رحيل راوي الأدب والتاريخ الصومالي الشيخ جامع عمر عيسى رحمه الله

1487293_10200918319710620_1989892475_nانتلقت روح شيخنا ومريبنا أبي عبد الله الشيخ جامع عمر عيسى إلى بارئها مساء اليوم الإثنين الخامس من شهر ربيع الأول سنة 1435هـ الموافق السادس من يناير 2014م في جيبوتي العاصمة عن عمر يناهز 91 سنة رحمه الله، وقد اشتهر الشيخ جامع برواية الأدب الصومالي المعاصر بدروبه المختلفة، وكذا تاريخ الصومال – رواية ودراية – في العصور الوسطى والحديثة، بل هو المتخخص في تاريخ ثورة الدراويش وقائدها السيد محمد عبد الله حسن نور رحمه الله.

والمرحوم ينحدر من عشيرة حسين سعيد هرتي المعروف بهياك إحدى عشائر قبيلة طلبهنتي من قبائل هرتي داروت، ومن مواليد عام 1922م في ناحية قندله بشمال الشرقي الصومال، وهناك نشأ وترعرع في أحضان والديه حتى عام 1945م ، وخلال هذه المدة لا شك أنه انضم إلى حلقات الكتاب في دكسي وخلاوة تحفيظ القرآن كما كان عادة كل أسرة صومالية بحيث كان يعيش بجانب أخواله من قبيلة الماجرتين من عشيرة علي سليمان.

فلما اشتد ساعده واستوى رشده وبلغ في سن 13، انتقل إلى منطقة الأباء والأجداد سيما نواحي بوهدلي Buuhoodle وكان ذلك عام 1945م، وبعد فترة وجيزة وبالتحديد عام 1946م بدأ دراسة العلوم الإسلامية التي كانت متوفرة هناك كعلم اللغة والفقه – سيما الفقه الشافعي – وعلم التوحيد، وخلال تلك المرحلة اكتسب علما ومعرفة حتى لقب بلقب ” أو ” ومعناها العارف بالعلوم العربية والدينية، واستمرت مرحلة طلب العلم في نواحي بوهدلي عام 1952م.

وفي عام 1965م انضم إلى حزب وحدة الشباب الصومالي بحيث أصبح عضوا فعّالا في منطقته ، والمعروف في تاريخ الصومال أن الحزب وغيره من الأحزاب السياسية والنضالية كان يكافح في سبيل تحرير الأراضي الصومالية من ربقة الاستعمار الأروبي. وخلال هذه الفترة بدأ يجمع ويدون الأشعار الصومالية التي لم يسبق تدوينها من قبل فحول الشعراء الصومالين، كما اهتم بجمع وتدوين تاريخ حركة الدراويش وجهادها ضد المستعمر وكان ذلك عام 1957م.

وبعد سنة وفي عام 1958م سافر إلى مدينة هرجيسا والتقى هناك بعض المثفقين والعلماء الصوماليين، وهناك سجل بعض الأشعار عبر إذاعة هرجيسا تسجيلا صوتيا، ووجد هناك فرصة لاشتراك دورة تدريبية باللغة العربية، لم يهدأ بال فضيلة الشيخ جامع عمر عيسى حتى وصل إلى القطر الجنوبي للبلاد ولاسيما العاصمة مقديشو ، وفور وصوله التحق بمعهد الدراسات الإسلامية بمقديشو ونال شهادة الثانوية بقسم الشريعة الإسلامية، ثم بعد ذلك التحق بسلك التدريس وأصبح أحد أساتذة وزارة التربية والتعليم وكان ذلك عام 1962م.

وبعدما استقلت البلاد من الاستعمار، وتعرف الشيخ جامع ما كان يجري في البلاد في النواحي السياسية بدأ يفكر من جديد علما أنه كان في مخيلته أن يروي تلك الأحداث التي عاصرها وخاصة مساوي الاستعمار وجرائمه، وبعض من تاريخ بلادنا الصومال. ومن العجيب رغم قلة الإمكانات المعنوية والمادية وضع الشيخ جامع على عاتقه تلك المسؤولية ليعرّف الأجيال القادمة من أبناء بلده ما تعرضت الأمة في تلك الفترة على أيدي الاستعمار، والحق أن الشيخ جامع تمكن من تحقيق حلمه الثقافي والنضالي بواسطة القلم والكلمة المدونة رغم الاعتراضات هنا وهناك ودوَّن أكثر من كتاب في هذا المنحى باللغة العربية ، لأن اللغة الصومالية لم تدون بعد.

وفي عام 1965م وفي شهر يوينو تحققت له رغبة طالما كان ينتظر إليما ويسعى من أجلها وهي رغبته في سفر إلى جمهورية مصر العربية، وبعد وصوله إلي قاهرة المعز التقى هناك بعض المثقفين وطلبة العلم من أبناء الصومال الذين أفاد لهم واستفاد منهم، وكذا بعض الكتاب والمؤرخين المصريين، ولما عاد إلى البلاد عين وظيفة باحث مساعد بالدائرة الثقافية التي تمّ استحداثها بوزارة التربية والتعليم في مقديشو وكان ذلك عام 1966م. وإلى جانب تلك الوظيفة المحترمة والتي من خلالها كان ينشر العلم ويربى الأجيال الصاعدة التي كانت تشارك بناء الوطن الجديد الذي نال الاستقلال أصبح الشيخ جامع عضوا فعّالا في أكثر من لجنة أو مجمع أو نادي في داخل الوطن وخارجه، وكلها تهتم في النواحي الثقافية والأدبية، ومن ذلك أنه أصبح عضوا مهما في مجمع اللغة الصومالية والتي تأسست في عام 1971م ، وكان ذلك قبل تدوين اللغة الصومالية واختيار حروفا مناسبة في كتابتها، ومن خلال ذلك النشاط الثقافي والوطني حصل جائزة الدولة التقديرية.

وعند محاولات تدوين اللغة الصومالية ونحت حروف مناسبة لها، اختير الشيخ جامع عضوh في لجنة اللغة الصومالية لهذا الغرض ، وكان ذلك عام 1972م قبل نجاح المهمة وهي تدوين أحرف مناسبة للغة الصومالية ، وخلال تلك اللجنة ومحاولاتها وتدويلها برئاسة معالي الشريف صالح محمد على انبثقت الحروف اللاتينة لتكون الحروف المستخدمة للغة الصومالية بعد موافقة الأعضاء جميعا.

واستمر نشاط الشيخ جامع الثقافي والعلمي في أكثر من ميدان، وكانت البلاد تحتاج مثله المليئ بالتجربة والثقافة العالية في الأدب الصومالي ودروبه ، بل أن الشيخ جامع كان يشار إليه بالبنان -كما ذكرنا سابقا – في رواية شعر السيد محمد عبد الله حسن وأتباعه ، بل وملامح حركته التحررية، ومن هناك كان الحاجة إليه ماسة لاسيما أنه جلس أمام أكثر من 36 درويشا من رجالات السيد كما أخبرني نفسه رحمه الله, وكذا بعض معارضيه مثل السيد علي طوح ، ولم يكن غريبا إذا اختير عضوا مهما في الأكاديمية الصومالية للعلوم والأدآب والفتون ، حيث كان يعمل فيها بصفة باحث تاريخي وأدبي حتى يناير عام 1990م. هذا في داخل الوطن الصومالي، أما في خارج البلاد فإن الشيخ جامع عمر عيسى ظهر نشاطه الثقافه والعلمي في بعض أروقة العلم والثقافة في أكثر من قطر عربي، ويكفيه أنه سار مشهورا في أوساط أهل العلم وحتى مثقفون غير العرب ، لأن كل من كان يريد أن يتناول تاريخ الصومال وأدبه كان يضطر أن يستأنس أطروحات الشيخ ورواياته التاريخية والأدبية في العصر الحديث.

ومن ناحية أخرى شارك المرحوم أكثر من مؤتمر أو ندوة في الداخل والخارج مثل:ندوة المخطوطات العربية التي عقدت في نواكشوط بمورتانيا في عام 1977م بصفة رسمية ممثلا بلاده الصومال. أما في شهر أغسطس عام 1982م اشترك في رحلة علمية طالما يراود مخيلة الشيخ وهمه في اشتراكها يحيث سافر في بعثة علمية للدراسات التاريخية والأثرية إلى كل من اليمن والمملكة العربية السعودية والكويت، واستمرت عمل هذه البعثة في نوفمبر عام 1984م.

وفي رحلة مماثلة سافر الشيخ جامع مرة أخرى في بعثة دراسية مماثلة بالتي قبلها ، ولكن في هذه المرة إلى سلطنة عمان ، ودولة الإمارات العربية ، والمنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية ، وكان ذلك في شهر يونيو عام 1986م، أما في شهر أكتوبر عام 1990م حضر أعمال الندوة الثقافية التي عقدها مركز دراسات العالم الإسلامي في ليبيا، وشارك الشيخ في موضوع تاريخ الإسلام في بلاد اللصومال، ومن هنا أنه ليس من الغرابة أن أصبح الشيخ جامع عضوا مهما في إتحاد المؤرخين العرب في عام 1991م واشترك بعض مؤتمرات الاتحاد في القاهرة وبغداد.

وكان للشيخ جامع أثر كبير على أوساط المثقفين في داخل البلاد وخارجها، وكان يلاحظ دائما عند الشيخ حركة كبيرة من قبل الباحثين للتاريخ الصومال وأدبه، وقد تعرفتُ على الشيخ في مكة المكرمة عند زيارته بحيث اجتمعنا في بيت المرحوم فضيلة الدكتور عبد القادر محمد عبد الله وضيافته – رحمه الله – في موسم الحج عام 1984م، غير أنّ علاقتنا توثقت بعد أن هاجر الشيخ إلي كينيا لأجل الحرب الأهلية في الصومال ، والتقيت في نيروبي عام 1998م ، وكنت أرى خلال في الفترة مزاحمة طلبة العلم وبعض المثقفين – وكنتُ منهم – في مسكنه ليل – نهار ، مما يدل على أهمته كراوي للتارخ والأدب الصومالي المعاصر.

وترك الشيخ أثرا ثقافيا وعلميا قويا في نواحي التدوين والتأليف خلال رحلته العلمية، واشتهر لدى كل من عاصر واحتك معه بأنه شخصية لا تهدأ ولا تستكين رغم الظروف والعمر المتقدم. وفي هذا المجال تمكن الشيخ من كتابة عدة من المؤلفات كلها تتعلق بالتاريخ الصومالي وحضارته وأدبه وما له علاقة بالمنطقة، وقد استخدم في تدوين ذلك باللغة العربية والصومالية، ومن مؤلفاته باللغة الصومالية:

– ديوان شعر السيد محمد عبد الله حسن طبع في مقديشو عام 1974م.

– تاريخ الدراويش ، مقديشو عام 1976م.

– انهيار الصومال ، ممباسا – كينيا في عام 1995م.

– خمسة من النساء ،طبع في نيروبي بكينيا في عام 1999م.

– ملحمة شعرية مأخوذة من بعض فحول الشعراء الصوماليين، طبع بجيبوتي 2005م، وغير ذلك من الكتب.

أما مؤلفاته في اللغة العربية كلها تنصب على تاريخ الصومال وأدبه مثل:

– جرائم الاستعمار، طبع في مقديشو في أوائل الستينات.

– تاريخ الصومال في عصور الوسطى والحديثة، طبع بالقاهرة عام 1965م.

– زعماء الحركة السياسية في الصومال، طبع في القاهرة عام 1964م.

– اللواء داود عبد الله حرسي، طبع في مقديشو سنة 1968م.

– مقديشو ماضيها وحاضرها، طبع على نفقة الحكومة المحلية بمقديشو عام 1979م.

– الصراع بين الإسلام والنصرانية في شرق إفريقيا، طبع في نيروبي في عام 1999م.

– ثورة 21 أكتوبر، طبع بمطابع الحكومة بمقديشو عام 1972م.

– جمهورية جيبوتي ودورها في حل الأزمة الصومالية، طبع في الإمارات عام 2006م.

– تاريخ القرن الإفريقي، ما زال هذا الكتاب مخطوطا غير مطبوع، وفي الشهر يوليو أخبرني الأخ محمد عمر أحمد بأن الشيخ اكتمل الكتاب وهو في طور الطبع ويقوم بتصحيحه.

وأعزي هنا أسرة الفقيد بدءاً بنجله الأستاذ عبد الله بن الشيخ جامع وانتهاءاً بأصغر أبنائه السيدة نصرة بنت الشيخ ، وكذا الأحفاد.

كما أعزي جميع أهل الصومال ولاسيما العلماء والمثقفين وعلى رأسهم معالي شريف صالح محمد علي الذي كان يولي للمرحوم رعاية خاصة منذ أن كان وزيرا ومسؤولة لوزارة الثقافة والتعليم العالي ، وإلى البرفسور محمد عبدي غاندي الصديق الحميم للشيخ ، وإلى الأديب البارع الأستاذ أحمد فارح إذا جاء رفيق الشيخ منذ الأكاديمية الصومالية للعلوم والأداب والفنون وحتى بعد انهيار الدولة الصومالية ، ولا أنسى الأستاذ محمد عمر أحمد الذي كان قريبا للشيخ في الآونة الأخيرة ومعاونا ومصححا لبعض مؤلفاته الأخيرة التي لم تطبع من بعد، ورحمة الله على أبي عبد الله الشيخ جامع عمر عيسى وأسكنه فسيح جناته وألهم ذوي الصبر والسلوان ، إنا لله وإنا إليه راجعون أمين.

7 تعليقات

  1. cرحم الله جامع رحمة واسعة

  2. walaalaha shaahid waa salaamanyihiin.
    salaan kadib tacliiqa hore ee aan Dr muxammad ku tacliiqiyey qabiilka sheekha fadlan in la tirtiro ayaan codsanayaa, sida diktoorku sheegay ayaa sax ah, riwaayo aan sugnayn oo aan xilli dheer yaqiin u haystay ayaan cuskaday,. waad mahadsantihiin.

  3. walaalaha shaahid waad salaamantihiin, tacliiqa hore ee aan diktoorka ku tacliiqiyey abtirka sheekha waa siduu diktoorku sheegay isagaa isaga saxan, riwaayo aan sugnayn ayaan ku kadsoomay, waxaa la yaab leh anigoo sheekha muddo dheer kutubtiisa ku xirnaa, kadibna aan shakhsiyan isbarannay inuu abtigay kusoo baxay!!! balse nasiib uma yeelan inaan abtinnimo u qadariyo intuu noolaa macallinimo keliya ayaanse u qadarin jiray iyo abti guud, ilaah naxariistiisa waasica ah ha siiyo.

  4. رحم الله شيخنا جامع عمر رحمة واسع ونور الله قبره ورضي عنه امييييييييييين

  5. أشكر للدكتور محمد معلم على تطرقه السيرة العطرة للمؤرخ والاديب الصومالي الشهير جامع عمر الذى توفي الليلة الباركة، وعندما أسمع اسم المؤرخ اتذكر المقولة لكل شخص من اسمه نصيب فقد كان حقا جامعا لتاريخ بلدنا الحبيب وهذا ما لامسنه في كتاباته الكثيرة حول الصومال فقد كتب الدراويش وsyl ومقديشو حاضرها ومستقبلها وتاريخ الصومال في العصور الوسطى والحديثة حتى اسباب انهيار الدولة الصومالية تناولها، وعلى هذا المنبر اشيد اعمال الدكتور الجليلة ووفائه لمعلم الأجيال بتاريخ بلدهم واخير ارجو ان يغفر الله المرحوم وان يتغمده في جناته

    تحياتي للمعلم والمؤرخ محمد معلم

  6. اشكر فضلية الزميل الدكتور محمد معلم حسين على هذه المبادرة الطيبة،ونشر هذا المقال الجامع عن الشيخ،فإنه اي الشيخ جامع أمة،اعجبنى حبه الشديد للتطلع والاستزادة والمعرفة،مجرد أن يرى في يدك كتاب اومجلة او جريدة يأخذ منك وفيتصفحها فان راى بغيته هرول للتصوير،وتواضعه الجم بكل المقاييس،وكرمه الشديد،وعفة لسانه ويده.وزهده عن حظوظ الدنيا وبهجتها،لم أشاهده وهو يتحدث عن الدنيا.
    فلا اجد نفسي إلا الدعاء له بالمغفرة،وأسال الله تعالى أن يجعل قبره روضة من رياض الجنان،ويرزقه بشافعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.واختتم كلامى طلبا خاصا اتقدم به كلا من الدكتور محمد معلم والآستاذ الكاتب محمد عمر بكتاب وافيةي عن الشيخ . أومن لديه معلومات دقيقة من غيرهما

  7. رحمه الله رحمة واسعة فقد كان الشيخ جامع عمر عيسي من المؤرخين الافذاذ والأدباء البارعين امتن الله في كتابة وتدوين تاريخ حركة الدراويش واشعار قائدها المجاهد السيد محمد عبد الله حسن
    التقيت بالشيخ جامع في نيربي بتاريخ ١٩٩٦ في لقاء خاص وسجلت منه بعض اشعار السيد محمد عبد الله بصوته الندي الجميل . واشكر زميلي وصيقي الدكتور محمد معلم حسين علي هذه الترجمة ووفائه لجميع اعيان وعلماء ومفكري الصومال للقيام في تراجمهم جميعا اسأل الله ان يرحمهم جميعا بواسع رحمته وان لا يفتا بعدهم

%d مدونون معجبون بهذه: