سُطور عن الأَديب والمُؤرخ الصومالي الراحل الشيخ جامع عُمر عِيسى

تعرفتُ عليه عام 1996م في العاصمة الكينيىة نيروبي، وبالتحديد في حي ايستلي الشارع التاسع؛ حيث مكتبةُ مركز شرق إفريقيا للفكر والثقافة،([1]) وكانت المكتبة الوحيدة العامة التي تحتوي على أمهات كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة العربية والفكر الإسلامي، وهي مأوى أفئدة الطلاب، وهو كان من ضمن رُوادها؛ حيث كان يشرف عليها المرحوم محمد أدم المعروف بـ “حاجي” الصديق الحميم للشيخ جامع، فتوثقت علاقتي به في فترة من الزمن.

الكتابةُ عنه ليس بأمر هين، عندما وصلني خبر وفاته عن طريق الأستاذ الباحث محمد عمر أخذت قلمي لأكتب عنه سطور موجزة ثم أمسكت عن ذلك، ثم قابلت الزميل الدكتور محمد معلم حسين عن طريق التواصل الاجتماعي فعزيته ثم طلبت منه الكتابة عنه فأفادني بأنه يجمع المعلومات وسيُنشر مقالا حوله في خلال يومين؛ فشكرته على صنيعه. ولا تزال نفسي تنازعني تسطير وريقة عنه تقديرا له ولمكانته العلمية.

مكانة الأدباء والمؤرخين:

الكُتب التي يتركها مؤلفوها وعاء ونوادر يصعب جهلها، وعجائب لمن يقرؤها ، وإفادة لمن علم بذلك، وإلهامات كُتابها نبراس لمقتبسيها، وطرائف لمتصفحيها،   فهي بُستان لمن تعوّد قِراءتها   وروضة لعُشاقها، وحضارة للأمة القادمة، ونماء في العقول والمدارك، وحياة من ألفوها ومجدٌ في ذكراهم، موقظة للأبدان والهمم، شُعلة للأفكار، مقدرة لمستوى لمؤلفيها وتحيي بعد ممات أصحابها، وحكمة وتجارب ولطائف لمتصفحيها.

إنه لمن دواعي الاعتزاز والفرحة أن أُوفق عن كتابة واحد من هؤلاء الأفذاذ من الأدباء والشعراء والمؤرخين مثل الأديب الجليل الحبيب الوقور المتمكن الأمكن، الزاهد الشيخ جامع صاحب النكت الفريدة والموجه الكبير بطريق تورية الكتاب.

وقد يجهل عنه كثير من الشباب وربما بعض المثقفين أو لا يعرفون قدر مكانته العلمية وكتاباته النقدية الممزوجة بالأدب والحلم والحكمة من غير أن يجرح مشاعر من ينقده، وهذه صفة نادرة قلّ أن تجدها من يتصف بها في عصر التكنولوجيا والتقانة، عصر أصبح الإنترنت هو المرجع الأساسي لكثير من الكُتاب والقُراء، مما هشهش قيمة الكتابة والإنتاج والابتكار والإبداع، وضعَّف الهمم والابتكار، فإن هذه الورقة تنظر في جوانب أربعة اتصف بها المرحوم حسب معايشتي معه في رابطة العلم قبل اللغة واللون، وهي:

أولا: الشعر: فإن أشهر ما عُرف به العرب قديماً الشعر بجميع أنواعه وأشكاله الممدوح والمذموم، فإن الشعر ترجمة عن حياة عصر من العصور، والأديب كان من فحول الشعراء في القرن الإفريقي خاصة اللغة الصومالية؛ حيث كان لا يقل مستواه عن المعلقات السبعة، وقيل العشرة، فيسرد عشرات الأبيات فلا تفهم منها المقصد إلا بالشرح أو الرجوع في القواميس المعنية.

قال الراغب الأصفهاني: “العقلُ بلا أدب فقرٌ، والأدب بغير عقلٍ حتفٌ أو العقل بغير أدب كأرض طيبة خربة، وأن العقل يحتاج إلى مادة الحكمة كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الطعام”([2])

ومن النافلة إنني كنت أذهب إليه عندما أكون مرهق الذهن أو حزينا لأطلب منه إلقاء الشعر خاصة شعر المجاهد السيد محمد عبد الله،أو أشعاره الخاصة فيما يتعلق عن الحياة البدوية أو الدراويش.

ثانيا: الزهد: فإنه كان زاهداً عن الدنيا وبهجتها وما في أيدي الناس حتى ولو كان مُضطراً مُحتاجا لذلك، والورع من أعمال القلوب ومن ثمرات الإيمان الكامل يقول الإمام الطوسي “هو أول القاصدين إلى الله عز وجل والمنقطعين إلى الله والراضين عن الله، والمُتوكلين على الله، فمن لم يحكم أساسه في الزهد لن يُصبح له شيءُ مما بعده؛ ولأن حب الدنيا رأس كل خطيئة والزهد في الدنيا رأس كل خير وطاعة”([3])

ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان المثل الأعلى للمسلمين جميعا بما فيهم الزهاد والعُباد (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً )([4]) وعلَّم أمتهُ الزهد والاستعداد ليوم الرحيل فقال”ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس”([5]).

فإن الفقيد كان عفيف اللسان واليد زاهداً عما أيدي الناس مُفوضاً أمره إلى الله، وكذلك في مظهره، وأرجو أن تكون سريرته كذلك، قال صلى الله عليه وسلم” الفقر أزين بالعبد المُؤمن من العوار الجيد على خد الفرس”([6]) ولستُ ممن يسعون أو يأمرون الانقطاع عن الدنيا وإلى الرهبانية وإنما أقصد الجمع بين المنزلتين؛ لأننا في عصر طغت المادة على الروح خاصة العلماء.

ثالثا: الصبر: فإن العلم لا يُنال إلا بالصبر والكدح، قال علي بن أبى طالب رضي الله عنه “بني الإسلام على أربع دعائم : على الصبر واليقين والجهاد والعدل”([7])، وتواترت النصوص في هذا الموضوع “إن من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمته الصبر”([8])

رابعا: الرضا: وهو مقام شريف يعطي الله عباده المؤمنين قال تعالى(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)([9]) قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)([10]) إن رضا الله أكرم من رضاهم عنه، والرضا هو باب الله الأعظم وجنة الدنيا، وهو أن يكون قلب العبد ساكناً تحت حكم الله وإرادته، وقد تناول هذا الموضوع علماؤنا الأجلاء مثل ابن تيمية فالمجلد 11 من مجموع فتاوي “كتاب التصوف”وتلميذه ابن القيم مثل: مدارج السالكين بين إياك نعبد “وكتابه الروح، وجواب الكافي، والإمام القشيري، والإمام الغزالي في ربع العبادات من كتابه إحياء علوم الدين، والنووي في الأذكار.

خامسا: التاريخ: فالأمم تتفاخر بعظماء مؤرخيها وكُتّابها وأمجاد ذكراهم الناصح ، وقد اعتنى العلماء بهذا الموضوع اعتناء يعجز قلمي الكتابة عنه، مثلا الإمام أبي إسحاق الشيرازي “الطبقات الشافعية” وابن كثير في “البداية والنهاية”، وابن الأثير في “الكامل” ، و”الطبقات الشافعية الكبرى” لسبكي، والطبري في “تاريخ الأمم والملوك”، وابن خلدون، والواقدي، والبغدادي.

قال ابن كثير”فإن التاريخ الإسلامي يُعد من أوثق ما كتب في التدوين التاريخي، فلم تحظ أمة من الأمم السابقة ما حظي به المسلمون من كتابة التاريخ”([11]).

والتاريخ ما يرجع إلى العلم والسياسة والحُكم والظروف الاجتماعية وعلى هذا أخذ المرحوم المقيم حيث اشتملت كتبه طبقا من هذه الأنواع؛ حيث كتب عن الدراويش وثورة أكتوبر وعن حضارة مقديشو، وما آل إليه الصومال في ربع قرن من الزمن، محيت حسناته، وغُرس جيله الجديد حب بلد غيره، يقرأ أناشيد غيره، ويستمتعها جاهلا أمجاد هذا البلد وتاريخه، فتشتت في القارات الخمس، وفكر البعض تغيير لونه إن كان له إلى ذلك سبيلا، وربما أنكره قائلا إنه إثيوبي أو سُوداني.

إن التأليف ثِمار الكِفاح الطويل في مطلع البدايات المتعثرة إلى بلوغ مراتب النهايات المتألقة، وهذه طبيعة أي مؤلف باهر ناجح، وهذا يأتي بعد طول النظر والتدقيق والنصب وبالمزيد من البذل والتعب، وهذه النعوت والصفات لم تأت من فراغ بل بعد عَناءٍ وتعب وجُهد وصبر والغوص في بطون أمهات الكتب والمعارف المختلفة. وقد يكون سندا يعوّل عليه في إلقاء الضوء على بعض الزوايا الخفية والمستترة في هذا العالِم الساطع المؤلف.

وأكثر كتب المؤلف هامة وذات مغزى؛ لأنها التي مهدت له السبيل إلى صناعة الكتابة، ومكنته من رسالة الأدب، وأمدتهُ بالجلد حتى بلغ ما بلغهُ من سعة المكتسب وجمّ العلم واسع العرفان، فجعل يرتعُ من حدائق الكتب ويستمتع بحسن خلقها وخلائقها، كما نحن نختطف ثمار تلك الجهود وهكذا العصور القديم. هذا ما تيسر لي كتابته وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني ويوفق الجميع لما يحبه ويرضاه إنه هو ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله على نبيه محمد بن عبد الله وآله الأخيار وصحابته الأبرار.

الهوامش


[1] أسسها شباب ينحدر من منطقة شمال شرق كينيا، بدأ نواتها عام 1995م

[2] معجم الأدباء ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي ت 626هـ تحقيق: د/عمير فاروق مؤسسة الرسالة (1/10-11)

[3] كتاب اللمع ص: 72 قال الشيخ الألباني :  ( ضعيف ) انظر حديث رقم   2682 في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (ص 643)

[4] سورة الأحزاب، الآية: 21

[5] صحيح: أخرجه ابن ماجة ( 4102 )

[6] أخرجه أبو داود والترمذي

[7] قوت القلوب 2/78

[8] الحافظ العراقي كتاب العلم الباب السادس الصبر والشكر

[9] سورة البينة، الآية: 8

[10] سورة التوبة ، الآية: 72

[11] الكامل في التاريخ، مطبعة بيت الأفكار الدولية ص: 5

%d مدونون معجبون بهذه: