهدوا لا ليصبحوا عمَلة –أي بنائين- يحملون على ظهورهم الطين والأخشاب أو الصيد من البحر، فقلت له: لماذا هذه القوات إذن؟ لابد من توجيهها برؤية وفكرة ثاقبة .

  وكنت أرى أن هذه الطاقات تحمل في ثناياها عوامل الهدم إذا لم نحسن توجيهها ، ويجب أن يكون هدفها هو تقوية ظهر الدعوة دون أن يتم استخدامها في حرب أبدا ، والرأي الناضج هو أن استخدام القوة للضغط وإرهاب الخصم أفضل من استخدامها للحرب الميدانية؛ لأنك بهذا تثبت وجودك في ميادين المفاوضات ، وتؤمن قسمتك العادلة ، وهذا ما تفعله الدول الفاعلة المتفوقة عسكريا، ولكن عند استخدامها في الحرب تسقط هيبتها ، فكنت أقول لهم: لا تسرعوا في الحرب والقتال واجعلوا الهدف من وجودها حفظ الدعوة ولا أحد يقف أمامكم الآن.

 وأنا متأكد أنه إذا أحسن استخدام تلك الطاقات يومئذ لم تتحول الدعوة إلى دعوة يتيمة كما هي اليوم ، وفي بوساسو أسسوا معسكر خالد بن الوليد ، ومعسكر (قو) – موضع قرب بوساسو- ثم حدث اجتماع بعادوين الذي ضم مجموعة من القيادات منهم حسن طاهر ، والشيخ علي ورسمه ، والشيخ عبد القادر نور فارح ، وعبد العزيز فارح ، وقد مرَّ عبد العزيز في السعودية قادما من مصر وأطلعنا على خطته قائلا: نريد إحداث ثورة بيضاء في المنطقة والاستيلاء عليها، وكان سياسيا من الطراز الأول عاقلا ، والذين كانوا معنا في السعودية استحسنوا الفكرة وطربوا لها ولكني عارضته وقلت له: هذا الأمر لم يحن بعد لأن للأمة قيادات تاريخية معروفة، ونحن مجموعة من الشباب لا يعرفوننا أرى أن نسعى للتمهيد لذلك بشكل طبيعي وليس قسري.

 مؤتمر بعادوين ….الانقلاب الأبيض تحول إلى حمام دم

كان رئيس المعسكر في ذلك الوقت ضابطا اسمه فارح حسن وقتل لاحقا في المعارك، وكان من الضباط أيضا القائد أبو محسن واسمه محمود عيسى وهو من عشيرة علي غيرى من طلبهنتا ، وحسن طاهر وصل إلى المنطقة متأخرا وهو رئيس مكتب الجهاد العام للحركة وقد حضر مؤتمر بعادوين[2] [ مايو1992م] ، وتم الاتفاق على مشروع عبد العزيز فارح وهو الاستيلاء على المنطقة بانقلاب أبيض دون الحصول على موافقة عليه من قبل (الاتحاد) لأن اتخاذ مثل هذا القرار الخطير من صلاحيات الشورى ، ولكن حفزهم وجود قيادات ميدانية ثقيلة، وحين تم الموافقة على القرار أظن أننا اجتمعنا في موسم الحج ، وكان ممن جاء عبد الرشيد عبد الله [ إلكا طغح] ، ومحمد شيخ عثمان فقلت: حتى الآن ما زلنا نعاني من مشكلة حرب أراري ولم تتم معالجة ما نجم عنها من مضاعفات فكيف تصنعون بهذه الحرب الجديدة التي تسعون لها، والشورى لم توافق عليها فاشتعلت الحرب ونحن في المناقشات ، وتلا ذلك إعلانهم باستيلاء المنطقة فجاءنا الخبر ونحن في جدة ومعي محمد شيخ عثمان ، وعبد الرشيد إلكا طغح فقلت : اليوم بدأت هزيمتنا فقال عبد الرشيد باستنكار : ولم الهزيمة ونحن أقوى من جبهة أس إس دي إف ؟!! فقلت : لا أشك أن الهزيمة حاقت بنا لأن قوات لا تزيد عن ألفي رجل يتوزعون في سبعمائة كيلومتر والشعور والغليان كما ترى فسيتم اجتثاثهم الآن .فحدث ما حدث وقتل في الحرب قياديون كبار يعز نظيرهم –رحمة الله عليهم- وأخيرا انسحبوا من بوساسو واتجهوا نحو سليط ولجأوا إلى منطقة الجبال الوعرة ولم يكف عبد الله يوسف من تعقبهم وهاجمهم من كل جانب في محاولة استئصالهم وحينذاك كان لابد لهم من الدفاع وخوض المعارك كان هذا قرار قيادات الحركة حتى التي كانت تعارض الحرب في البداية لأن المعركة هي للدفاع عن النفس من الاجتياح الكامل.

هذه الحرب نتج عنها معاناة شديدة ، واجتمعت الآراء على مساعدة أولئك المحاصرين في الجبال على البقاء وفعلا تم نجدتهم وانطلقت قوات من الغرب ( أي من داخل إثيوبيا) ومن (الشمال) – صوماليلاند حاليا -، وتم إيقاف تقدم جبهة الجبهة الديمقراطية للخلاص SSDFوانتصاراتها العسكرية ولقنوها دروسا قاسية ، وأصبحوا قوة مهيبة الجانب متماسكة.

القبض على الزعماء وتداعياته على الساحة

 وحين تم القبض على الزعماء أرادوا إطلاق سراحهم وإيقاف الحرب والشروع في مفاوضات وكان بعض الضباط يرون قتل هؤلاء الأعيان المؤتمرين ، والحقيقة أن قتلهم لو حدث أمكن أن يكون عامل حسم للمعارك في تلك اللحظة، ولكنه يصعِّد المعركة ويؤججها لأنك قتلت الأعيان والزعماء الذي تقضي كل الأعراف بعدم المساس بهم بأي حال من الأحوال Biri ma gaydo .[3] فستتضاءل فرص قبولهم للسلام والحل مع أنه ألقي القبض عليهم وهم مجتمعون لشئونهم ، وليس في معركة .

 الشيخ عبد القادر وغيره سعوا لإطلاق سراحهم ، وتم الاتصال بقيادة المعسكرات في بوساسو مثل عبد العزيز وحسن طاهر فقالوا لهم ابذلوا ما بوسعكم للإصلاح ونزع فتيل التوتر سمعت أنهم تبادلوا ذلك عن طريق التلغراف.

 وهؤلاء الزعماء –عبد الله يوسف وجماعته- نقضوا العهد للاستغلال من الفرصة السانحة ، فعبد الله لاحت له فرصة ذهبية يستطيع من خلالها ضرب الحجر بعصفورين – كما يقال-: مرة قضى على جناح أس أس دي أف بقيادة محمد أبشر موسى الذي كانت له الغلبة ، ومن جانب آخر أزاح من أمامه عقبة الإسلاميين عدوه التقليدي الذي كان ينازعه في قيادة المنطقة ، فلاحت له الفرصة، ولا توجد أشياء أخرى تتم مراعاتها أو تبعات لوجود حالة الحرب. وفيما بعد تم نقل الثلاثة الذين سعوا لإطلاق سراح الزعماء وهم الشيخ عبد القادر نور فارح وعبد العزيز جوريى وحسين عبد الله عدوين إلى نيروبي [4]، وعبد الله يوسف استغل الفرصة كما ينبغي والسياسي البارع هو الذي يخطف الفرصة خطفا وخصوصا إذا كان براغماتيا لا يراعي قواعد من دين أو خلق.

  وحين تم القبض على عبد الله يوسف حارب الأعراب والمليشيات التي كانت بالمدينة وقد نال مقاتلي الاتحاد ضربات موجعة لأن القرار كان بتسرع وعلى عجل ، ولم تتم استشارة الضباط المعنيين المجربين مثل سعيد أورفنو الذي كان من قوات الكوماندوز فقد فاجأته الحرب وكان ممن توفوا فيها وغيره مثل عبد الرشيد جوليد، وحسين حسن ، ومحمود عبد الرحمن ، وأمثالهم من الضباط وكانوا كثيرين.

 القاعدة ونوايا الهيمنة : الاتصالات الأولى

استدعانا رجال من العرب أنا ومحمد شيخ عثمان ومحمد إدريس فقالوا لنا: كيف حدثت الأمور ؟ وحين أخبرناهم قالوا : ما الحل الآن ؟ فسبق الرجلان وقالا نريد أن نعيد الكرة ، فقلت : نحن انهزمنا ويجب الاعتراف بالحقيقة لأن الهدف كان سيطرة المنطقة فلم ننجح ، وإنما المعركة حاليا معركة وجود حتى لا يتم القضاء علينا فقالوا-أي العرب- لنا: أنتم مختلفون حتى في الهدف من الحرب ، فقلت لهم : هذا رأيهم أما هذا فهو رأيي الشخصي، وحين خرجنا من عندهم عاتبوني بشدة وقالوا : أنت محبط تثير اليأس في القلوب، وهم قالوا للعرب : ساعدونا بما في وسعكم .

 ثم حدث أن عبد الله علي حاشي بعد حلول الهزيمة اتصل بأبي عبيدة البنشيري ، وكان عبد الله بجيبوتي وهو الناطق باسم الحركة وقال لهم : الآن وقعت الحروب وأنتم أبديتم لنا استعدادكم لمساعدتنا فهاتوا ما معكم الآن ، فرد عليه البنشيري: أسندوا إلينا إدارة الأمر وقيادة المعسكرات ونحن من جانبنا نتولى توفير المساعدات اللازمة فرفض عبد الله بشدة قائلا لهم : اغربوا عنا !-أي اذهبوا بعيدا عنا واتركونا- وهم كانوا يتحينون الفرص للسيطرة علينا.

أسباب وقف القتال وتسريح القوات 

 أما حل تلك المعسكرات فقد أملته عوامل متعددة ، وكثيرون ينتقدون الحركة لهذا القرار ، ولكنهم لا يدرون أن ذلك كان توقيت بداية التدخل الأجنبي في الصومال ، وبداية وجود قوات (يونيصوم) نزلوا من بوساسو مزودين بدبابات برمائية . فرأينا أن تعريض هؤلاء للاستهداف عار عن الحكمة، وثانيا كان من الغريب علينا بعدما حدث من الفشل أن الغزو على المدن والسكان والاستيلاء عليها أمر بعيد عن المنطق والصواب ، ولم يكن لنا قاعدة شعبية فقررنا العودة إلى حضن المجتمع والبدء من الصفر من جديد، ولذلك فإن أصحاب المال ورجال الأعمال الذين يشار إليهم بالبنان اليوم والوجهاء والسلاطين في المنطقة كثير منهم ضمن العائدين من تلك الحرب بعد أن احتموا بالجبال ، ولكن البعض صوَّر الأمر بأنة إفشال للإسلام وإصابته في مقتل.

 كان قرار إيقاف الحرب وحل المعسكرات تم اتخاذه في مكة ثم تأكد في اجتماع الشورى بجيبوتي، وكان من الذين حملوا لواءها وأصبحوا رأس حربتها عبد الواحد حاشي ، والشيخ حسن حسين وآخرون. وتسريح القوات بعد اتخاذ القرار لم يكن من السهولة بمكان.

وكان من الأسباب الموضوعية لاتخاذ قرار تسريح القوات أيضا هو أن هؤلاء –شباب الاتحاد الإسلامي- في العراء متجردين من أسباب القوة والمنعة، ويصعب الإنفاق عليهم لفترة طويلة، وهم معرضون للقصف من الجو في أية لحظة، والهدف من استيلاء المنطقة لم يتحقق ، وإعادة الكرة على المنطقة أمر مشكوك النتائج وهي معركة جديدة لا تنتهي، وليس بوسعك إخضاع الناس الذين حاربتهم لسلطتك.

وأذكر أن الرجال الذين كانوا يدافعون عن المعسكرات ويحامون عنها قبلوا ذلك بمرارة شديدة ؛ لأن القرار برأيهم جاء بعد انتعاشهم وإلقائهم الهزيمة على عبد الله يوسف وجيشه وقد تلقى عبد الله هزيمة نكراء في معركة دبرة Dabra، ولم يكن أمامهم قوة تقف أمامهم من الدخول في بوساسو ، فكان قرار التسريح خطأ إستراتيجيا في نظرهم .

 وفي رأيي وأمثالي كان قرار الحل وتسريح القوات كان يتسم ببعد النظر والمصلحة الراجحة يشعره العاقل ، وقد اتفق الناس على أنهم إذا مكثوا في العزلة لأصبحت الساحة مباءة للفكر التكفيري الذي بدأ يتغلغل في صفوفهم ، فكان يتم تكفير المخالفين بعد اندلاع الحروب حتى إن الشيخ آدم غرويني– رحمة الله عليه [ توفي عيل واق على يد مليشيات موالية لإثيوبيا 1998م]– الذي خلف حسن طاهر في إدارة المعسكرات قال : لو لم يكن في قرار حل المعسكر مصلحة سوى مقاومة بروز ظاهرة التكفير لكفى. فإنه كان على وشك الظهور العلني. والمحاولة الأولى نحن أضعناها بسوء تخطيطنا- يعني استيلاء المنطقة- والآن لا معنى لتصحيح الخطأ بالانتقام من الرجل –أي عبد الله يوسف-.

علاوة على ذلك أن أية حركة تغييرية يجب أن تضع تأييد مجتمعها نصب أعينها وتقدر الظروف والاتجاهات السائدة وتقرأ الظروف المحيطة وتبني مواقفها على المعلومات الصحيحة وطبيعي أن الآراء تختلف والاجتهادات يجب احترامها.

 ورجال الحركة اتصفوا بقدر كبير من الانضباط حتى الذين كانوا يعارضون قرار الحل وتسريح القوات تجرَّعوا المرارة، وصبروا للقرار المر، وهناك من بكى ، ومن أصابته الوعكة أو لون من الخفة والهوس لصدمة القرار، والذين كلفوا بمهمة تنفيذ القرار استخدموا الحكمة والحيل فلم يدلوا بالمعلومات والمسوغات التي دفعت إلى اتخاذ قرار الحل . وكان من الجرم تخوينهم وتشويه صورتهم بأنهم كانوا يخدمون أعداء الإسلام كما نطق بذلك شخصيات غير مسئولة قائلين بأن هؤلاء أجهضوا انتصار الإسلام وأنهم مجندون لأجندات خارجية ووصفوا عبد الواحد حاشي بالذات بأنه عميل كبير من السي أي أيه CIA وتلك سفاهة لا تستحق التعليق عليها . كل ما في الأمر هو قرار اتخذته بعض القيادات إنقاذا للحركة وهناك مشهدان : أحدهما كان واقعا عشناه ورأيناه والآخر كان متوقعا ، وشرح الله صدورنا بأن الرأي الصحيح الصائب هو قرار الحل وتسريح القوات. وعلى كل حال تم الأمر كما خطط له والشباب عادوا إلى المجتمع وبدأوا الحياة من الصفر.

 التسامح أعقب الحرب رغم جسامة الخسائر

 والضحايا في الحرب لا يحصيهم إلا الله فالخسائر البشرية كانت كثيرة من الجانبين وهم إخوة ، بلغنا أنهم أحصوا القتلى من طرف عبدا لله يوسف في آخر معركة وهي معكرة دبرة قالوا : أحصينا في الميدان 70 قتيلا [5]. ومع هذا فقد نسي الناس كل هذا وتسامحوا واعتبروا ( حرب الرجال لا مدفع لها ) لأن التسامح في المجتمع متأصل جدا ، فلم تستتبع الحرب بغضا وإحنا وعداوات أو ثارات لا تنتهي بل تسامح الناس وتناسوا وأصبحوا وكأن شيئا لم يحدث ولم أر من يدعو إلى الثارات والانتقام أو يحمل الحقد عندما رجعنا إلى البلاد.

 العائدون إلى المجتمع بدأوا الحياة من الصفر والدعوة التي حوربت هي الغالبة اليوم ، مكتسحة الساحة ، وتيار الجبهات والصوفية حاول توظيف تلك الحرب الخطأ لعزلهم ؛ لكنهم لم يفلحوا .

 الحرب زادت من الفجوة داخل الاتحاد

وهذه الحرب أحدثت ضجة داخل حركة (الاتحاد) وصوَّر رجال منا بأن الهدف منها كان الاستيلاء على تلك المنطقة باسم الدين ثم التحرك جنوبا باسم الجهاد أيضا ، وجاءت الانتقادات واللوم من كل جانب : من جانب العشائر ومن داخل الحركة ، استغربنا جدا وقلنا لأصحابنا : عرفنا موقف العشائر وحنقهم فلماذا أنتم ؟ فصارحنا بعض الإخوة قائلين: كان هدفكم إقامة (الخلافة) في المنطقة ثم التوجه إلينا –أي جنوبا- وإجهاض هذه الانتصارات التي تحققت لنا [ يعني بعد انهيار النظام العسكري].

  وأيضا فإن دائرة الانشقاقات في الحركة قد اتسعت ،وتعمقت فجوتها وتم إدانة الحرب والقائمين عليها وانهالت علينا التهم من كل جانب حتى نحن الذين كنا في الخارج ولم نوافق عليها ولم نشارك في تقريرها ، وكتبوا عنا إلى الشيخ سفر الحوالي عريضة مطولة أعدها أصحابنا من طلبة الجامعة الإسلامية ، وكتبوا رسائل مشابهة إلى جمعية إحياء التراث الإسلامي تتضمن تهما شديدة مع أن تلك الحرب اندلعت بدون تخطيط وفجأة ، وفيما بعد تم تداركها واتفق أن الرأي السديد هو أن نكون موقف الدفاع حتى لا يتم اجتثاث هؤلاء المتعجلين ثم انتشالهم من الورطة ، ولم نكن راضين عنها . وكان بإمكان إخواننا بدل كيل التهم أن يسعوا للصلح وإيقاف الحرب ولكن لماذا وقفوا إلى جانب جبهة إس إس دي إف ؟ ومن المفارقات العجيبة أن المؤن كان يتم إرسالها إلى جبهة إس إس دي إف وتشحن من الإمارات والمؤن التي ترسل إلينا عبر دبي يتم الوشاية وإبلاغها إلى أجهزة الدولة فيتم إيقافها وضبطها ولا ندري ما الذي حملهم على ذلك؟ وعلى كل حال لم يكن موقفهم منطقيا . مرة جاءنا الشيخ محمود عيسى أنا والشيخ عبد القادر غرى GARRE– الله يرحمه تـ 2008م بجيبوتي] فتفاوضنا وقلنا له في عتاب : قتل في الحرب زملاؤنا من أقاربنا حتى إنكم لم تشعروننا بالمواساة والتعزية ولم تقولوا لنا يوما : عظم الله أجركم.

 الهوامش 

______________________________________

[1] – رئيس وزراء إثيوبيا السابق[1995-وحتى وفاته] زعيم جبهات التحرير (TPLF) التي أسقطت نظام منغستو 1991، اعتبر من القادة الكبار في إفريقيا وشرق إفريقيا، أدخل قواته مرارا إلى الصومال وارتكبت جرائم حرب بشعة ، رحل عن عالمنا في أغسطس 2012 م.

[2] – قرية على بعد 40 كيلو شمال جالكعيو، وكان عقد المؤتمر في آخر شهر مايو 1992م وكان سبب انعقاد المؤتمر هو صياغة موقف توافقي بعد أن شاع بقوة أن قادة المعسكرات ينوون الاستيلاء على المنطقة بانقلاب أبيض، وأثاروا بذلك عاصفة من الخلافات الداخلية حيث عارضهم كثير من القيادات وخصوصا العلماء، فتطلب الأمر عقد مؤتمر للمناقشة (نقلا عن أحمد كيسمايو، 2013، ص: 170).

[3] – – أعراف الحرب عند المجتمع الصومالي تقضي بعدم المساس بالقيادات العشائرية والعلماء والنساء والأطفال وغيرهم وهؤلاء ممنوعون من المساس بهم تحت أي ذريعة.

[4] – سبب النقل هو حمايتهم خوفا عليهم من القتل على أيدي مليشيات القبائل بعد أن اندلعت الأمور وتفاقمت الأمور واشتغل عبد الله بملاحقة ( الاتحاد الإسلامي) في بوساسو وفي غيرها من المناطق.

[5] – ذكر حسن طاهر في مذكراته أنهم أحصوا 118 قتيلا .

%d مدونون معجبون بهذه: