في رحاب الدعوة وتجارب الحياة “مذكرات الدكتور أحمد الحاج عبد الرحمن”[5]

من أسباب الانتشار السريع للدعوة :

 الوضع السياسي القائم كان من الأسباب المساعدة؛ حيث كان الناس في تذمر من الكبت والقمع، بالإضافة إلى موجة تدين عارمة في أوساط الشباب ، وكان مما ساعد (الاتحاد الإسلامي) أن أعضاءه كانوا يتكوَّنون من جميع شرائح المجتمع الصومالي، وقد بدأ انضمام أعيان كبار ورجال أعمال إلى الجماعة سواء بقصد التدين أو لدوافع سياسية ؛ لأن (الاتحاد) أصبح عندهم بمثابة متنفس للمعارضين ومن خلاله يمكن الإطاحة بالنظام ، أو ليتمكنوا من قيادة هذه الموجة أو تغييرها، ومما يدلك على ذلك أنه حين تأسست (المَانَفِسيتُو)[1] دعوا الإسلاميين وقالوا لهم : نطلب منكم أن تحشدوا أتباعكم وتنزلوا بهم إلى الشارع وتشتركوا في إقامة مظاهرات ، وقد حضر المناقشات معهم ثلاثة من أعضاء (الاتحاد الإسلامي) وهم عبد الله علي حاشي ، وحسين عبد الله عدوين، وعلي وجيز، وكان هناك شيخ آخر ربما كان من (الإصلاح) . فقال لهم عبد الله حاشي: لا يمكننا تأييدكم على الحالة التي أنتم عليها؛ لأنَّ هدفكم تقسيم المجتمع الصومالي إلى قبائل متناحرة ، وأنتم أنفسكم يبدو أنكم ستصبحون وقودا لهذه الفتنة ، فيجب معالجة الأزمة قبل استفحالها ، واقتراح ما هو أصلح للأمة وقيادتها ..” قال ذلك بحضور أعيان المَانَفِسيتُو فرد عليه رجل الأعمال الشهير حاشي وهليه قائلا لرفاقه : “رأيتم هؤلاء [الإسلاميين] وسمعتم ما بجعبتهم واتضح لكم أنه لا مكان للالتقاء ” ولكن أحد أعضائنا تدارك الموقف وقال: هذا رأي شخصي وليس إجماعا منا.

محاولات الصحوة لحل الأزمة قبل الانهيار

 وهكذا سارت الصحوة وانتشرت في الخارج والداخل، وحين اقترب اندلاع الأزمة، لم يخل الأمر من جهود لإنقاذ الوضع المتردي، وتلمُّس الحل، وقد عقدنا رغم كوننا في الخارج اجتماعات لقيادات الجبهات المتنازعة على البلاد وقلنا لهم : (انقذوا البلاد). بعضهم تجاوب مع مشاعرنا الطيبة وآخرون لم يرفعوا لها رأسا .

 وفي تلك المناقشات وجهت الدعوة لأعيان العلماء ومشاهيرهم من داخل البلاد منهم الشريف عبد النور، والشيخ عبد الرشيد بن الشيخ علي صوفي، والشيخ محمد حاجي يوسف ، والشيخ آدم شيخ عبد الله، وأعيان آخرين كانوا بداخل البلاد من خارج دائرة جماعات الصحوة لتلمس مخرج وتحقيق قدر من المصالحة ، ولكن بتأثير العواطف العصبية بدأ البعض بالاصطفاف مع الأطراف ، وبدأت الشكوك تغزو القلوب، لأن بعضهم رفضوا الحل الوسط ،واعتبروا الجبهات المسلحة لا تتحمل جزءا من الإدانة، وآخرون كانوا يرون أن الجبهات تقودنا إلى مهلكة، ويقولون: صحيح أننا ننتقد الدولة ولكن هؤلاء يؤججون النعرات القبلية فلا بد من تحميلهم قدرا من المسئولية كان هذا في أواخر عام 1990 تقريبا، وبهذا فشلت المحاولات ولم يمكن التوصل إلى صيغة جامعة للمصالحة، ووصلت إلى طريق مسدود.

ومما زاد الأزمة تعقيدا أنه ظهر في أواخر الثمانينيات فكرة تنادي بأن الجهاد هي الطريق الوحيد لحل المشكلة، وحتى حين تم الإعلان عن الحركة [ أي الاتحاد الإسلامي] في لندن على لسان ناطقها محمد عبدي الظاهر استاء كثيرون بحجة أن ذلك يتعارض مع قرار الجهاد، وليس شأننا الانعراج إلى دروب السياسة فقيل لهم : هذا الإجراء لا تتعارض مع قرار الجهاد، وكان هذا أول إعلان لحركة( الاتحاد) .

 عسكرة الدعوة… من جبال أفغانستان إلى كيسمايو

في آخر عام 1990 عادت من أفغانستان مجموعة وبدأت تبث فكرة إمكانية الاستيلاء على الحكم عن طريق الجهاد ، وهم كانوا القوة المحركة لقيام معسكر كيسمايو ولم يكن قرارا صادرا من الاتحاد ، وهو قرار ساعدته الظروف القائمة وهذه المجموعة التي مثلت النواة الصلبة هي التي حملت هذه الثقافة من أفغانستان كان منهم إبراهيم أفغاني[2] أحد مؤسسي معسكر كيسمايو، وقد بذلوا جهدهم لإقصاء الشيوخ أمثال الشيخ علي ورسمه والشيخ عبد القادر نور فارح ، ومعلم محمود حاربوهم بلا هوادة ، وبكل وسيلة إمعانا منهم في الانفراد بالأمر ولتخلو لهم الأجواء في تأثير الشباب .

ومما يجدر التنبيه ، هو أن انهيار الدولة كان حدثا كبيرا سبب تباعد القلوب وتمايزت مشاعر المجتمع الصومالي، وبدأ التنازع على السلطة والنفوذ، وكل شخص عاد إلى محلته ومضارب عشيرته، وأبناء الحركة الإسلامية نزحوا مع عشائرهم، ولم يقدروا على تأسيس كيان منفصل لوحدهم ، وقبل حدوث الانهيار تعذر الاتفاق على قرار سواء بشأن اتخاذ موقف موحد من الأزمة والانحياز إلى مكان واحد . ثم كان معسكر كيسمايو ولم يكن بقرار من شورى الاتحاد ، وبأمر من قيادتها بل هو معسكر أسسه هؤلاء المتحمسون للجهاد عازمين إقصاء الشيوخ منه على شكل انقلاب أبيض عليهم وانتقدوا الشيوخ قالوا للشيخ علي ورسمه : أخطأت أخطأت ، وقد رجَّح كفَّة الشيوخ بعض الشباب الذين كانوا على دراية بنوايا المجموعة المذكورة ،وبدأ العلماء بإلقاء دروس في المعسكر ،والشيخ عبد القادر غادر كيسمايو والمعسكر لقيادات أخرى من الأعيان . ومن هؤلاء الذين رجحوا الكفة ، ووضعوا حدا لطموح الأفغاني ومجموعته أحمد عبد الصمد ورجال آخرون معه ، ونحن كنا في الخارج ولكن كانت الأخبار تصلنا، ثم تواصلت الأحداث بوتيرة متسارعة ومتلاحقة.

 في إحدى المرات حاولوا الاستيلاء على المدينة [كيسمايو] فمنعهم الشيخ علي ورسمه الذي كان حاضرا في ذلك الوقت وآخرون وقالوا: هذا غير منطقي . وحين انهزم هؤلاء [الدارود] بدأت هجمات USC ،والجماعة لم يكن بإمكانها اتخاذ أي قرار إزاء الدخول في الحرب وعدم الدخول، لأن معظم القيادات كانت بعيدة عن مسرح العمليات.

 الشيخ حسن طاهر جاء إلى كيسمايو واجتمع بقيادات المعسكر وناقشهم في الأمر ، ولم يقل لهم: هذا قرار خطأ [ أي الدخول في الحرب] لكنه جاملهم وسايرهم ربما مراعاة للمشاعر المتأججة، ولكنه نصحهم بدون إلزام بألا يقاوموا عيديد ، واكتفى بتصوير حقيقة الوضع الذي يجابهونه ولم يحضر معهم القتال. وقد وقع شباب المعسكر في شباك خداع أعيان المدينة حيث قالوا لهم : نسلمكم المدينة فاندفعوا وكانوا يتطلعون إلى إقامة إمارة إسلامية تحت حكمهم. وهذا من خداع رجال القبائل التي تجيد حبك أنواع من المكر.

 كانت نتائج الحرب مؤلمة جدا سببت مقتل الكثير من خيرة الشباب أرجو أن يتقبلهم الله ، وتسببت الحرب أول انشقاق داخل الاتحاد، سبقتها خلافات أثناء اشتداد حملات الجبهات وتصدع النظام لوجود شخصيات متعاطفة مع الجبهات انسحبت من الحركة وهذا نذكره للتاريخ .

 حرب أَرَارِي بداية انهيار الاتحاد الإسلامي

كانت بداية الانشقاقات حين تنفست علينا الجبهات ووصلنا سمومها وتأثيرها؛ لكنها كانت بسيطة مقارنة بالتصدع الذي نشأ من حرب أَرَارِي[3] قرب كيسمايو ،كنا في السعودية وكان أول خبر وصلنا هو خبر إبراهيم أفغاني سافر لتوه بطائرة إلى نيروبي وأخبر الشيخ عبد القادر عكاشة – وهي الرواية التي وصلتناأن الرجالأي شباب الاتحاد الإسلاميانحازوا إلى عشيرتهم (الدارود)، مع أنه كان هو نفسه ممن تولَى دفع الشباب إلى القتال والتحضير له، وكان من مؤسسي المعسكر ، والذين قتلوا في المعركة يتكونون من شتى القبائل وهم نخبة من طلبة الجامعة، والشيخ عكاشة اتصل بدوره الشيخ عبد الله أبتدون ، وأبتدون اتصل بأحمد علي جِمْعَالِي وأنا جالس معه فأبلغه الخبر وأن الأمور تفاقمت وساءت. وبعدها تم التواعد للاجتماع في موسم الحج ، ولم تستطع بعض القيادات حضور الموسم أمثال الشيخ علي ورسمه وبهذا تم الاتفاق على تأجيل الاجتماع ونقله إلى جيبوتي ، الشيخ عبد القادر نور فارح وآخرون كانوا في نيروبي، وكان من الذين تمكنوا من الحج الشيخ يوسف آدم ومحمد عبدي الظاهر ، وعبد العزيز فارح .

أذكر أنني والشيخ يوسف محمد علمي استضفنا العلماء الذين حضروا موسم الحج ومنهم الشيخ يوسف آدم ومحمد عبد الظاهر فاتصلت مناقشاتنا بحديث موقعة أَرَارِي قرب كيسمايو وكان حديث الساعة فاقترحت عليهم قائلا: حادث أَرَارِي إذا اعتبرناه مجموعة من جماعة الاتحاد خاضت حربا ويكون البحث على مبلغ خطئهم ومبلغ عذرهم فالأمر سهل، ويمكن التوصل إلى حل ؛لأن الحرب كانت خطأ وكانت فلتة ، ولم تكن بقرار الجماعة وجل العلماء يعارضونه أما إذا بحثناها مسبقا من زاوية أنَّ مجموعة اصطفت مع عشيرتهم وحاربوا عشيرة أخرى فهذا إبعاد للمسألة من دائرة الاتفاق ويسبب تعقيدا للوضع ، ونحن بحاجة إلى التركيز حول نقاط الاجتماع، وهذه الحرب لم يكن لها أنصار ومؤيدون داخل مجالس الحركة وأجهزتها ) وفي نفس الوقت عقدت عزمي على ألا أحضر اجتماع جيبوتي لأن الجو مشحون والأمور سائرة إلى تعقيدات رهيبة ، ويصعب التوصل إلى حل لتباعد المواقف حتى بين القيادات الرفيعة في الحركة، وكان معنا الشيخ عبد الله أبتدون ومحمد عبد الطاهر والشيخ يوسف آدم .

 مؤتمر جيبوتي محاولة يائسة لاحتواء الأزمة

وفي جيبوتي حدثت التجاذبات والتلاوم وتبادل الاتهامات وأخيرا تم التوصل إلى قرارات من بينها إدانة حسن طاهر ، وكان محتوى قرارهم أن الحرب كانت خطأ ولم تكن بقرار الجماعة ومجالسها ، بغض النظر عن موقف الجماعة من مجمل عملية الجهاد ، وأرسلوا وفدا من بينهم حسن طاهر وعبد الرحمن شيخ عمر، وآخرون. وكانت بيني وبين الشيخ حسن طاهر علاقة وطيدة وقد انضم إلى إلى حركة (الأهل) في أواخر عام 1976 تقريبا وهو برتبة ملازم أوَّل[laba xidigle] كان ظاهر التدين ومن طلبة الشيخ علي صوفي ولم يكن من شباب (الأهل) السابقين الذين تم توجيههم للالتحاق بالقوات المسلحة، وقد ارتبط بدروس الشيخ محمد معلم أيضا، وهو ينتمي إلى أسرة متدينة، وكان يحترم رأي الأغلبية وفي العهود السابقة من عمر الحركة لم يكن الاستبداد بالرأي شائعا كما هو حاليا، وقد كانت بيننا علاقة خاصة لأنني كنت رئيس الأسرة الهامشية عند انضمامه إلى (الأهل).

وأخبرونا أن هناك في جيبوتي جرت محاولات لإزاحة الشكوك وإعادة المياه إلى مجاريها، وإصلاح ذات البين.

وكان من تداعيات تلك الأحداث المتتابعة أن زادت فجوة الشكوك بين الطلبة والأعضاء في مكة والمدينة المنورة ، وساءت المواقف ولا يمكن إعطاؤها إلا التفسير القبلي وأنها انعكاس للأوضاع داخل البلاد، لم تتوقف الأمور عند هذا الحد ، واستمرت الانتقادات وحين حدثت حروب الشرق Bari انفلتت الأمور من أيدي الجميع ، وزاد نطاق الفجوة والانتقادات وأخذت مجاري لم نكن نألفها.

 الهوامش

 ________________________________________________________________

[1] – مجموعة من الأعيان المشهورين بالبلاد من سياسيين قدامى ورجال أعمال وعلماء نادوا بالإصلاح الفوري في آخر أيام سياد بري وكتبوا بيانا شهيرا في 15/5/1990م عرف [ببيان مانفيستو ] وحمل توقيعات أكثر من 110 شخصا من الأعيان ، وقد تضمن انتقادا حادا للأوضاع السياسية والأمنية الراهنة –آنذاكويقترح خارطة طريق لإخراج البلاد من المأزق الخطير الذي كانت مقبلة عليه قبل أن تفتح جهنم أبوابها على الجميع أو يسقط النظام على رؤوسهم، وقد أثمرت مساعيهم إعلان النظام لعمل إصلاحات سياسية من بينها وضع دستور توافقي، وعقد استفتاء عام والسماح بفتح أحزاب سياسية، ولكن قبل فوات الأوان.

[2]- أعلنت حركة الشباب على لسان مدير العمليات الحربية أبو مصعب في 20 شعبان 1434 الموافق 19 يونيو 2013م مقتل الأفغاني واسمه إبراهيم حاجي جامع ميعاد بمدينة براوة هو والقيادي عبد الحميد حاشي علهاييى الملقب بـ( معلم برهان) بدعوى عصيانهما لأوامر صادرة من القيادة للقبض عليهما . وهذا الرجل وأمثاله شربوا من الكأس التي طالما سقوا منها الآخرين. وقد مثلت هذه الحوادث نهاية مؤلمة ومتوقعة لحركة (الشباب).

[3] – موقع تمركز فيه مقاتلو الاتحاد الإسلامي الذين لم يتجاوز عددهم 300 حيث يقع جسراً استراتيجي يبعد 60كم إلى الشمال من كيسمايوعلى الطريق إلى مقديشو، وكان ذلك في أبريل عام 1991م.

%d مدونون معجبون بهذه: