مراكز مدرسة التصوف الإسلاميّ في الصومال (3-4)

المركز الديني  بمدينة مَرْكا

   موقع المدينة:

    مدينة “مركا”  من المراكز العلمية الهامة في سواحل جنوب الصومال، وثاني مدينة من حيث السكان، حيث تكون مدينة مقديشو الأولى، ولمركه ساحل جميل يجذب الأنظار، وتقع فى موقع ممتاز، كما أن لها الميناء الوحيد للصادرات – في منطقة شَبَيْلي السُفلى- الزراعية، وخاصة الموز، وهي من المدن العلمية المشهورة في الصومال، وتقع ” مركه” في جنوب مقديشو وشمال براوه على الطريق البحرى بين الساحل الشرقي لإفريقيا وبلاد العرب، وتعتبر من أهمّ مراكز الإشعاع الإسلامي في الصومال، ولعبت مركه دوراً بارزاً في نشر العلوم الإسلامية بين أوساط الشعب الصومال، وقد كان لهذه المدينة العريقة علماء أجلاء اشتهروا بخدمة الدين الإسلامي.

تأسيس المدينة  

    “هناك خلاف حول وقت تأسيس مدينة “مَرْكَه” فبعض الروايات التاريخية تذكر أن هذه المدينة بنيت في أيام  الخلافة الأموية، وخاصة فى عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، عندما هاجرت إلى بلاد الصومال جماعات عربية، منهم ( الإخوة السبعة)، ومن المعروف أن جماعة الإخوة السبعة نزلوا فى أماكن عديدة من سواحل بنادر، فقد هاجرت هذه الجماعة العربية في مَشَارِف القرن العاشر حوالي عام (301هـ 913م) من (الأحساء) عاصمة دولة القرامطة”.([1])

    ويذكر ياقوت الحموى ” أن مدينة مركه كانت لمدينة لبربر السودان”  ([2]) أما أبو الفداء فإنه يوضّح أن أهل “مركه ” مسلمون، وهذا يدل على أن سكان مركه في العصور الوسطى كانت أغلبيتهم من الصوماليين، وكانوا جميعاً مسلمين، وهذا ما يؤيد ما لهذه المدينة من أهمية دينية، وكونها مركزاً علمياً من المراكز الدينية في سواحل جنوب الصومال”. ( [3])، وسنتناول لاحقاً  في فصل تراجم  بعض رواد المدرسة تراجم أشهر علماء هذا المركز المرموقين.

  المركز الدينيّ بمدينة بَرَاوْي

 

       موقع المدينة:

      مدينة براوة مدينة حضارية لها تاريخ طويل وعريق، وتقع على بعد ٢٠٠ كم جنوب العاصمة مقديشو، وتطلّ على ساحل المحيط الهندي، واشتهرت مدينة براوة بالثروات الهائلة بما فيها الثروات البحرية، ومدينة براوة مشهورة أيضاً بالمنسوجات، ولأهل براوة تقاليد وعادات طيبة أثناء شهر الله المبارك؛ حيث يرحّبون بالزّوار الذين يقضون فترة رمضان في  مدينتهم؛ ليشاركوا مع أهل براوة الإفطار الجماعي المعروف عند أهل براوي باسم ” إفطار سَمَالي”.( [4])

    تاريخ المدينة:

    “وصلت  جماعات مهاجرة من الحمرانيين على سفن إلى براوه، من عائلة “كران” و”وال” وسكنوا مع “التُنِّ“([5] )في سلام ومحبة، كا جاءت جماعة من قبيلة حاتم الطائي المشهور بالكرم والجود في البلاد العربية، وكان ذلك في عام 900 هجرية، وقامت بالعمارة في براوه، وأسست مساجد للعبادة، وبدأ العمل في نشر الدعوة، ففي ساحل الصومال يأتي إليها طلاب العلم من البوادي والأماكن النائية لشهرة علمائها، وتفقههم في الدين. وقد حملت مساجدها أسماء الخلفاء. عمر وعلي وعثمان، وانتشر بها معلمو (المدرسة الصوفية)، ومنها فرعا مدرسة لقادرية ( الإدريسية والزيلعية) وفرعا مدرسة لأحمدية (الرحمانية، والرشيدية)، وكذلك المدرسة الرفاعية.

 ومن ثم اعتبرت براوه كعبة المعرفة والهداية، بالإضافة إلى روعة الفن العربي في زخرفة البناء والنقوش والكتابة العربية، وأصبح بها أكثر من خمسة وعشرين مسجداً عدا الزوايا فعددها كثير” .([6])

سبب تسميتها ببراوي:

  وأما سبب تسميتها ببراوة بعد أن كانت تسمي  بـ (مبلز)  فهي :-

” أن مؤسسها كان يسمى علي بن أحمد البراوي لذلك أطلقوا عليها باسمه “براوة بن علي”  أي فناء  “شيخ علي” الواسع، وقيل إن ملك ” الجَالي” كان يسمى “بروان” أثناء احتلالهم لها، ولذلك كان يسمونها أرض بروان، ومن هذه تغير الاسم من بروان إلى براوة، ورغم هذه التسمية إلا أن الأهالي لا يزالون يسمونها ببراوة بن علي”([7])

مساجد براوي :-

1) مسجد الجامع  الذي يسمى  مسجد “سيدنا عمر” بناه النائب حسن عثمان الدعفرادي.

2) ومسجد “سيدنا عثمان” بناه النائب حاج أويس الكبير الدعفرادي

3) ومسجد ” أهل الكساء ” بناه الشيخ فقيه الدَعْفَرادي

4) ومسجد “بلاد الرحمة” الذي يسمى “بمسجد الشيخ نورين” بناه الشيخ حاج عِداو(بكسر العين ) الدَحْتَرِي

5) ومسجد بغداد بناه الشيخ أويس بن محمد القادري، وكلها مؤرخة بالتواريخ العربية مع الآيات القرآنية وأسماؤها معروفة.

6) ومسجد “الشيخ محمد البَهْلُول” الذي بنيَ بعد دخول الاستعمار الإيطالي في الصومال.

7) ومسجد آخر بناه الشاب الولي شيخ جيلاني ين نوري، وكلاهما في حارة بغداد ببراوة” ( [8])

    “وأول من نزل هذه المدينة من قديم الزمان رجل يقال له الشيخ علي بن محمد البراوي سنة 1900م، وكان معه خدم  كثيرون فصار بهم ( [9])على طول الساحل على الشريط الساحلي الضيق من ساحل براوة ، وكانت براوة أرضاً كثيرة الغابات والأشجار ومسكن السِّباع؛ بحيث لا يوجد عشرون ذراعاً خالياً عن الأشجار في الطرف الساحل، وأما طرف الشاطئ فقد كان يسكنها قبائل مع مواشيهم الأبقار، في عام 1499م نزل البرتغاليون في براوة لأول مرة، ولم يصيبوا بأي  ضرر في ذلك الحين( [10]) ثم عادوا سنة 1506م بجيش قوي بزعامة ” فاسكوديجاما”  محاولين السيطرة  عليها، ولكنّهم فشلوا في بداية الأمر فظلّ زحفهم حتى استولوا عليها في سنة1507م”([11])

المركز الديني بمدينة بارْطَيْرَي

              مدينة بارطيري من المدن الحضارية التى لها تاريخ طويل، ونؤكد أن “جماعة بارطيري” هي الأطول عمراً من بين الجماعات الدينية في الصومال، وكانت مدينة بارطيري تحت قيادة قبيلة “دِغِلْ ومِرِفْلَي”([12]) إحدى القبائل الصومالية الكبرى، وبفضل هذه الجماعة تمكن لكثير من الطلاب العلم الصوماليين وغيرهم تلقى فنون الشريعة الإسلامية من فحول المدينة.

 تأسيس جماعة “بَارْطَيْرَيْ:

     ” تأسست في المدينة جماعة تسمي “جماعة بارطيري” وذلك  عام 1776م بهدف تعلم الشريعة، وكان طلاب العلم  يأتون المدينة  من كل ناحية، وكان من تاريخ مدينة بارطيري الصومالية أن نور المدينة المقتبس من مشعل العلم الشرعيّ انطفأ عام 1831م بسبب فقدان شيوخ مؤهلين تتولى التدريس في حلقات العلم للطلبة، لكنْ لحسن الحظ لمحت في الأفق مرة ثانية فكرة إعادة تأسيس رباط بارطيري، وذلك عام 1851م لوقف نزوح الطلاب من المدينة؛ حيث وفّروا في الرباط علماء أتقياء أكفاء يتولّون التدريس لجماعة بارطير. وكان فيها علماء بارزون في نشر الدعوة الإسلامية.

ومؤسسو “جماعة بارطيري” في فترة 1776م  هم كالتالي: –

1) الشيخ إبراهيم حسن يَبَرَو 1776م ( [13])

2) الشيخ علي طهري 1805م –

3) الشيخ أبوكر آدن طُري 1828م

4) الشيخ عبد الرحمن ابيل 1835م

وممن قام بتأسيس رباط بارطيري للفترة التالية  ـ

1)  الشيخ محمد آدن خَيْرَوي  1878م

2)  الشيخ عبد الرحمن محمد آدَن 1880م

3)  الشيخ عبديو عثمان 1904م

4)  الشيخ إبراهيم محمد آدن 1908م

5)  الشيخ علي مالنغ مُوْدَي 1940م

6)  الشيخ محمد يوسف 1950م

7)  حاج عبد العزيز شيخ علي مَالِنغ 1987م

8)  الشيخ هرو مؤلن اِلْيَو 1992م

والشيخ مرسل مالن اِلْيَو  1992م آخر هؤلاء الشيوخ الذي قتل وسط جماعته على يد مقاتلي ميلشيات كل من “جنرال عَيْديد” وسياد بري؛ وذلك عام 1992م ديسمبر في الساعة 21:20، وذلك قبل مجيء القوات الأممية إلى الصومال. ونتيجة لهذا القتل العنيف البشع لأحد أنوار مدينة بارطيري هاجر طلاب  العلم من المدينة، مع أن الشيخ هرو مالنغ إمد ” نصّب خليفة  للرباط خلفاً لشيخ مرسل، لكنّ الفرص لم تتح للشيخ أن يعيد تشكيل هيكل جماعة بارطيري من جديد؛  حيث سحقت الفوضى المدينة وانطفأ نور العلم” ( [14])

الهوامش


[1] الإخوة السبعة هم من قبيلة (الحارث) العربية، جاءوا في ثلاث سفن محمَّلة بالرجال وعتاد الحرب، فيبدو أن جماعة منهم نزلت مدينة مركه، وشيدوا فيها مساجد  كثيرة محمد بن أبي بكر الشلبي، المشروع الروي في مناقب السادة الكرام آل باعلوي، ص 375

[2] يبدو أنه يقصد الصومال

[3] محمود محمد فيدو  مكانة سواحل الصومال التاريخية، ص37

[4] –  نسبة إلى الأب الكبير  للصوماليين الذي تنتسب إليه جميع القبائل الصومالية

[5] –  التُنّ : اسم  قبيلة  من القبائل الصومالية  تسكن بين نهري شبيلي وجوبا الصومالية

[6] – حمدي سيد سالم ، الصومال قديماً وحديثاً ، ص185

[7] – محمود محمد فيدو، مكانة سواحل الصومال التاريخية،  ، ص38

[8] –  المرجع السابق ص 65.

[9] –  الصواب فسار بهم

[10] – محمد عبد الفتاح الهندي، تاريخ الصومال، ص 34

[11] – محمود محمد فيدو، مكانة سواحل الصومال التاريخية،  ص37

[12]–  قبائل “دغل” و”مرفله” من أهم قبائل الصومال ويسكن أكثرهم ما بين نهرشبيلي وجوبا، وقبيلة “مرفله ” وإن كانت أكثر عددا من قبيلة ” دغل” فهي فرع منها، وقد انتسب اليها من ليس منها ، ويسمي “رحوين” . شريف عيدروس، بغية الآمال في تاريخ الصومال، ص 282

[13] – أحمد  عبد الله ريراش، كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالكهم السبعة،  ص 178.

[14] –  نشر هذا المقال لمحرر الموقع  والرابط التالي هو http://so.wikipedia.org/wiki/Baardheere

%d مدونون معجبون بهذه: