خصائص مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال (2-4)

الشّعر الصّوفي

     لقد ظلّ الشعر الصّوفي أحد سمات مدرسة التصوّف الإسلاميّ في الصومال، وقد تركّز هذا الشعر على المدائح النبويّة، ومدائح العلماء، والوعظ، والعقيدة، والابتهالات، والتوسّلات والزهد، والحبّ النبويّ؛ والصلاة على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم-، والشوق والتلهف إلى الأماكن المقدّسة مثل الكعبة والقدس وضريح ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

        وحسب ما أكّد الباحث عبد الفتاح علي حاج “فإنّ الشعر العربيّ (الصوفي) الحديث في الصومال يعود نشأته إلى منتصف القرن التاسع عشر. وقد بنى الباحث رأيه هذا على العصر الذي عاشه أكبر شعراء العربيّة سنّا في الصومال، وهو الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الزيلعيّ (1815 ـ 1882م) وقد حفظه الناس عن طريق الإنشاد في المناسبات، وحلقات الذكر؛ الأمر الذي ضمن له البقاء في صدور المنشدين”([1])

           ومن خلال دراسة عبد الفتاح علي لموضوع الشعر الصوفي  للمدرسة نتناول في هذا البحث  أهمّ العناصر التي تدلّ مدي رقيّ الشعر الصوفي في الصومال، ومنها:

 المُعجم القرآني:

     للمعجم القرآنيّ نصيب الأسد في ألفاظ المعجم الشعريّ في شعر مدرسة التصوف، فنلاحظ إقبال الشعراء الجمَّ على ألفاظ القرآن الكريم. وفيما يأتي نستعرض نموذجاً يظهر فيها هذا المعجم.([2]) واستخدم عبد الرحمن صوفي مصدر (مُباهَلة) ([3]) وفعله الماضي (بَاْهَلَ)، فقال”من الكامل”

ومن المباهلة النصارى عجزوا

إذ جادلوه في ابن مريم إذ قضى

لو أنّهـم خرجوا له أو باهلوا

باءوا بلا نفْـس ومـال مُعْرَضاً “.([4])

   المعجم الفقهيّ:

    يقول عبد الفتاح على: ” من عوامل إثراء الشعر الدينيّ في الصومال المساجلات الشعريّة في الاستفتاء والإفتاء، وهذا أقرب إلى طريقة النقائض في الشعر العربيّ؛ إذْ إنّ هذه المساجلات التي تقوم بوظيفة الاستفتاء والإفتاء أخصبت فكرة المناظرات، وصبغت هذا الشعر بصبغة ذهنيّة وعقليّة. ومن مفردات المعجم الفقهيّ: الفتوى، والحلال، والحرام، والجائز”.([5])

    يقول الشيخ محيي الدين بن عبد البراويّ مستفتياً الشيخ محمّد بن عيسى البراويّ ([6])”من الكامل

ما قهوة عُملتْ بِبُنّ مُحْرَق

هل جاء في تحريمها ما يُتْبَع

والعاج قد عمّت به البلوى فما

تفتي فهـل في بيعه يُتوسّع

والسـلحفاة فهل تحلّ لأنّها

بَرّاً وبحراً ترتعـي وتمتـع”.([7])

         في هذه الأبيات الثلاثة استفتى الشاعر مخاطَبه في مسائل وقضايا فقهيّة كانت تؤرِّقه، واستخدم في ذلك ألفاظاً من المعجم الفقهيّ، مثل:(تحريم، تحلّ، تفتي).

     ويفتيه الشيخ محمّد بن عيسى البراويّ مستخدماً ألفاظ (الحرام،الخلاف،الإجماع، الحلال)، فيقول:”من الكامل

أمّا الزرافة والسلحفاة التي

بالبَرّ والبحر المموّج ترتـع

فهما حرامان اتّفاقاً يا فتى

وبلا خلاف قد حكوه وأجمعوا

لكن أطال الأذرعي في حلّها

وهمُ إلى ما قاله لم يسمعوا

والفيل حُرِّم والعظام تنجّست

بحياتـه وبموتـه يا أورع”.([8])

       وفي ذكر حُكْم القهوة يستخدم الشيخ محمّد بن عيسى البراويّ لفظ (مباح) فيقول مخاطبا القهوة”من الكامل:”

يا قهوة إنّي أرى لك عُذّلا

نفسي إلى أقوالهم لا ترجع

فهي المباح أُخَيَّ يرشدنا لها

(قل لا أجد) هو الدليل الألمع “.([9])

المعجم الصوفيّ:

 ” يكتظّ المعجم الشعريّ – في مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال-  بألفاظ من المعجم الصوفيّ تواضع على معانيها أهل الطريقة، فأصبحت تحمل مصطلحاً صوفيّاً خاصّاً، بالإضافة إلى ما تحمله من معانٍ لغويّة وإيحاءات شعريّة في التجربة الصوفيّة. وعلى هذا فالمعجم الصوفيّ يكوِّن “فصيلة دلاليّة مستقلّة من فصائل مصطلحات العلوم التي تمثّل هي الأخرى بتجمّعها وتعايشها في لغة الخطاب وبنيته بشكل صريح تارة، وبشكل ضمنيّ تارات أخرى، مصدرا إيجابيّا قائما بذاته”([10]). ولأجل هذا نرى الألفاظ الصوفيّة قد تكدّست في نصوص الشعراء الصوماليّين لتدلّ على الحالات الشعوريّة التي يكونون عليها”.( [11])

     وفي استخدام الشعراء الصوماليّين ألفاظ المعجم الصوفيّ نجد علاقة بين التجربة الصوفيّة والتجربة الشعريّة. فقد أحسّ( شعراء المدرسة ) في الصومال بمدى قوّة هذه الصلة التي تربطهم بالتجربة الصوفيّة، فعبّروا عن هذا الإحساس في شعرهم. ومن تلك الألفاظ التي تعجّ بها قصائدهم: (الفناء والبقاء، والأُنس والوحشة، والغيبة والحضور، والشوق والحبّ، والقرب والبعد، والوصل والقطع، والفيض، والكشف، والشهود، والسكون، والفقر).

      ولنستعرض نموذجاً يتضمّن نصوصه الشعريّ هذه الألفاظ يستخدم الشيخ أويس البراويّ في قصيدته “درّة الياقوت” مصطلحات صوفيّة، مثل: الفيض، والوصل، والمدد، وقد استخدم مع المصطلح الأوّل مرادفات له، وهي المودّة، والوجد، فيقول:”

وإنّــي بالمحبّــة

أَحِــنُّ كـلّ لحظــة

مـن جابر المــودّة

وقلبـــي فيـه أوجـد

مـن فيضكـم محبّتي

مـن وصلكــم محِلّتـي

مـن رحلكـم مطيّتي

وفيـــض الله  مـددي “.([12])

  المعجم المنحوت:

     من الظواهر البارزة في ألفاظ المعجم الشعريّ في خطابات الشعراء الصوماليّين ظاهرة استخدام الكلمات المنحوتة، مثل (مجدل، حمدل، سبحل، هلّل، حولق).

     ” والنحت في اللغة هو أن تأخذ الكلمة وتركّبها من كلمتين فأكثر؛ رغبة في الاختصار، أو حكاية للقول، مثل: بسمل (أي قال: ب(باسم الله) وحولق (أي قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله). وقد وردت هذه الظاهرة عند الشيخ عبد الرحمن صوفي خاصّة في قصائد التسبيحات والتحميدات.  يقول الشيخ عبد الرحمن صوفي ” من البسيط:”

 

الحمد لله ما حمدل حامده

وما مسبّحه سبحل محترماً

الحمد لله كلّما المحولق حو

لق انخلاعاً من الأغيار منصرما

الحمد لله كلّما المهلِّل هلْـ

ـلَلَ اشتياقاً إليه واستطاب فَماً”. ([13])

 وقوله: (سبحل) اختصار ونحت لعبارات (قال سبحان الله). ومنه أيضاً قوله{من الخفيف}([14])

حسبنا الله من إذا عبده حسـ    ـبل يكفيه فاستطاب مقيلاً

     ومثله يستخدم الشيخ عبد الرحمن العليّ المعجم المنحوت في ذكر سيرة الحبيب محمّد – صلّى الله عليه وسلم- فيقول: من المتقارب”.

بدايـة وحـي برؤيا أتت

إليه بصدق كصبح جلا

لتمرين جسم ضعيف على

صريح القراءة مستعجلا

وحُبِّب طاعـة مولاه في

حراء إليـه بِسِرّ الخـلا

وكـم مـن ليال تعبّد في

خلاوته كـم وكـم هلّلا “.([15])

 الزّوَايَا :

     ” الزوايا الموضع (وينطقه الصوماليون “مَوْلَع”([16]) وهو “الزاوية” ويقصدونه بدلاً من المساجد في بعض الأحيان، إلا ان الغالبية التى ترتاده تجنح إلى الصوفية، وهي طريقة اعتادت الطريقة عليها سابقاً، حيث يجتمع فيها “الحِرْ” والمريدات (النساء)، ويقام في الموضع بعض من طقوسها الدينية، كما يتم توزيع بعض الوجبات الخفيفة وبعض الأطعمة المحلية، و يكون هذا الأمر من معالم الحياة الدينية بالنسبة لهم.

وتقيم الصوفية في الموضع أحيانأً ما يعرف عند الصوماليين ” السُبَعْ ” اي أن يتم قراءة القرأن بشكل مغاير، حيث يتناوله عدد من حفاظ القرآن عن ظهر قلب، وكل فرد يقرأ اية أو أكثر منها بحسب الاتفاق ـ وبهذا يختتم جزء من القرآن أو أكثر بحسب المعهود، كما أنها يقرأ لأنصارها كتباً دينية مخصوصة للطريقة، وليست من تلك التى تتقاسمها مع الحركات الاسلامية الأخرى، كما يشاع ويتكون الموضع بشكله الهيكلي عدد كثيفاً من جذوع الأشجار التى أدخلت بعضها البعض ( [17]) و يتم تركيبها بشكل غير قابل للهدم في المستقبل القريب، وبعد فترة من الزمن يتم هدمه وإعادة بنائه من جديد. ويقيم في الموضع أحياناً نفر قليل من المريدين “.([18])

الطُقُوْسْ الصُوْفية

     ” تعقد في المساجد وخاصة تلك التي تملكها “رواد المدارس” في بعض الأحيان طقوسها، ومراسمها واحتفالاتها الدينية والتي توارثوها جيلاً بعد جيل وكابرا عن كابر؛ حيث تجتمع في زاوية من وايا المساجد؛ لتعلو أصواتهم وتملأ دعواتهم المسجد، أما ما حدث اليوم فأصبحت مساجد الله تشتكي، دامعة العينين، فلا طقوس ولا احتفالات دينية، حيث أغلقت معظمها بسبب الظروف الأمنية التي حالت دون ذلك، وجعلت مساجد الله مهجورة، لدرجة أن القذائف ومدافع الهاون باتت تحيلها إلى أطلال أو تسويها بالأرض. وأصبحت كبرى المساجد التي كانت مقصداً للعلم الشرعي تتهاوى. وهذا مما قلل من تأثير المسجد على المجتمع الصومالي، إذ أن غالبية المدرسين والأساتذة البارعين في العلوم الشرعية فروا بأنفسهم من هذا المنزلق الخطير الذي تداعت عليه أكلة اللحوم البشرية، ولم يبق فيه إلا صابر محتسب أو من اضطرته الظروف وما تقتضيها من أمور“.( [19])

الهوامش


[1] – عبد الفتاح علي حاج، الإتجاه الديني في الشعر العربي الحديث في الصومال، ص 2

[2]– المرجع السابق، ص 17

[3] –  المباهلة: اجتماع القوم ليدعوَ بعضهم على بعض مستنزلين لعنة الله على الظالم منهم. مصطفي وآخرون، مجمع اللغة العربية،ص 74

[4]—  الشيخ عبد الرحمن صوفي، دليل العباد  الى سبيل الرشاد، ص88- 89

[5] – عبد الفتاح علي حاج، الإتجاه الديني في الشعر العربي الحديث في الصومال، ص 21

[6] –  كلاهما من الشعراء البراويّين ومع الأسف لم اجد ترجمتهما من المصادر المتوفرة بين يدي

[7]– الشيخ عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة،  ص 174.

[8]– المرجع السابق، ص176.

[9]– المرجع السابق، ص 179

[10]– المهابة محفوظ ميارة، الخطاب الشعريّ والبنيات التراثيّة: ص147

[11] -عبد الفتاح علي حاج، الإتجاه الديني في الشعر العربي الحديث في الصومال، ص 22

[12]– علي مؤمن، تذكرة أهل اليقين، ص144.

[13]– عبد الرحمن صوفي،  دليل العباد الى سبيل الرشاد، ص6.

[14]– المرجع السابق، ص10.

[15]– عبد الرحمن الزيلعي ديوان مجموعة مشتملة، ص37.

[16] – وهو مكان يبنى خصيصاً للدراسة في البادية والمدينة، ويعتبر المكان الثالث عند الصوماليين قبله المسجد والخلاوى

[17] –  الصواب تداخلت بعضها في بعض.

[18] – مقال نشره الباحث ” شافعي محمد”  في الرابط التالي بعنوان ” دور العبادة في الصومال قديما وحديثا وأثرها على المجتمع،” http: alshahid.net/columnists/44195

[19] –  مقال نشره الباحث ” شافعي محمد”  في الرابط التالي بعنوان ”  وهو موجود في الرابط التالي،” http://alshahid.net/columnists/44195

تعليق واحد

  1. الاخ حسن معلم محمود سمتر نشكره على الجرءة في الكتابة حول هذه المدرسة التي شابها كثيرٌ من الشوائب التي تحتاج إلى تصحيح وقراءة موضوعية تاريخية تتجرد عن كل الذات والتي يكون همها فقط الحقيقة وإن كانت مُرّةَ , من هذه الحقائق مثلاً : هل قامت هذه المدرسة بدور دعوي إسلامي خالص أم دعوتها كانت إلى غير ذلك وإن ظنها أصحابها أنهم يحسنون صنعاً وأنها دعوة في صميمم الدعوة الاسلامية ؟ لاشك هناك كمية من الناس لايستهان بهم يعتقدون إعتقاداً جازماً أنّ الاسلام إنتشر في إفريقيا عن طريق المدرسة الصوفية إلّا أنّ الحقيقة التي تُثبت المصادرُ التاريخية عكس ذلك تماماً,فمثلا صاحب كتاب — الإسلام في إفريقيا عبر التاريخ – بعد أن ذكر الدور الاول الذي قامته التُجار المسلمون في نشر الإسلام في إفريقيا يقول رحمه الله:(صنْفٌ أخر من الدعاة وهم المتصوفة, وقد قام هؤلاء بالعمل باسم الإسلام في أفريقيا شرقا وغربا وشمالا, أقول يمكن أن نوجز عمل مشايخ الصوفية فنقول، إنهم دعوا إلى كل شيء غير الإسلام بالمفهوم الصحيح ,
    أما الإسلام النزيه الذي جاء به رسول الإسلام وسيد الأنام صلى الله عليه وسلم فلا صلة لدعوتهم به ولعلي لا أشق عليكم أو لا أحرج أحدا لو استطردت حديثا غير طويل لنعرف شيئا عن دعوة المتصوفة لأن المشاع على ألسنة بعض الناس أن لمشايخ الصوفية دورا بارزا وهاما في ميدان الدعوة إلى الإسلام. ويزعمون أن الإسلام دخل بعض المناطق في أفريقيا وغيرها على أيديهم.
    التحقيق :الواقع أن لمشايخ الصوفية أعمالا ومجهودا ملموسا في القارة وأنهم دعوا الناس إلى شيء إلا أن ذلك الشيء غير الإسلام في حقيقته وجوهره وهم يعلمون في الغالب الكثير هذه الحقيقة من أنفسهم وإن كان يوجد فيهم من يجهلون هذه الحقيقة ويحسبون أنهم يحسنون صنعا.)
    المدرسة الصوفية تاريخها ليس مضيئاً وهم معروفون بمقاومة المجاهدين المخلصين – لا أقصدالشباب ومن نحى نحوهم – لذلك أخي حسن البصري لعلنا نحتاج أكثر إلى قراءة تاريخية لهذه المدرسة , وإعطاء كل إنجازات علماءالصومال سابقاً لهذه المدرسة برأيي ليس عدلا ولاإنصافاً بل وجَعْلُ علماء الشعب الصومالي صوفيّاً ليس صواباً .
    لذا أرجوالتمحيص والتدقيق في المعلومات فضلاً عن أنّ هذه المعلومات ربَّما تدخل في اللتاريخ .

%d مدونون معجبون بهذه: