وقفة نقدية مع الإخوان.. عتاب الأحباب

مومع ما اجتنيته من مدرسة الدعوة الإخوانية من ثمرات لا أجحدها، كما اجتناها أمثالي من الشباب الذين التحقوا بموكب هذه الدعوة، والتزموا بموقفها نحو إسلامهم ووطنهم وأمتهم، وتجنبوا ضياع (الشاة المنفردة) التي يلتهمها الذئب إذا بعدت عن القطيع، كما اجتنبوا متاهة الأحزاب التي أغرقت الشباب في دوامة من الصراعات من أجل السلطة، ولم تتعهدهم بأي قدر من التربية والتوجيه الديني.

مع هذا أود أن أقف في هذه المرحلة ـ المرحلة الثانوية بالنسبة لي ـ وقفة نقدية أعاتب فيها الإخوان، على نهج ما يسمونه في عصرنا (النقد الذاتي) أو ما نسميه بلغتنا الإسلامية (محاسبة النفس).

لقد التقطني الإخوان، فوجهوني في نشر الدعوة هنا وهناك، واعتصروني اعتصارا، دون أن يكون لهم أدنى اهتمام لتوجيه مثلي إلى ما يجب أن يقرأه وأن يعده للقاءاته ومحاضراته في البلدان المختلفة. فكنت أنا الذي أختار الموضوع، وأحدد عناصره، وأملأ فراغه بما يتراءى لي، وأقرأ له في إطار ما لدي من كتب وهي محدودة جدا في ذلك الوقت.

صحيح أنه كان عندي من الوسائل والإمكانات الشخصية ما يشد الناس إلي، ولكن كان يمكن أن يكون أدائي أفضل، وإنتاجي أغزر، وموضوعاتي أخصب، لو كان معها التوجيه والتنظيم والإعداد العلمي. ثم التقويم والمراجعة للدعاة وأدائهم وأثرهم في كل مدة من الزمن، كل ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو سنة.

ومرد ذلك إلى عيب في الجماعة هو ضعف الجانب الثقافي أو العلمي أو الفكري فيها، حتى شيخنا البهي الخولي عندما وجهنا في (كتيبة الذبيح) كان أكبر همه التوجيه الروحي والسلوكي، وهو مهم ولا شك، ولم يكن همه التكوين العلمي أو الثقافي؛ ولذا لم يوجهنا إلى أي كتاب نقرأه، أو يكلفنا بأي شيء علمي نقوم به، كانت الفكرة المسيطرة: أن يدربنا على (السمع والطاعة)، فعلينا أن نقول لقادتنا ما قال إسماعيل لأبيه: يا أبت افعل ما تؤمر. فهو يريد جنودا مطيعين، لا دعاة مثقفين. كأنما كان هناك خوف من القراءة والثقافة أن تنشئ العقلية المتمردة، التي تقول في كل أمر: فيم؟ ولم؟ ولا تقول دائما: نعم، سمعا وطاعة.

ربما كان هذا الهاجس هو السبب في وهن الجانب الفكري والعملي لدى الإخوان في تلك الفترة. وربما كان سببه اعتمادهم على مرشدهم ومؤسس حركتهم الأستاذ البنا، فرسائله ومقالاته مصدر تثقيفهم، ودروسه الأسبوعية كل ثلاثاء معين توجيههم. فإذا شغلت الأستاذ البنا الشواغل الكثيرة: الدعوية والوطنية والإسلامية، خوى وفاضهم، ونفدت بضاعتهم، وقل المعروض في سوقهم.

وهو ما شعر به الأستاذ البنا، وجعله يفكر في إصدار مجلة (الشهاب) لتكون مددا ثقافيا مركزا للإخوان، كما ذكرنا من قبل. ولكن المجلة وحدها لا تكفي، فلا بد أن يتخلل ذلك كيان الجماعة، ويدخل مناهجها التثقيفية والتربوية، وأن يقدم العلم على العمل، كما هو منهج القرآن والسنة، فقد نزل قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك) قبل قوله تعالى: (يا أيها المدثر. قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر).

ولكن الإخوان شاع لديهم إيثار الجانب العملي والجهادي على الجانب العلمي والفكري، وهذا المناخ هو الذي ولد فيه الاتجاه الثقافي الذي سمي فيما بعد (لجنة الشباب المسلم) التي سعت إلى ترجمة رسائل الأستاذ أبي الأعلى المودودي، ومحاولة تلقيح فكر الإخوان بفكر (الجماعة الإسلامية) في شبه القارة الهندية.

وكنت أتمنى من الإخوان أن يكون لديهم تفكير (إستراتيجي) فيما يتصل بشبابهم، والانتفاع الأقصى بمواهبهم وقدراتهم الخاصة، ومساعدتهم في التوجه إلى أفضل ما ينفعهم وينفع دعوتهم وأمتهم.

كان يمكنهم أن يوجهوا مثلي إلى تدريب قلمه على الكتابة، بدل أن تستنفد كل طاقته في الخطاب الشفهي، ولم أكن أكتب إلا عناصر الموضوع الذي أتحدث فيه.

وكان يمكنهم أن يوجهوني إلى تعلم (اللغة الإنجليزية)، وأن يساعدوني ماديا عليها، وقد كان لدي قدرة لغوية غير عادية، ولدي وقت فراغ، خصوصا في عطلات الصيف، ولو تم هذا لكان فيه خير كثير، لي وللدعوة التي نذرت حياتي لخدمتها. ولكنهم لم يفعلوا، بل لم يخطر لهم ذلك ببال.

كان يمكنهم أن يرتبوا لقاءات منهجية لشباب الدعاة من الإخوان في الأقاليم بالأستاذ البنا، ليتعلموا منه، ويستمعوا إليه، ويلقوه وجها لوجه، في دروس معدة ومخططة، ولو في أثناء العُطَل، فيقبسوا من علم الأستاذ وثقافته، وحسن تجربته، ويشربوا من روحه.

وكذلك من يرسخهم الأستاذ البنا من الدعاة والعلماء الذين يراهم أهلا لتوجيه الدعاة.

ولكنهم للأسف لم يفعلوا، بل لم يفكروا مجرد تفكير في مثل ذلك، فقد كان الكثيرون تغيب عنهم النظرة الإستراتيجية أو الاستشرافية للمستقبل.

هذا ملاحظة ناقدة سريعة، ولكنها لا تمس جوهر الدعوة وسمو أهدافها، وعظم مجهودها في خدمة الدين والأمة بحال.

المصدر  : موقع الدكتور يوسف القرضاوي 

%d مدونون معجبون بهذه: