الإسلاميون الصوماليون

الصوماليون يدينون بالإسلام منذ القرن الأول للهجرة، بل إن معظمهم يعتقدون مصرين على  أن الإسلام وصل إليهم قبل أن يصل إلى المدينة المنورة عبر الهجرتين الأولى والثانية إلى الحبشة والمشهورتين في السيرة النبوية. ولعل الصومال من البلاد النادرة التي لا توجد فيها ديانة أخرى غير الإسلام ويتبع الشعب كله مذهبا واحدا هو المذهب الشافعي. وكان التصوف والطرق الصوفية من القادرية والأحمدية وفروعهما هي التصنيفات السائدة أكثر من أي شيء آخر. وحتى عندما بدأت المقاومة ضد الاحتلال الغربي كان علماء الصوفية هم رواد وطليعة الجهاد ضد هذا الاحتلال.

وممن شاع ذكره في هذا المجال المجاهد السيد محمد عبد الله حسن الذي ينتمي إلى الطريقة الصالحية والذي واجه الاستعمار الغربي ممثلا ببريطانيا وإيطاليا، والأفريقي ممثلا بإثيوبيا. وكان ثائرا على الوضع القبلي في الصومال وجعل مرجعيته الدين الإسلامي الذي يجمع الصوماليين ويوحدهم، فقاد حركة تحرر تركت أثرها على الشعب، وما زال الكثير من الحركات يستلهم روحه ويجمع على ريادته. وكان تواصله مع الجزيرة العربية وعلمائها سواء في اليمن أو الحجاز مبعث قوة له ولأتباعه الدراويش. ومنهم أيضا الشيخ حسن برسني في الجنوب الذي قاد ثورة مسلحة ضد الاستعمار الإيطالي، والشيخ عبد الرحمن مرسل، ومعلم أيبكر عبدي غافلي، وشيخ بشير وغيرهم.

وبالرغم من أن هذه الحركات كانت حركات مقاومة في الأساس إلا أنها لم تكن بعيدة عن الفعل السياسي والاجتماعي رغم كون قادتها من رجال التصوف، إلا أن تصوفهم كان بعيدا عن المغالاة والخرافات وهذا ما جرّ عليهم نقمة علماء الصوفية التقليديين الذين وصموهم بكثير من الأوصاف غير اللائقة.

ولكن الحركة الإسلامية المعاصرة بتياراتها المختلفة في الصومال أسست قطيعة بينها وبين هذه الطليعة بنسب متفاوتة. فبدلا من أن تستلهم هذه النخبة من العلماء وأن تربط الشعب بسيرتهم الجهادية العطرة تبنت فهما أو تفسيرا للإسلام مستوردا من خارج البيئة الاجتماعية الصومالية. إذ أن أكثر رموز هذه التيارات وكوادرها الأولى كانوا من الطلبة الذين تخرجوا من الأزهر الشريف والجامعات السعودية ثم الجامعات السودانية، وأصبحت كوادرهم فيما بعد خريجو المعاهد المصرية الأزهرية التي كانت منتشرة في محافظات الصومال.

وبذلك يمكن إرجاع الروافد الأولى لهذه الحركات إلى الحركات الإصلاحية والإحيائية التي عرفت في الوطن العربي ولاسيما في مـصر في المرحلة الأولى خلال التواصل العلمي مع الأزهر في أيام ازدهار حركة الإخوان المسلمين في مـصر، وسفر بعض العلماء إلى مـصر للدراسة في الأزهر الشريف والرجوع منها و التلاقح الثقافي  الذي حدث في فترة الاستعمار وما بعدها.

بدأت إرهاصات المد الحركي الإسلامي في الصومال منذ ما قبل الاستقلال بفعل روافد الثقافة الوافدة من مصر والخليج – كما أسلفنا – عبر الطلبة وعلماء الدين الذين درسوا في مصر أمثال الشيخ عبد الغني شيخ أحمد أدم4 والشيخ نور الدين علي علو5 و الشريف محمود عبد الرحمن وآخرين.

ويمكن تصنيف الإسلاميين من حيث التسلسل التاريخي إلى ثلاثة أجيال، فالجيل الأول يمثل جيل الرواد الذي تخرج من الأزهر الشريف أو درس في الحجاز وخاصة في الحلقات العلمية في الحرم المكي، في الفترة التي سبقت الاستقلال، ثم عاد إلي الصومال وعمل في التعليم، أو ساهم في النضال السياسي والكفاح الوطني التي كانت تخوضه جماهير الشعب الصومالي، ومن جيل الرواد الشريف محمود عبد الرحمن، رئيس الرابطة الإسلامية، الذي شارك في النضال السياسي مع حزب وحدة الشباب الصومالي، وقاد حركة جماهيرية ضد كتابة اللغة الصومالية بالحروف اللاتينية وصاحب الشعار المشهور “اللاتين لادين”. وأحمد حسن موسى، مؤسس تنظيم “حزب الله” الذي انبثق عنه فيما بعد حزب الرابطة الوطنية الذي قاد الإقليم الشمالي في الصومال (المحمية البريطانية في صوماليلاند سابقاً) إلى الاستقلال، والشيخ نور الدين علي علو، مؤسس ورئيس “أنصار السنة المحمدية”، وهو أول تنظيم سلفي تأسس في الأراضي الصومالية، وإبراهيم حاشي محمود، الذي أبلى بلاء حسناً من أجل الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للشعب الصومالي، وهو صاحب الشعار المشهور “لغة الصومال لغة القرآن “.

هذا واقتصر دور الجيل الأول من الإسلاميين سواء في جنوب الصومال وشماله، على اتباع الطرق السلمية لمواجهة مخططات الاستعمار من طمس الهوية العربية والإسلامية للمجتمع الصومالي، وذلك من خلال الدروس العلمية والمحاضرات وخطب الجمعة في المساجد، أو المشاركة في المناسبات الوطنية والدينية وإحياؤها والتي تقام في المحافل العامة أو دور الأحزاب السياسية، أو توفير الكتب والمجلات والصحف الصادرة من الوطن العربي وخاصة من مصر التي كانت في تلك الحقبة قبلة للمناضلين من أفريقيا وآسيا من جهة، ومركزاً روحياً وفكرياً للتيارات الإسلامية الناشئة بوجود الأزهر الشريف فيها وكذلك حركة الإخوان المسلمين التي كانت في ريعان شبابها من جهة أخرى.

مثّل جيل الرواد البذرة الأولى للمشروع الإسلامي المعاصر في الصومال، حيث تركت تحركاتهم وجهودهم صدى للأجيال اللاحقة وخاصة الجيل الثاني الذي اتخذ نضال جيل الرواد نبراساً ينير لهم الطريق لتأسيس عمل إسلامي أكثر ترتيباً وأدق تنظيماً.

وبالرغم من أن جيل الرواد ترك منظومة ثقافية فكرية وقدم أطروحات قوية في مجالات التعليم والثقافة والهوية بصورة عامة، والدستور والقوانين، والعلاقات الخارجية للدولة بصورة خاصة، وكانت هذه الأطروحات تتمحور حول التمسك بالهوية العربية الإسلامية للشعب الصومالي، وأسلمة دستور البلاد والقوانين المنبثقة عنه، والحفاظ على علاقات الصومال التاريخية مع الشعوب والدول العربية والإسلامية. وقد كان لهذه الأطروحات أثر واضح في الحياة السياسية والثقافية للدولة، ويكفي المرء مراجعة دستور الصومال عام 1961م ، وكذلك الحركة الفكرية والثقافية التي كانت سائدة في الصومال في تلك الحقبة ليرى بصمات هذا الجيل على الحياة السياسية والثقافية في البلاد.

غير أن هذه الجهود بالرغم من أهميتها لتنمية وتأصيل المشروع الإسلامي في الوسط الثقافي والسياسي الصومالي شعبياً ورسمياًً توقفت وانتهت بانتهاء الحقبة الديمقراطية التي انتهت عشية الانقلاب العسكري في 21 أكتوبر 1969م، حيث دخلت الصومال عهداً جديداً شكلاً ومضموناً أثر سلباً من بين ما أثر على المشروع الإسلامي الذي انتقل من العلنية إلى السرية، ومن السلم إلى العنف، ومن التدرج والمرحلية إلى الراديكالية، ومن المواءمة  بين المحلي والمستورد، وبين التراث والاجتهادات العصرية، إلى التقليد والانبهار بالتراث والاجتهادات القادمة من الأقطار الإسلامية الأخرى دون تمحيص.

أما الجيل الثاني من الإسلاميين الذي اجتهد في مواصلة المسيرة فقد ظهرت جهوده علناً في أواخر الستينات، ويبدو من هنا أن هناك فترة تداخل بين الجيلين، حيث إن بداية الجيل الثاني عاصرت نهايات جيل الرواد. والطابع المميز للجيل الثاني هو الظهور الواضح للتنظيمات، وبروز أسماء مجموعة من قيادات أو كوادر تنتمي إلي هذه التنظيمات، بينما كان جيل الرواد تطغى فيه الشخصية القيادية على التنظيم وفعله، وكان ينسب الفعل إلي الشخصية القيادية، لكن الأمر قد اختلف في الجيل الثاني حيث أصبح الفعل ينسب إلى التنظيم.

ويبدو أن الجيل الثاني من الإسلاميين واجه تحديات مختلفة عن الجيل الأول كما وجد فرصاً تختلف عن الفرص التي أتيحت للذي سبقه، فالجيل الثاني واجه في غالب أوقاته حكومة عسكرية دكتاتورية اعتقلت الكثير من قياداته وأجبرت الآخرين إلى الفرار الأمر الذي اضطرهم إلى اللجوء إلى طرق سرية للتعبير عن أنفسهم ونشر فكرتهم. وقد أثر هذا الأمر على مسيرة العمل الإسلامي سواء على تشكيلاته الإدارية أو مفاهيمه وأفكاره، إذ أن الذين خرجوا من البلاد عادوا بأفكار وأشكال إدارية جديدة تختلف عما كان سائداً في السابق، ولم تأت طريقة الاستفادة من تجارب الآخرين على شكل إضافة وأخذ الملائم وترك غير الملائم بل جاءت على شكل تقليد أعمى وتشكيلات جديدة لا تمت بصلة إلي التشكيلات العاملة في الساحة حتى وإن كانت ليست هناك فروق تذكر في الشكل أو المضمون، اللهمّ إلا اسم التنظيم وأسماء الشخصيات القيادية، فالوحدة، والجماعة الإسلامية، والإصلاح كانت كلها تنظيمات إسلامية قامت وتأسست على فكر ونهج الإخوان المسلمين، ولم يكن هناك ما يمنع من دمجها وتوحيدها في إطار تنظيمي.

وبالرغم من هذا التحدّي فإن الجيل الثاني وجد تعاطفاً من الحركات الإسلامية والمؤسسات التعليمية في الوطن العربي، حيث كسب معرفة وخبرة في مختلف مجلات الحياة السياسية والاجتماعية.

ومن جهة أخرى فإن هذا الجيل واجه فوضى سياسية واجتماعية ناجمة عن انهيار السلطة المركزية في الصومال، وبالرغم من أن هذا الفراغ شكل فرصة تاريخية للإسلاميين من هذا الجيل إلا أنهم لم يكونوا على مستوى التحدي ولم يتمكنوا من استثمار هذه الفرصة التاريخية، حيث فشلوا في الاتفاق على مشروع يملأ الفراغ ويضع حداً للفوضى، ومن ثم يسمح لكياناتهم بالاستمرارية والعطاء، ومن هنا أصبحوا يدفعون الثمن جراء هذا التقصير فهاهم تتصدع  جدرانهم وتقوم تشكيلات جديدة على شكل متوالية هندسية.

وفي ظل هذا الفراغ السياسي أصبحت الصومال ساحة مفتوحة لكافة التدخلات، مما أثار شكوك ومخاف الغرب من هيمنة الإسلاميين على مقاليد السلطة في الصومال الأمر الذي يمكن أن ينعكس سلباً – في نظرهم – على المصالح الغربية ومصالح حلفائه في المنطقة، ومن هنا كانت حركة الغرب ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تجاه احتواء الإسلامين قد أخذت طابعين رئيسيين وهما: مواجهة عسكرية مباشرة أو عبر دول الجوار، أو التنسيق والتعاون من خلال توفير دعم لبعض المشاريع التي أقامها الإسلاميون في الصومال، الأمر الأول هو الطريقة التي تعامل بها الغرب مع الاتحاد الإسلامي، واتحاد المحاكم الإسلامية فيما بعد، وحركة الشباب، أما الطريقة الثانية فهي الطريقة التي تعامل بها الغرب مع قيادة حركة الإصلاح، وتتعامل بها الآن مع الحكومة التي يقودها الإسلامي “المعتدل”. ولكن في واقع الأمر فإن الطريقتين لم تجديا نفعاً ولم تؤديا إلى نتائج ملموسة في الساحة السياسية في الصومال، الأمر الذي يدعو إلى البحث عن بدائل أخرى.
ويمكن تلخيص الأساليب والطرق التي اتبعها الجيل الثاني لتحقيق أهدافها على:-

  1. الدعوة والتعليم والتزكية من خلال الحلقات العلمية والمحاضرات في المساجد والخلاوي والمنازل، ومن خلال الأطر التنظيمية (الأسر، والكتائب)، وذلك في ظل الحكومة العسكرية وبعد انهيارها.
  2. الإغاثة ومساعدة المتضررين بالحروب الأهلية والكوارث من خلال تقديم المعونات الغذائية، وحفر الآبار، وكفالة الأيتام، ودعم الأسر المنتجة، وذلك عبر الدعم الذي كانوا يتلقونه من منظمات أخرى في الوطن العربي ولا سيما الخليج.
  3. الخدمات العامة مثل التعليم والصحة.
  4. المصالحة وإصلاح ذات البين.
  5. الأمن والعدل من خلال المحاكم الشرعية.
  6. المواجهة العسكرية لبعض الأجنحة مع أمراء الحرب وأثيوبيا.

وفي مرحلة الجيل الثاني استولت المحاكم الإسلامية على زمام الأمور في العاصمة الصومالية مقديشو، وتباينت من جديد مواقف التنظيمات الإسلامية بين مؤيد لها ومعارض، كما أنه في خلال هذه الحقبة يتشكل الجيل الثالث من الإسلاميين الذي يمثل قيادة المحاكم الإسلامية في فترة حكمها، وقيادة المقاومة، وتحالف إعادة تحرير الصومال، وأخيراً قيادة الدولة الصومالية، والحديث عن هذا الجيل ودوره يحتاج لفترة من الزمن لإجراء دراسة أو بحث خاص عنه.

%d مدونون معجبون بهذه: