خصائص مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال (4-4)

الاحتفال بالمولد:

      نحن لسنا الآن في صدد حكم الاحتفال بالمولد النبوي صلى الله عـــليه وسلم؛ لنأخذ أقوال العلماء في تجويزه، ولنكون منهمكين في ردّ هتافات المعارضين، وتصحيح أغلاطهم، وإرشاد عقولهم وإحياء ضمائرهم بتذكيرهم ضرورة احتفالهم بنبي الرّحمة لأن حكم الاحتفال واضح عند أتباع المدرسة كوضوح الشمس في كبد النهار، ولدى رواد المدرسة مباحث جلية حول هذا([1]) لكنّنا نتحدث في هذه الصفحات التالية عن كون الاحتفال سمة من  سمات مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال، وفعلاً هو سمة انتشرت في قرى ومدن الصومال، وأنّ احتفلات المولد كانت ولا تزال تقام فرادى وجماعات، واشتهر أتباع المدرسة بإقامة احتفال بمناسبة  مولد النبي الأعظم صلى الله عـــليه وصلم، في شهر3، أو ما يعرف عند الصوماليين بـ ” شهر “المولد”. ويشارك في المولد أصناف من شرائح المجتمع الصومالي بما فيهم العلماء وطلبة تحفيظ القرآن الكريم وغيرهم، وكالعادة يقرؤون في ليالي المولد أبياتاً من  كتاب البزرنجي، فتلاحظ أيام المولد ازدحاماً في  الأسواق الكبرى  في شراء مستلزمات وليمة المولد.

    يقول شريف عيدروس: ” كانت الجمعيّة الإسلامية التي كان مقرّها في حارة العرب بمقديشو تقيمها، وكانت برئاسة الشريف عيد روس مؤلف كتاب ” بغية الآمال في تاريخ الصومال” والتي تأسّست ([2]) 12 – 3 عام 1374هـ – 8 نوفمبر 1954م.

  ولم تكن ظاهرة إقامة احتفال المولد محصورة في مقديشو فقط بل كانت تقام هذه الاحتفالات في جميع أقطار الصومال شمالا وجنوبا، وكانت الجمعية تقيم مولد النبي صلى الله عليه وسلم كل عام في مساجد حارة العرب التي كانت تسكن فيها الجالية العربية التي تتكون من حوالي 12 ألف نسمة بين ذكور وإناث وأطفال”، وقد بني في هذه الحارة سادة من العرب مساجد إسلامية تقام فيها مناسبة ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم؛ مما جعل هذه البقعة تأوي إليها الأمة، من المساجد.([3])

1)    مسجد النور الذي بناه الشيخ سالم بن عبد الله بن عمر با عمر.

2)    مسجد الرحمة الذي بناه الشريف محمد بن الشريف النظير السقاف.

3)    مسجد الروضة الذي بناه الشريف هاشم بن أبي بكر أل جمل الليل

-4- ومسجد الرياض وغيره، وكان يشارك في الحفلة زعماء مقديشو ووفود من البعثة الأزهرية ومن هيئة الأمم المتحدة ومندوب مصر لدى جمهورية الصومال لإلقاء كلمة بمناسبة  مولد النبي صلى الله عليه وسلم.([4])

     الإجازة:

 وهي التفويض من قبل أحد شيوخ المدرسة لبعض تلامذته بتلقين جميع الأوراد أو بعضها كتابة أو مشافهة أو قلباً تفويضاً مطلقاً في جميع الأوقات أو بعض منها.

وهي خاصة من خصائص المدرسة تسمي أحيانا المبايعة، وهي تدلّ على أنّ هناك عهد بين الشيخ والمريد، ولأن المريد أصلاً يحتاج إلى من يقوده ويرشده.

 يقول ابن عطاء الله السكندري : “من لم يكن له شيخ يوصله إلى سلسلة المتابعة فهو في الطريق لقيط لا أب له وفي المعرفة دعي لا نسب له ” ( [5]) وإذا كان الطريق يتشكل ويتكون من شيخ ومريد فإن الذي يربط بينهما العهد والبيعة هي أوثق رباط بين رجلين تحابا في الله وتعاهدا على طاعته؛ ( [6]) لذا نحاول أن نتعرف كيفية المبايعة أو الإجازة عند أتباع مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال.

 الإجازة التي أتحدث عنها في هذه الصفحة خاصة لإحدى مدراس التصوف الإسلامي، وهي المدرسة ” الأحمدية” وتكاد تكون نفس الطريقة التي يتبعها أتباع مدرسة القادرية إن لم يكن كلها، ويصور لنا الشيخ عثمان حدج كيفيتها فيقول ما يلي:- ” قلت وكيفية أخذ إجازة هذه الطريقة الأحمدية التي تلقيناها عن مشايخنا هو أن يجلس الشيخ مستقبل القبلة ويجلس المريد أمامه وهما متطهران؛ فيغمض الشيخ عينيه ويأمر المريد ([7] ) كذلك، ويجمع همته كلها ويستحضر في قلبه النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه جالس في حضرته، ولا يلتفت بقلبه إلى غير حضرته، ثم يقرأ الشيخ  آية ” إن الذين  يبايعونك إنما يبايعون الله ” ثم يقرأ آية ” إنا فتحنا لك فتحا مبينا” إلى وينصرك الله نصرا عزيزا،  ثم يلقن للمريد ويقول :- “استغفر الله العظيم الذي لا إله هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه”  ثلاث مرات، ويقول المريد ذلك بعده  في كل مرة، ثم يقرأ الشيخ ما ذكرنا من الآيات مرة ثانية، ثم يقول: (لا إله إلا مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ)

في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله ثلاث مرات، ويقول المريد بعده كل مرة، ثم يفتح الشيخ والمريد أعينهما، ويدعو الشيخ للمريد ويأمره الاستغفار والتهليل المذكورين، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حسب استطاعة المريد، وقوة عزيمته، والغالب أن يأمر الشيخ المريد بقراءة  كل من الاستغفار،  والتهليل والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة  مرة كل يوم، ثم يوصيه بتقوى الله واجتناب المعاصي”. ([8])

الحَوْلِيَة/الزيارة:

       اعتاد المجتمع الصومالي قيام الحولية أو الزيارة عند ضريح أحد أولياء الله بمناسبة ذكراه، فمن الأضرحة المشهورة التي تزار سنوياً ضريح الشيخ أويس المدفون في “بيولي”، يقول عبد الرحمن النجار عنها :- ” يقام في كل عام احتفال كبير بمناسبة ذكراه حول ضريحه، وتستمر ثلاثة أيام، ويشهد هذا الاحتفال مندوب من الحكومة الصومالية، ومع Hن” بيولي” تقع في وسط البادية، وبعيدة عن العاصمة، وفي واد غير ذي زرع، والطريق إليها طويل وشاق، والوفود تقدم إلى هذا المكان من العاصمة – مقديشو- ومن جميع جهات الصومال، والجميع ينشدون الأناشيد الدينية، عشرات الألوف يتجمعون في كل مكان، ويقضون نهارهم في قراءة القران وإنشاد الأناشيد، وفي الليل تقام حلقات الأذكار يذكرون اسم الله وصفاته والصلاة على رسول الله، وذكر مناقب الشيخ أويس، ويخيّل إليك أن الكون كله يرتجّ من أصوات الذكر، وأن صدى الأصوات تتجاوب به السموات([9])، وتعقد حلقة يجلس فيها أكثر من مائتين من حفاظ القرآن، وأكثرهم من أبناء البادية الذين لم يدخلوا مدرسة، ولم يجلسوا إلى معلّم سوى محفّظ القرآن، يقرأ واحدهم  الآية الأولى من سورة البقرة والذي يليه يقرأ الآية الثانية، والذي يليه يقرأ الآية الثالثة .. هكذا حتى يختموا القرآن حفظاً”.([10])

ويَعتبر أتباع مدارس التصوف  في الصومال إحياء مثل هذه الحوليات بأنها رسالة وفاء سنوية لشيوخ المدرسة الذين أسسوا هذه المدارس؛ وذلك بغرض استرجاع سير مشايخ المدرسة، ومناقبهم، وكراماتهم، وأيضاً استذكاراً بمآثرهم، وفضلهم الكبير على المجتمع الصومالى في نشر الدين، ويشارك المريدون في إقامة حلقات الذكر والإنشاد، ويسمح لكبار السن الجلوس أو القيام وسط الحلقة، فيما يوزع بعض المجذوبين العطور على الحضور طلباً للبركة ودعاء الصالحين، ويتمايل الذاكرون يميناً ويساراً على إيقاعات الإنشاد الصوفي.

آداب الذكر:

     الذكر من أهمّ الوسائل إلى الوصول إلى الله تعالى، يقول الإمام القشيري: “الذكر ركن قوي في طريق الوصول إلى الله، بل هو العمدة في طريق القوم، ولا يصل أحد إلى الله إلا بدوام الذكر” ( [11]) .

ويمكن أن يقال أنّ جميع مدارس التصوف الإسلامي في العالم الإسلاميّ والعربيّ مجتمعة في قاعدة أنّ المريد السالك بالطريقة لابد أن يأخذ حصّة من الذكر في يومه وليله، ونجد أيضا أن المدارس تحدّد آداب الذكر ونوعه، ومن هنا نجد أن مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال قد اتجهت إلى هذا النحو، وان للذكر عندها آدابا، وهي عشرون، كما يقول شريف عيدروس:” منها خمسة قبل الشروق، وهي الغسل أو الوضوء والتوبة، والصمت، والسكون، والاستمداد من الشيخ، وأثنا عشر أثناء الذكر، وهي طهارة المكان، والجلوس كحالة الصلاة، والاستقبال، ووضع يديه على فخذيه، وتغميض عينيه، واللباس إجلالا، وتطيب الثوب والمجلس، واختيار المكان المظلم، والصدق، والإخلاص، واختيار كلمة التوحيد، وثلاثة هي المكملة للعشرين تكون أيضا وسط الذكر، وهي منع شرب الماء وبعد الذكر ساعة ونصف ساعة والسكوت والخضوع.([12])

 قراءة أبي عمرو البصري:

     صارت قراءة القرآن براوية أبي عمرو البصري سمة من سمات أتباع وقرّاء مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال، وهي الضاربة في جذور تاريخ تحفيظ القران الكريم في الصومال، وإن لم يُعرف تاريخ نشأتها بالتحديد، ويقول أبوبكر محمد معلم حسن: “مما لا شك فيه هو أن فنّ القراءات والرسم ومعارف علوم القران قد ازدهر في منطقة قرن إفريقيا، و إن القراءة في الصومال كانت ولا تزال على أصل قواعد الإمام أبي عمرو البصري، وإن سُجّلت بعض المخالفات الطفيفة التي يمكن توجيهها في إطار المتواتر من أصول القراءات والروايات، لكنّها لم تخرج عنها بالجملة، ونقلوا هذه الرواية جيلا بعد جيل، وحافظوا على أدائها بأصلها “.(([13]

 من الملامح التي اختصت هذه القراءة في الصومال:-

يقول أبوبكر محمد معلم حسن: إن من هذه الملامح :”

1)  “ الاستعاذة: جرت العادة عند قراء القرآن في الصومال أن يثبتوا الاستعاذة جهرا في افتتاح التلاوة عامة، وخاصةً التلاوة الجماعية وذلك لِمَن يفتتحها دون مَن يقرأ في الحلقة سواه، وهذا موافق لما عليه أصل القراءة، وقواعد الرواية. ثم إن قرّاء (المدرسة) لزموا الصيغة المختارة عند أهل الأداء، وهي: أعوذ بالله من الشَّيطـٰــن الرجيم

2)  البسملة: أثبتوا البسملة بين السورتين، وهذا الأمر يُؤكِّد النظريةَ التي ترى بأن الصوماليين بَصْريُّون نحواً وقرآناً، يقول الدكتور عبد الرحيم حاج يحيى: “والخصوصية الثقافية الإسلامية التاريخية المتفردة في مناهج المذهب، والعقيدة، والفقه، والتصوُّف، والقراءة بل المدرسة النحويّة البصريّة التي ننتمي إليها “.ولعلَّ لِاعتناق الصوماليين المذهب الشافعي أثراً كبيراً في إثبات البسملة لأبي عمرو البصري،”.

3)  أم القرآن: والملاحظ في الفاتحة قوله تعالى: (مَلِكِ يَومِ الدِّينِ) الفاتحة:آية 4. أصل قراءة أبي عمرو في (مَــلِكِ) القصر، وقد مدها كثير من المتأخرين ممن يقرأ قراءة البصري، وذلك تركيب وخلط بين الروايات، نتيجة لانتشار رواية حفص عن عاصم التي هي بالمدّ، والتي يقرأ بها الأغلبية العظمى من المسلمين.

4)  الادغام الكبير: الطريق السائدة في الصومال هي توسط المد المنفصل مع الإظهار، ويشترك في ذلك الدوري والسوسي، وهذا يؤكِّد صحةَ ما أردته إثباته.

5)  هاء الكناية: لم تسجل أية مخالفات للحروف المروية عن أبي عمرو بالصلة والإسكان والقصر بصورة واضحة، وهذا يدل على قدر اهتمام القراء بتصحيح ألفاظ القرآن الكريم.

6) المد والقصـر: سبق الذكر آنفا أن الطريق المتبعة في قراءة أبي عمرو في الصومال توسُّط المد المنفصل مع الإظهار، وتجدر الإشارة هنا إلى أن التوسط يشمل المد المتصل كذلك، وينتج من هذا أن أبا عمرو يقرأ بتوسط المتصل والمنفصل معا.“( [14])

   يقول أبوبكر محمد: ” كل ما ([15])رُوي فيه التقليل والفتح عن الإمام أبي عمرو البصري، قرأها أهل الصومال بالفتح، وذلك طلباً للتخفيف لصعوبة انضباط التقليل، وتفاوته في ألسنة الناس.

ولا ننسى أن نشير هنا إلى أن الصوماليين تأثروا بمذهب أهل العراق في قراءة أبي عمرو، وسبق  بأن الصوماليين بصريّون نحواً وقرآناً، والبصرة من العراق.

إمالة فواتح السور لأبي عمرو البصري في الصومال

يضيف أبوبكر محمد ” الراء من (الـــر) أول يونس وهود، ويوسف، وإبراهيم والحجر، ومن (ألـــمر) أول الرعد، فأمالها كلها أبو عمرو البصري من جميع طرقه..فعلى إمالة الراء من (الر) و(المر) والهاء من (طه) جمهور قراء قراءة أبي عمرو في الصومال، والإمالة هي الرواية الصحيحة التي لم ينقل عن أبي عمرو مثلها في القوة والصحة، وهذا يؤكد على صدق ما ذهب إليه الدكتور محمد في صحّة القراءة عندالصوماليين روايةً، وأنها بالمشافهة استطاعت أن تحافظ على أدقّ أصولها وقواعدها، ولم نَنفِ وجودَ أخطاء روائية وأدائية.”([16])

ألفاظ صومالية مقترضة من العربية لغة القرآن:

      يقول يحي عبد الرحيم حاج:” هناك الألفاظ الصومالية بعضها صومالية بالأصالة، وبعضها مقترضة من العربية لغة القرآن لانفتاحنا الروحي والوجداني، وانصهارنا التاريخي والثقافي بها، لكنّ اللافت للنظر هنا، الجدير بالبحث والتأمل.. أن اقتراضنا هذا من القرآن الكريم يكاد يتفرد بخاصية اقتفاء أثر قراءة أبي عمرو وتخّير صيغها وخصائصها ”  وانظر مثلا: 1- عتي : (بضم العين Cutti، قال الله تعالى:( قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) ([17])عتيا” أي النِّهَايَة فِي الْكِبَر وَالْيُبْس وَالْجَفَاف، ونقول بالصومالية بالأصالة Cutti; ووفق قراءة أبي عمرو بضم العين ; َقَالَ الشَّاعِر : ” إِنَّمَا يُعْذَر الْوَلِيد وَلا يُعْذَرُ مَنْ كَانَ فِي الزَّمَان عِتِيًّا” ونقول: (waa duq cutti ah)   وَعَتَا عَظْمه أي َنَحَلَ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ لِقَاح وَلا جِمَاع، وَالْعَرَب تَقُول لِلْعُودِ إِذَا يَبِسَ عتا يَعْتُو عِتِيًّا وَعُتُوًّا،ونقول: sida bashiir cutti عَنْ مُجَاهِد قَوْله { عِتِيًّا } قَالَ : نُحُول الْعَظْم وقَالَ الأصْمَعي يُقَال: عَتَا الشَّيْخ يَعْتُو عُتِيًّا وَعِتِيًّا كَبِرَ وَوَلَّى وَالأَصْل عُتُوّ(cutti  بالواو) , فَأَبْدَلُوا مِنْ الْوَاو يَاء ; لأنَّهَا أُخْتهَا وَهِيَ أَخَفّ مِنْهَا، وَالآيَات عَلَى الْيَاءَات. وَمَنْ قَالَ : “عِتِيًّا ” كَرِهَ الضَّمَّة مَعَ الْكَسْرَة وَالْيَاء ; وَقَرَأَ أبو عمرو”عتيا” بالضمة، وَقَرَأَ َحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَحَفْص “عِتِيًّا ” بِكَسْرِ الْعَيْن وَكَذَلِكَ ” جِثِيًّا ” و “صِلِيًّا ” حَيْثُ كُنَّ. وَضَمَّ حَفْص ” بُكِيًّا “خَاصَّة.”([18])

1)جدار: Gidaar قال الله تعالى ((لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)( [19]) قرأ أبو عمرو “جدار” بكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها على الأفراد على معنى أن كل فرقة منهم وراء “جدار” ويراد به السور. ونقول   gidaar لفظا عربيا مقترضا وفق قراءة أبي عمرو وقرأ الباقون (جٌدُرْ) على وزن “فعل” بضم الجيم والدال وحذف الألف.

 قال الله :- (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) ( [20])

2-  خَرَاب: Kharaab-qaraab قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ([21]) قراءة العامة بإسكان الخاء وتخفيف الراء من أخرب، أي يهدمون، وقرأ أبو عمرو “يخربون” wey   kharribayaan  بفتح الخاء وتشديد الراء مضارع ” خرّب ” مضعف العين.”

 قال أبو عمرو : إنما اخترت التشديد لأن الإخراب ترك الشيء خرابا بغير ساكن، وبنو النضير(اليهودية) لم يتركوها خرابا وإنما خربوها بالهدم، يؤيده قوله تعالى “بأيديهم وأيدي المؤمنين”. وقال آخرون : التخريب والإخراب بمعنى واحد، والتشديد بمعنى التكثير، والقراءتان لغتان بمعنى واحد، وهو الهدم، وتميل اللغة الصومالية في مادة هذا الفعل إلى فتح الخاء والتضعيف waa kharribay وربما أتت بالمصدر هكذا Kharaab كقوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ([22])

3-  مجلس: Majlisقال الله تعال(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ( [23])

قرأ عاصم “المجالس” بفتح الجيم وألف بعدها على الجمع، وقرأ أبو عمرو “المجلس” بإسكان الجيم وحذف الألف على الأفراد، ويشيع في اللغة الصومالية مجلس Majlis بالأفراد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يقم الرجلُ الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكنْ  تفسحوا وتوسعوا ) ( [24])

4-  سيناء : – siinaay Siinaaقال الله تعالى (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) ([25])  قرئ سيناء بالفتح والكسر وقرأ الكوفيون بفتحها ( سيناء ) وهما لغتان. فالكسر لغة ( كنانة ) والفتح لغة أكثر العرب، ويقول ابن منظور والكسر رديء في النحو؛ لأنه ليس من أبنية العرب فعلاء ممدود بكسر الأول غير مصروف، وتعرف الصومالية (-siinaay Siinaa ) حسب قراءة الكسر. ( [26])

 مقامات التصوف  عند المدرسة

        تعريف المقام عند الصوفية:

        يقول عبد الوهاب سر الختم أحمد:”المقام عند الصوفية هو مقام العبد بين يدى الله عز وجل، فيما يقوم فيه من العبادات، والمجاهدات، والرياضات، والانقطاع إلى الله  تباركت أسماؤه ([27])“ومنه قوله تعالى: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ([28]) و نجد أنّ مدارس التصوف الإسلامي في الصومال انطلقت وفقاً لهده المقامات التي تحمل أساليب تربويّة شاملة في تهذيب النّفس وتزكيتها، وإصلاحها شيئاً فشيئاً بوصلها بخالقها في كلّ لحظة، وكلّ عمل، و كلّ شعور.

 ونجد أيضاً أن هذه المقامات قد اتسمت المدرسة القادرية والإدريسية وفروعها في ترقيق القلب ليشتاق إلى الفردوس الأعلى، ويهفو إلى الجنّة وتربية الخُلُق وتحسين السلوك، وتقويم الخصال وحمل النّفس على المُسارعة إلى طاعة الله تعالى- رغبة وشوقاً.    

تزكية النفس :

    فمن مقامات التصوفة مقامة تزكية النفس وتحذيرها من ارتكاب الذنوب والمعاصي، فنجد أن قصيدة ” الشيخ عثمان حدج”  تُحدثنا وإن وردت في الأصل على شكل نصائح خاصة لطلاب العلم؛ ولكنّها عامة نجد في مضامينها شروط التوبة، وهي الندامة عن المخالفات والذنوب قبل أن تحلّ عواقبها الوخيمة لاحقاً، وقبل أن لاينفع صراخ و ولا ثبور، وقبل أن تنغلق أبواب التوبة عنه، يقول في مطلعها:-   

لاشَكَّ أنَّ الذَّنْبَ دَاءٌ وَظُلْمَة

يُغَطِّي صَدَاهُ الَقلْبَ عَنْ فهْم حِكْمَةِ

وَمَا اجْتَمَعَ الضِّدَانِ فِيْ الَقلْب مَرَّة

فِإنْ جَاء هَذا غَابَ هَذا بسُرْعَةِ

كَذَاكَ  ظلاْمُ اللَّيْل يَذْهَبُ إن بَدَا الصَّـ

بَاحُ وَحَلًّ النُّوْرُ مَوْضِعَ ظُلْمَةِ

سَيَنْدَمُ مَنْ يَعْصِي بعَمْدٍ إَلهَهُ

إَذا الأَرْضُ رُجَّتْ وَالحِجَارَةُ بُسَّتِ

وَيَأتِيْ كئِيْبًا بَاكِيًا فِيْ القِيَاْمَةِ

يَقُوْلُ أيَا وَيْلِي كنْتُ كتُرْبَةِ

وَيَصْرُخُ بَالْثُبُور حُزْنًا وَحَسْرَة

يُنَاْدِيْ فهَلْ لِيْ مِنْ رُجُوْع وَأوْبَةِ

وَهذا إَذا لمْ يَعْفُ رَبيْ ذُنُوْبَهُ

بَفضْل وَيَسْمَحْ مَا جَنَاهُ بمِنَّةِ  ([29])

 الإخلاص:-

 الإخلاص في اصطلاح الصوفية هو: ” أن تكون جميع حركاته – الصوفي – وسكانته، وقيامه، وقعوده، وتقلباته، وأفعاله وأقواله لله تعالى ” ([30])

 وللإخلاص نصيب كبير في شعر  مقامات التصوف بمدرسة التصوف الإسلامي في الصومال، وفيما يلي نستعرض شعراً نصياً للشيخ عثمان حدج عن أهمية الإخلاص لطالب العلم وغيره فقال في قصيدة له:

وَ كنْ مُخْلِصًا يَا طَالِبَ العِلْم

قاصِدًا بمَرْضَاةِ رَبِّيْ عَنْكَ بَعْدَ الْمَنيَّةِ

تَعَلَّمْ لأَجْل اللهِ إن كُنْتَ رَاغِبًا

حُصُوْل الأَمَانِ ثمَّ فَوْزًا بجَنَّةِ

وَلا يَخْطرَن فِيْ الَقلب حُبُّ ريــ

ــاسَةٍ وَجَاهٍ فذا أصل لِكلِّ الرَّزيَّةِ

ولا تَطُلبَنْ صِيْتًا وَمَدْحًا وَشُهْرَة

فهذا سُقوْ ط صَاْح فِيْ قعْر هُوَّةِ

وَمَنْ يَتَعَلَّمْ لِلْمَنَاصِب ديْنَهُ

فَقدْ ضَاعَ عُمْرًا بالْمَسَاويْ وَ غفْلةِ “.([31])

 غض البصر عن المحرمات :.

 ومنه ما قال الشيخ عثمان حدج في قصيدة له.

وَغضُّوْا عَن العَوْرَاتِ أبْصَارَكمْ فمَنْ

يَكنْ نَاظِرًا فِيْهَا يَخُضْ بَحْرَ فِتْنَةِ

وَيَقسُوْ بذلِكُمْ قُلوْبكمُو وَيَعْ

تَلِيْهَا سَوَادٌ ثمَّ رَيْنٌ بظُلْمَةِ

وَإيّاكَ نَظْرَ الأجْنَبيَّاتِ إنَّهُ

كَلسْع الأَفاعِيْ أوْ كطعن الأسِنِّةِ”.( [32])

 المبادرة إلى الخيرات:- 

ومن أسس التزكية للنفس عند الشيخ عثمان المبادرة إلى الخيرات، و نيل مرضاة الله، وإقامة الصلوات في الجماعات مع أداء النوافل، والرواتب، والأذكار، والتسبيح، والتهليل، و قيام صلاة الليل،  وقراءة القران المجيد، ومحبة النبي صلى الله عـــليه وصلم، فيقول في قصيدة له شاملة:”

وَكُنْ مُكْثِرًا ذِكْرَ الإِلهِ خَلْوَةٍ

وَجَمْع وَليل وَالْمَسَاءِ وَغُدْوَةِ

قِرَاة قرْآنٍ مَجيْدٍ فرَتِّلنْ

لِكيْ تَرْتَدِيْ كُسْوَة مَجْدٍ وَرفْعَةِ

وَسَبِّحْ بحَمْدِ اللهِ فِيْ الصُّبْح وَاْلمَسَا

مَعَ البَاقِيَاْتِ الصَّالِحَاتِ البَهيَّةِ

وَصَلِّ الصَّلاَة بالجَمَاعَةِ دَائِمًا

رَوَاتِبَهَا احْفظ وَالضُّحَىْ كلَّ ضَحْوَةِ

كذا الوَتْرُ وَانْو الاعْتِكَافَ بمَسْجدٍ

وَصَلِّ صَلاَة اللَّيْل مِنْ بَعْدِ هَجْعَةِ

وَ كنْ فِيْ الصَّلاْةِ خَاشِعًا مُتَدَبِّرًا

قِرَاءَتَهَاْ يَا صَاح مَعْ حُسْن هَيْئةِ

وَبَادِرْ إلى الخيْرَاتِ وَاطُلبْ مَظِنَّة

لهَا مِن جِهَاتِ الكوْنِ فِيْ كلِّ  طرْفةِ

تَمَسَّكْ بحُبِّ اْلمُصْطَفىْ سَيِّدِ الوَرَىْ

وَعَضُّوْا عَليْهِ بالنَّوَاجذِ إخْوَتِي

إَذا كُنْتَ مُشْتَاقًا بُلُوْغ ذرَى العُلا

فكنْ تَاِبعًا طهَ أكْمَل قُدْوَةِ

بأقواله وأفعاله بل وحاله

تنل كل خير بالدوام ونعمة “. ([33] )

 التحذير من إتباع الهوى:

  قال ابن عطاء الله السكندري:- ” أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة عدم الرضا منك عنها” ( [34])، نجد ما يطابق هذ الكلام في إحدى قصائد “الشيخ عثمان حِدِجْ “وهي أنه يحذّر من طاعة النفس فيما تريده من هوى وشهوة ورضا، وأمن عن شرورها، وينصح الشيخ لطلبة العلم وغيرهم مخالفة هوى النفس وعدم الانجرار بشهوتها؛ ليكون طالب العلم سليماً من هذه البلية وفقاً لما تتضمنته الآية الكريمة في قوله تعالى:- (وأما مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى)   ([35]) ولأنه كما يقول الجوزي:- “إن الهوى يسري بصاحبه في فنون ويخرج من دار العقل إلى دائرة الجنون”.([36])

–       فيقول عثمان حدج في مطلع هذه القصيدة:

وإيَّاْكَ  طوْعَ النَّفْس فِيْمَا تُريْدُهُ

وَ لا تَتَّفِقْ مَعْهَا بصُلْح وُهُدْنَةِ

وَأمَاْرَة بَالْسُوْءِ وَالْشَرِّ دَائِمًا

فحَاْذِر كمَاْ تَخْشَىْ أخِىْ فتْكَ لبْوَةِ

وَخَالِفْ هَوَاهَا وَاقْمَعَنْ شَهَوَاتِهَا

وَخذهَا بَقهْر وَانْقِلاْب بعَنْوَةِ

فلا أحَدٌ مِمَنْ هَوَاهُ اتَبَعْ بغَير

هَدْي أضَلُّ فَاخْشَ هَذِىْ الْبَلِيَّةِ

فمن خالف الهوى لأجل إلهه

فمأواه يوم الدين وسط الجنة “([37])

 الشوق :

  نجد الشوق الذي هو” اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبّة يكون الشوق “كما يقول القشيري في رسالته ( [38])وهو سمة من سمات المدرسة الصوفية في الصومال، وورد نموذج هذا شعرياً في بعض قصائد أقطاب المدرسة في الصومال. ونأخذ قول الشيخ عبد الزيلعي عن العشق في قصيدته الشهيرة: “بعينيّته” مخاطبا الرسول- صلى الله عـــليه وسلم وينزع قلبه إلى لقاء الحبيب محمد صلى الله عـــليه وسلم من الطويل:”       

إذا شـرب العُشّاق قهوة ذكركم

يهيمـون شـوقاً للفِناء الموسّـع

إلى واد العقيق ازداد شوقي

وقبر ضــــمّ جثمان الجواد”.([39])

            ” في الشطر الأوّل من البيت يقدّم الشاعر الجارّ والمجرور (إلى وادي العقيق) على متعلَّقه (شوقي) ليوحيَ للسامع مدى تعلّقه بهذا المكان، وأنّ شوقه العارم منحصر في هذا الموضع؛ لأنّ فيه قبر النبيّ صلى الله عـــليه وصلم، وفي هذا الترك([40])  دلالة تخصيص المكان لبيان أهمّيّته” ( [41]) ومن هذه النماذج  مايقول الشيخ قاسم البراوي في قصيدة له من بحر {الخفيف}

ساقني الشوق نحوكم فاستحالت  ***  أنعُم ما رضيت أن تستحيلا “.([42])

         ” في التركيب البنائيّ لصدر البيت (وساقني الشوق) يظهر أنسنة الشوق، وإضفاء الحياة عليه، فكأنّه إنسان يسوق.

 ومن الواضح أنّ الشوق لا يمكن أن يسوق؛ لأنّه شيء معنويّ، وحالة نفسيّة، ولكنّ  بُعداً نفسيّاً يتوارى خلف هذا الاختيار وهذا الإسناد، فالشاعر يوحي إلينا بتمكّن الهوى والمحبّة من قلبه، ممّا جعله يظهر عجزه في المجيء إلى حبيبه باختياره وطواعيته حتّى ساقه الشوق.

 وإسناد الفعل (ساق) إلى الشوق فيه ما فيه من خروج الشوق من دائرة التجريد ليدخل في دائرة الحسّيّة،”.( [43])

–   ومنه قول الشيخ عبد الرحمن الزيلعيّ – من الطويل

ألا يا رسول الله قلبي متيّم     بحسن بدا في وجهك المتلمّع “.([44])

ومنه ما يقول الشيخ عبدالقادر حاج عبد الله( [45])من الطويل

ولـو قيــل للعشّاق بالله خبّروا

فأيـن يقرّ الشوق والعشق والودّ

لنادَوا جميعاً من على الأرض والسما

ألا في سُوَيدا القلب قد سكن الوُدّ “.([46])

      استخدم الشاعر في هذين البيتين كلمات (الشوق، والعشق، والودّ)([47]) ، وهي متقاربة في المعنى، فهناك تعريقات كثيرة في الشوق منها ما يقوله السيد الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات:” الشوق نزوع القلب إلى لقاء الحبيب” ( [48]) فالشوق يقصد به انجذاب باطن المحبّ نحو المحبوب من أجل الوصول إلى زيادة اللذّة أو دوامها نتيجة عبادة الله تعالى([49])، ومثل الشوق والودّ – والعشق إحدى مراتب المحبّة، ومعناه هيجان قلب الصوفيّ بالهوى والمحبّة الإلهيّة([50]).

والعشق من أسمي صفات العارف، وأهم أحواله،والعشق من جملة الأحوال أي أنه هو ذاته من المواهب الإلهية، وليس من المكاسب البشرية ( [51])

الزهد:

 إن السلوك في كل مقام من مقامات الطريقة يجعل السالك مستعدا للوصول إلى مقام آخر، ولذا فإن الورع من مقتضيات الزهد، ويعد الصوفيون التعلق بالدنيا رأس كل خطيئة وترك الدنيا ينبوعاً لكل خير”( [52]).

 ونحن  عندما نقف عند كلام أحد شيوخ المدرسة، وهو الشيخ محيي الدين بن الشيخ عبد البراوي نجد أنه يسأل من له عقل إلى اين ذهب الأولون فيزهده في الدنيا فيقول في قصيدة له {من الكامل}([53])

أين القضاة وأيـن أرباب التقـى

أين الذي يُرجى بهم في المهول

أين الحبيب إذا اكتسبت خطيئة

يجزيك بالحسنى كأن لم تفعل

حلّت بهـم آجالهـم فتحوّلـوا

فكأنّهـم لم يسكنوا في المنزل

 التواضع:-

ومنها  قول الزيلعي :-  من بحر ( الطويل ) ([54])

وكيف أروم العوم في بحر وصفه      وما أنا في حبّ النبيّ ذو تضلع

الصبر على البلاء :

 ومنه  قول الشيخ عثمان حدج :  من( بحر الطويل ) ( [55] )

إذا ما دهاك الخطب والعسر فاستعن     بصبر دعاء والصلاة بخشية

التضرع إلى الله :

ومنها :  قول الشيخ صوفي( من الطويل ) ([56])

فإن تنتقم منهم فإنك قادر         وإن تعفهم فضلا فإنك سيّد

التذكير:

 يصف السيّد محمّد عبد الله حسن في قصيدة مكوّنة من 230 بيتاً؛ كيف حلّ المنكر مكان المعرف “من مجزوء الرجز”

هذا زمان والبلا

ء فـي البلاد عمّا

 والعرف فيه منكر

والنكر فيه قد نما “.([57])

المناجاة للرّب:

 يقول الشيخ عبد الرحمن  الزيلعيّ”من الوافر” :” ([58])

  فيا مولاي أدركه بلطف      وعطف منك رحمان العباد

 إذا ما الصبا هبّت بنجد تزيّدت    شجوني وأشواقي إلى خير مَربع

 إذا عاينتكم زالت همومي         وإن غبتم دنا منّي الحمام

التذكير بالعاقبة الوخيمة:

ومنه قول مثل قوله{من البسيط}([59])

من يستمدّ نهجه من غير ملّتنا     يعش صريع تيّارات وأوحا

    الدعاء والتضرّع:

 ينادي الشيخ عبد الرحمن صوفي ربّه متضرِّعًا إليه مبتهلاً {من الهزج}

إلهي يا إلهي يا

إلهي اغفر لعبد الله

عبيد معتر عان

عمٍ عان لعفـو الله “.([60])

المناجاة :

 كما في قول الشيخ عبد الرحمن الزيلعيّ{من الوافر}([61])

فيا مولاي أدركه بلطف      وعطف منك رحمان العباد

ضرب الدفوف عند المدرسة:

   يقول شريف عيدروس: ” من العادات الحسنة التي لا تزال باقية حتى الآن في بعض المناطق الصومالية – عند بعض القبائل الصومالية المنحدرة من اليمن- إنشاد القصائد، وضرب الدفوف وخصوصاً في الموالد، والأفراح.

 وقد كان قديماً أهل كل حارة يقيمون أفراحهم لأنفسهم دون أن يشاركوا فيها أهالي الأحياء المجاورة لهم، ومن عاداتهم أن يجلس العلماء والشيوخ في الصفوف الأولى، ثم من هم أقل درجة  ثم الشباب، ثم فضاربوا الدفوف فالعريس ( إذاكانت حفلة زواج)، ويكون الشاعر في وسطهم، واذا اجتمع أكثر من شاعر أو خليفة في حفلة واحدة تكون السلطة لمن يستحقها علما أو جاهاً مع إنشاد قصائد في فلاتهم “.([62])

 قد أثار حكم ضرب الدفوف خلافاً بين الفقهاء قديماً وحديثاً في غير العرس وهل هو مباح مطلقاً أم حرام مطلقاً أم للمسألة لها استثناءات في بعض الأحوال والأوقات.

 فقد أفتي مفتي الشافعية الشيخ محمد بابصيل بجواز ضربها عندما سئل، ونظر المسألة من باب ما إذا كانت تحتوي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحث على التقوي والهدى، واشتملت على ذكر حسن شرعاً، واستدل فيما رواه أبوداود عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن المعراة قالت يارسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف قال صلى الله عـــليه وصلم، أوف بنذرك، فالمسالة كما كان لها طابع خلافي قديم بين علماء عالم الإسلام، كان لها طابع خلافيّ حديث بين العلماء الصوماليين، يقول  الشيخ عثمان حدج: ” أما ضرب الدفوف والرقص الذي يسمى في عرف أهل التصوف بالتمايل فهو محض اجتهاد، وليس لنا أن نبدع أي اجتهاد مهما كان مخالفا لما ألفناه أو نعتقده من المسائل الفقهية”([63])

              وينقل الشيخ عثمان عن ابن حجر الهيتمي إنكاره الشديد لضرب الدفوف في كتابه: “كف الرعاع  عن محرمات اللهو والسماع”  لكنّه يشير إلى وجود خلاف بين علماء مدرسة التصوف في الصومال، وأن منهم من أجاز ضربها عند قراءة السماع(الغناء الصُّوفي) وأنشد شعر الشيخ  عبدالرحمن بالصوفي([64])

     أجز بضرب الدفوف بساحة الشيخ الصوفي   *  على رغم الأنوف وقل يا شيخ صوفي([65])

       ويستفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الغني البراوي من أهل البراوي الذين اعتادوا ضرب الدفوف هذه المسألة فيقول في شعره في بحر الكامل : “( [66])

ما القول في ضرب الدفوف

فهل ترى بجوازه أم لا يجوز فيمنـع

إنّ البـراويّين قـد غالـوا بـها

وإذا نهوا عن ضربها لم يسمعوا

يتواجدون ويرقصـون بدفّهـم

ما دام شاعرهـم يغنّي ويسجع

وأجابه الشيخ القاضي محيي الدين ابن الشيخ بن عبد الشيخ القحطاني عنه،  ونظم له شعرا من بحر الكامل فقال : – {من الكامل  ( [67])

أمّا الدُفوف فللعروس ونحوه

من كلّ فرح جوّزوا وتوسّعوا

بل شيخنا البغويّ بحث سنّه

مسـتدللاً ما قاله المتشـفَّـع

في عرس مولانا الإمام المرتضي

بنـت الرسـول وقوله لا يُرجَـع

          مظاهر المدرسة :

   من المظاهر الموجودة عند بعض أتباع المدارس الصوفية سيما سكان الجنوب قراءة سورة الفاتحة عقب كل اجتماع أو ختم قرآن أو ختم درس دينيّ أو عند عقد نكاح أو فعل شيء حسن ومحبوب شرعاً وعادة، واهداء ثوابها إلى حضرة الرسول صلى الله عـــليه وصلم، وهي سمة توارث عليها جيل بعد جيل، وتسمع غالباً “الفاتحة ” إلى حضرة النبي صلى الله عـــليه وصلم، ولشيوخ الصوفية ولأولياء الله الصالحين ولمن سبق من الوالدين الأحياء منهم والأموات، ولتيسير الحاجات إلى غيرها من المهمات، فهي سمة أستطيع أن أقولها إنها منقولة من مدرسة التصوف الإسلامي بحضرموت؛ حيث تلاحظ هذه الخاصية موجودة في مدينة “تريم”وفي غيرها.

      “كما أنه يلاحظ  مظهر أكل  البُنّ، والسبب أن البن الذي يقصده هو حبوب البن الحية قبل أن تطحن وتتحوّل إلى قهوة البن، فحبوب البن في الصومال تُقلَى مع السَمْن، ويأكلها العلماء وأعيان المجتمع، وإذا ذكرت كلمة البن عند الصوماليين فهي تنصرف إلى حبوب البن لا إلى القهوة المعروفة، فمشروب القهوة يطلقون عليه اسم(القهوة)، وتناول الشيخ أُويس البراويّ وهو يحثّ أحد مريديه على أكل  البنّ للاستعانة به في السهر على الطاعات {من الطويل}”([68])

عليك بأكل البنّ في كلّ ساعة

ففي البنّ للأكّال خمس فوائد

نشـاط وتعظيم وتنجيز بلغم

وتطويل أنفاس وعـون لعابد  ([69])

 

الهوامش



[1] – للإستفسار يمكن الرجوع إلى أفضل  كتاب يتحدث عن هذا الموضوع وهو كتاب ”  أللآلي السنية في مشروعية مولد خير البرية” للشيخ عثمان حدج الذي يتحد باسهاب عن حكم المولد وهو من رموز المدرسة الإدريسية في الصومال.

[2] – الصواب تأسّست

[3]– شريف عيد روس، بغية الآمال في تاريخ الصومال، ص 204.

[4]–  المرجع السابق، ص  204 .209

[5] –    عامر النجار، الطرق الصوفية نشأتها ونظمها وروادها ص25

[6] –  المرجع السابق، ص 28

[7] –  المريد هو السالك الطريق الذي حسب إرشادات شيخه فيسلك طريقه كما يرسم له شيخه حتى يصل إلى غايته وهناك خطوات يمر بها المريد منها التوبة، وأخذ العهد منه، وتعليمه المريد كيفية الذكر، عامر النجار، الطرق الصوفية نشأتها ونظمها وروادها، ص 25 . الصواب شيوخنا بدل مشايخنا

[8]–  عثمان حدج، انيس الجلي في ترجمة سيدي أحمد بن إدريس، ص 88- 89 .

[9]– عبد الرحمن محمد النجار، رحلة دينية إلى إفريقيا، ص 128.

[10] –  المرجع السابق، ص 129 .

[11] –   عبد الحليم محمود، المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي،  ص140

[12]–  المرجع السابق،  ص220-  221

– [13] – ابوبكر محمد معلم حسن، نشر له مقال  تحت عنوان ” قراءة ابي عمرو في الصومال”،  في الرابط التالي http: www.somaliatoday.netport2021-38-00/2405–4.html

[14] – أبوبكر محمد معلم حسن، نشر له مقال تحت عنوان ” قراءة أبي عمرو في الصومال”،  في الرابط التالي http://www.somaliatoday.net/port/2021-38-00/2405–4.html

[15] – الصواب أن تكون كلما موصولة غير مفصولة.

[16] – المرجع السابق، /www.somaliatoday.net

[17] – مريم آية 8  

[18] – يحي عبد الرحيم حاج، نشر له مقال  في شبكة الصومال اليوم بالرابط التالي  تحت عنوان” لغتنا والقران الكريم ” والرابط هوhttp://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=3525&Itemid=26

[19] – الحشر آية  14

[20] –  الكهف آية 82

[21] –  الحشر آية  2

[22] –  البقرة آية 114

[23] –   المجادلة آية 11

[25] –  المؤمنون آية  20

[26] –  يحي عبد الرحيم حاج، نشر له مقال  في شبكة الصومال اليوم بالرابط التالي ” لغتنا والقران الكريم ” والرابط هو http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=3525&Itemid=26

[27] – عبد الوهاب سر الختم أحمد، التصوف في القران الكريم والسنة المطهرة، ص 78

[28] – ابراهيم آية 14

[29] –   عثمان حدج، النصائح المرسلة، ص 3 .

[30] –  عبد المنعم الخفي، معجم مصطلحات الصوفية، ص 12

[31]–  عثمان حدج، النصائح المرسلة  3  .

[32] – المرجع السابق، ص 10 .

[33] – المرجع السابق، ص 4

[34] –  عثمان حدج، التيجان المكللة في شرح النصائح المرسلة، ص 81

[35]–  النازعات آية 40

[36] –  عثمان حدج، التيجان المكللة في شرح النصائح المرسلة، ص 83

[37] المرجع السابق،، ص 81

[38] –  القشيري، رسالة القشيري، ص  328

[39]– عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة ، ص81.

([40])إلى وادي العقيق ازداد شوقي.

[41] – عبد الفتاح علي حاج، الاتجاه الديني في الشعر العربي الحديث في الصومال، ص 39

[42]– عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة، 2ص163.

[43] – عبد الفتاح علي حاج، الاتجاه الديني في الشعر العربي الحديث في الصومال، ص 133

[44]– عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة، ص72.

[45] – من مواليد 1907م في محافظة هيران الصوماليّة، من جماعة “راحُولَيْ” الصوفيّة، أدرك مخاطر التنصير مبكراً فقاوم حركته في المحافظة، وله ديوان مخطوط، توفّي 1991م.

[46]– نقلا عن مقال نشره دكتور عبد الرحيم حاجي يحيى في شبكة الصومال اليوم للإعلام تحت عنوان “الشعر العربيّ في الصومال: عبد القادر حاج عبد الله نموذجا”. وهو متاح على الموقع: http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=4551&Itemid=29

[47] – عبد الفتاح علي حاج، الاتجاد الديني في الشعر العربي الحديث في الصومال، ص 22

[48] – عبد الوهاب سر الحتم أحمد، التصوف في القران الكريم والسنة المطهرة، ص93

[49]– ممدوح الزوبي،  معجم الصوفيّة،، ص48.

[50]– المرجع السابق، ص427.

[51] –  عبد الوهاب سر الختم أحمد، التصوف في القران الكريم والسنة المطهرة، ص90

[52] –  المرجع السابق، ص 84

[53]– عبدالرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة 2/175.

[54] –  عبدالرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة،  ص 77 .

 ([55]عثمان حدج، النصائح المرسلة ، ص 6 .

[56] –  المرجع السابق 113.

[57]– محمّد طاهر أفرح، نظرات في الثقافة الصوماليّة،، ص42.

[58]– عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة ، ص5.

[59]– المرجع السابق، ص7.

[60]– عبد الرحمن صوفي، دليل العباد إلى سبيل الرشاد ، ص121.

[61]– عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة، ص5.

[62] –  شريف عيدروس، بغية الآمال في تاريخ الصومال ، ص، 51

[63] –  مقابلة مع عثمان حدج  في موقع إسلام أون لاين.نت .

([64] – شريف عيدروس، بغية الآمال في تاريخ الصومال، ص 45.

[65] –  مقابلة مع عثمان حدج، نشر في الموقع التالي  الصومال اليوم http://www.somaliatoday.net

[66] –  عبد الرحمن الزيلعي،  ديوان مجموعة مشتملة، ص /176.

[67] – المرجع السابق، ص،2 186.

[68]– عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة، ص 180.

[69] – عبد الفتاح علي حاج، الاتجاه الديني في الشعر العربي الحديث في الصومال، ص 76

%d مدونون معجبون بهذه: