الدكتور شريف صالح علي فارس الثقافة والدبلوماسية والتربية ينتقل إلى رحمة ربه

في  21 من  شهر مارس 2014 الجاري وقف قلب الدكتور شريف صالح علي عن الخفقان عن عمر يناهز 78 عاما. والفقيد شخصية فذة ونادرة لعب دورا مهما في خدمة بلاده في ميدان الثقافة والتربية والدبلوماسية. فقد كان وزيرا للتعليم العالى، وساهم بدور رئيسي في تأسيس الجامعة الوطنية، كما كان مديرا لها. وكان رئيسا للجنة المكلفة بإعداد وإقرار كتابة اللغة الصومالية واعتمادها لغة رسمية للدولة، هذه اللجنة التي قضت في مهمتها ثلاث سنوات، انتهت بإعلان تبنى اللغة الصومالية لغة رسمية للدولة وللتعليم.

تخرج الدكتور شريف صالح من جامعة روما في العلوم السياسية ، وكان يتقن اللغة الإيطالية والعربية والإنجليزية، علاوة على لغته الوطنية بلهجاتها المختلفة.

تفرغ الفقيد طيلة حياته للثقافة والإطلاع والكتابة، وكان يمتلك معرفة موسوعية، كما كان يتردد على المكتبات العامة والمتخصصة في كل بلد وجد فيه خلال تنقلاته المهنية في مصر وفي إيطاليا وفي بريطانيا وفي الصين، وله مؤلفات لا حصر لها بكل اللغات التي أشرنا إليها في السياسة والتاريخ واللغة والقصة والترجمة. ومن أهم مؤلفاته ذات القيمة العلمية معاجمه المختلفة التي أغنت اللغة الصومالية ببحوثه ودراساته، والعلاقات الحميمة بينها وبين اللغة العربية والمقارنة بينهما ” والجذور المشتركة بينهما.

وقد كانت هذه المعاجم حصيلة جهد العمر، انبثقت عن تفرغه منذ وقت مبكر للبحث والتحصيل، تمخض عنه الاعتراف له بمكانة خاصة، الأمر الذي جعل تعيينه رئيسا للجنة المشرفة على إقرار تبني اللغة الصومالية لغة رسمية للبلاد شرفا ناله بجدارة وكفاءة، وقد أنجز المهمة على أكمل وجه.

ولقد سألته مرة تعليقا على مؤلفه الضخم “جذور اللغة الصومالية في اللغة العربية”، هذا المرجع الذي يثبت بالبراهين العلمية الأصل العربي للغالبية العظمى من المفردات الصومالية، عن استنتاجاته من هذا الاكتشاف؟ قال إن هذا يثبت ” أن الجغرافيا والتاريخ والحضارة العربية الإسلاميةالتي عاش الصومال في كنفها منذ خمسة عشر قرنا، بل أنّ التمازج العربي الصومالي يمتد إلى ما قبل الإسلام بعهد بعيد، تدل على هوية اثنية وثقافية واجتماعية مشتركة، لدرجة  أنه يمكن القول بدون مبالغة أن اللغة الصومالية جزء من اللهجات العربية. وتنبثق عن هذا حقيقة سياسية أنّ وجود الصومال في الجامعة العربية ليس مجرد ضرورة سياسية أملتها المصالح الجيوبوليتكية للصومال، ولكنه تصحيح لحالة طبيعية وواقعية.

وكان عاشقا لبلده، رفض في أشدّ الظروف الحالكة أثناء الحرب الأهلية أن يغادر وطنه، وقبع في بيته في مقديشو يفكر ويبحث ويكتب رغم هدير المدافع وشلالات الدماء، وإغراءات الهجرة العريضة المتاحة له في البلدان المتقدمة. وقد قابلته مرة في روما في تلك الفترة العصيبة في أواخر القرن الماضي، التي زارها للعلاج، لماذا لا تنشد الأمن والطمأنينة بالاستقرار في المهجر، وهو أمر طوع بنانك إن شئت؟ وقد ردّ علي بحزم.” إنني لا أبحث عن رغد العيش، ولا أتحمل في هذا العمر أن أتسكع في بلاد لا أنتمي إليها بمشاعري. إنّ واجبي هو العمل لخلق الأمل والدفع به إلى الأمام ولم الشمل للخروج من المأزق الذي نحن فيه”.

واشترك بنصيب الأسد في مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد في كينيا الذي تمخض عنه الاتفاق على الأسس الدستورية للفدرالية التي بموجبها تكونت الحكومات الانتقالية المختلفة. وعندما غزت القوات الإيثيوبية مقديشو لمحاربة المحاكم الإسلامية حمل لواء المقاومة مع غيره من المخلصين دفاعا عن كرامة الوطن. وكان عضوا في الجبهة الوطنية العريضة التي تكونت لمقاومة الاحتلال الإيثيوبي على المستوى الدولي التي التجأت إلى أسمرة، حيث أسست هناك حركة” إعادة تحرير الصومال”، وكان عقلها المفكر حيث أعدّ أوراق العمل والوثائق والمذكرات المتطلبة في مثل هذه المناسبات، ثم قام بتسجيل وتأريخ هذه الحركة إلى أن انفضت بعد عقد مؤتمر جيبوتي تحت رعاية الأمم المتحدة، بعد الإتفاق على صيغة جديدة للمصالحة بموجبها انسحبت القوات الإيثيوبة من الصومال، وأنشئت حكومة وحدة وطنية أصبح رئيسها زعيم حركة المحاكم الإسلامية.

كانت تربطني به صداقة حميمة منذ عهد شبابنا، وتقابلنا عدة مرات في مصر وإيطاليا وفي كل بلد كان ينتقل إليه كان يأخذ معه مكتبته العامرة التي كانت تضم أغنى الكتب وأغلبها تتمحور في الشأن الصومالي. وكان يتواصل ويقيم علاقات حميمة مع العلماء الأجانب المتخصصين في الشئون الصومالية في كل بلد وجد به.

وقد قص لي صديقي السفير أحمد عبد الله ، سفيرنا الحالي في المملكة العربية السعودية، أنه عندما كان ملحقا ثقافيا في السفارة الصومالية في روما، وكان الدكتور شريف صالح سفيرا معتمدا بها، قاما بزيارة العالم الإيطالي الموسوعي” شيروللي” ذو الشهرة العالمية بوصفه حجة في الدراسات الصومالية. وكان الأخير في نهايات عمره. وكان يتقن اللغة الصومالية وجمع مؤلفات صومالية قديمة باللغة العربية اكتشفها ثم ترجمها إلى اللغة الإيطالية ، وهو مشهور بمؤلفه الضخم ” دراسات صومالية منشورة وغير منشورة”.  هذه القصة تعكس مدى اهتمام الدكتور شريف صالح بالثقافة والتحصيل في خضم عمله الدبلوماسي والسياسي.

كانت تربطني به صداقة حميمة منذ عهد شبابنا ، وتقابلنا عدة مرات في إيطاليا وفي مصر أثناء دوامة الحرب الأهلية حيث كان مشغولا بنشر المقالات في المجلات الإيطالية للتعريف بالقضية الصومالية، ويرتاد مكتباتهما ، والجري وراء المطابع في مصر لطبع كتبه هناك نظرا لرخص تكاليف الطباعة هناك. كان دائما يعيش بين الكتب، ويهتم بجمع الوثائق وقصاصات الصحف ليستعملها كمراجع لكتاباته ومؤلفاته المتعددة.

كنت أستمتع بلطف معشره، وثقافته العريضة، واهتماماته الواسعة ونظرته الشمولية للمصلحة القومية وتجرده من الولاءات الضيقة الأفق، وثقته بغد أفضل لبلاده في ظل الوفاق الوطني والتقدم والتنمية.

إنّ الدكتور شريف صالح علي ثروة قومية نادرة لم تساعد ظروف تمزق النسيج الوطني وانحسار الوعي العام وشيوع التشرذم الإقليمي والإثني على تقدير دوره الوطني والتربوي ومساهماته الفكرية القيمة، وأرجو أن تتيح الظروف الجديدة الإيجابية في اتجاه استعادة الدولة ومؤسساتها وعودة الروح الوطنية، الفرصة لتعريف الجمهور الصومالي في الداخل والمهجر بعطائه الجم ومؤلفاته القيمة. وأن تقوم الدولة بإعادة طبع كتبه ونشرها بشكل واسع بين المؤسسات التعليمية.

تغمد الله الفقيد برحمته وأسكنه فسيح جناته.

 

6 تعليقات

  1. اللهم اغفر له ولجميع موتى المسلمين يا ارحم الراحمين

  2. رحمه الله رحمة واسعة وأثابه عن ما قدم للأمة الصومالية

  3. اللهم اغفر له ولجميع موتى المسلمين يا ارحم الراحمين

  4. أشكر الأخ الزميل الكاتب القدير الدكتور محمد ……………على سطوره النيرة حول فقيد الأمة الصومالية الذي جمع بين الثقافة الغربية والعربية والصومالية،وترك ثروة علمية وكنوزا حول اللغة الصومالية وعلومها أبرز فيها ثروتها الأدبية ،وما ذلك إلا غزارة علمه واهتمامه البالغ حول شعبه الأبي،ويعتبر الراحل المقيم أحد رواد العلم في الصومال بل في القرن الإفريقي .
    ارجو من طلاب العلم مثلى قراءة كتبه الموسوعية والاقتداء بآثاره العلمية والمعرفية .وقل ان تجد من تجمع فيه صفة العلم والدبلوماسية مثل الشريف صالح أمثاله نادر.الآ ر يرحمه الله رحمة واسعة والبسه حلية الجنان،والهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.اللهم لا ترحمنا أجره ولا تفتنا بعده ياقدير يامنان.

  5. رحم الله شريف صالح حقا! إنه كان شخصية نادرة من العلماء والمؤرخين الصوماليين، وأنا أستطيع أن أدلي بهذه الشهادة بعد قراءتي للعديد من مؤلفاته ، فهو لم يكن كأي مؤلف من هواة الكتابة بل كان على مستوى رفيع من المقدرة الكتابية وفهم أساليب البحث وأحوال العالم وشرق إفريقيا من الجانبين السياسي والعلمي والاجتماعي، وقد مكنه ذلك تبؤه لمناصب عليا استحق بها عن جدارة ومنها منصب أول مدير للجامعة الوطنية الصومالية ووزير التعليم العالي في الصومال، ورئيس لجنة كتابة اللغة الصومالية وقد كان فيها من هو أكبر سنا مثل موسى جلال والشيخ جامع عمر عيسى وإبراهيم حاشي محمود وغيرهم الكثير..والجذير بالتنويه أن شريف صالح كان إلى آخر رمق في حياته من دعاة تبنى الحروف العربية في كتابة اللغة الصومالية وقبل اختيار الحرف اللاتنيني كان في صف الدفاع مع آخرين منهم صديقه إبراهيم حاشي محمود الذي ارتحل في بداية تشكيل اللجنة في يوليو1971 وفيما بعد قاد مشروعات مع علماء من الدول العربية مشروع كتابة اللغة الصومالية باللغة العربية وتطويع التجربة وإثرائها عن طريقها بحوث جادة ولسانية تمهيدا لتحويلها إلى واقع عملي… رحم الله شريف صالح وأسكنه فسيح جناته

  6. عبد الرحمن محمود علي عيسى

    تقبل الله الفقيد بواسع الرحمة وألهم ذويه الصبر والسلوان،فعلا لقد خسر الصومال أحد أعلامه البارزين،وما يخفف المصيبة إثراء الفقيد المكبة الصومالية بالعدييد من المؤلفات النافعة للناشئة والدارسين للثقافة الصومالية والتاريخ الصومالي.
    الشكر موصول لسعادة الدبلوماسي المخضرم شريف محمود

%d مدونون معجبون بهذه: