مراكز مدرسة التصوف الإسلاميّ في الصومال(2-4)

المركز الديني بمدينة زَيْلَعْ:

موقع المدينة: تقع في الصومال الحالي وعلى خليج “بربرا”([1]) في المحيط الهندي، ولم يذكر بالتحديد متى أنشأت، ولكن إمارة زيلع أشهر الإمارات الإسلامية في منطقة القرن الأفريقي، كما هو معروف تاريخياً، ولعل المؤلفين اكتفوا بهذه الشهرة؛ ولكنّ الإمام المقريزي المؤرخ المعروف يصف هذه المنطقة وطبيعتها التضاريسية وطبيعة السكان والمشاهد الإسلامية فيها، والمذهب الفقهي الذي يتمذهب به أهل زيلع “.([2])ومنها عبر الإسلام من جزيرة العرب إلى شرق أفريقيا، ومنها خرج كثير من العلماء من المحدثين والفقهاء، ومنها خرج كثير من القادة المسلمين أمراء ايفاد وعدل، وبقية إمارات الطراز الإسلامى، ومنها انطلق الإمام  أحمد ابن إبراهيم الغازى فى فتوحه الشهيرة للحبشة، قال عنها ابن سعيد المغربى” بلاد الزيلغ، وأهلها مسلمون يكثرون الحج والتردد إلى ساحل عدن وزبيد، وهي محل حطّ وإقلاع، ومنها يتوزع رقيق الحبشة على بلاد الإسلام الساحلي”.([3])

      مما لاشك فيه أن مدينة زيلع كانت حاضنة لبعض المهاجرين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا  متوجهين إلى أرض الحبشة قادمين من ضغوطات مشركي مكة، كما كانت حاضنة لمشاهير دعاة الإسلام منهم الإمام أبو بكر عبد الله العيد روس اليمنيّ  العدني( 851- 914) ويتناول أبوبكر العدني ترجمته فيقول:”زار-الإمام العيدروس-  زيلع عام 888هـ([4]) في أيام حكم ” محمد بن عتيق ” وله تعلق كبير بالإمام أبي بكر العيد روس، حين  ارتبط واتصل به قبل وصوله، ويذكر أن الإمام أبي بكر العيدروس انتقل إلى عدن واستوطن في ذلك العام، ويذكر بأنّ أم الإمام أبا بكر العيد روس”عائشة بنت شيخ عمر المحضار”توفيت في زيلع “.( [5])

“كانت زيلع بوابة للإسلام لشرق إفريقيا وشعلة مضيئة أضاءت بنور العلم للأمم الإفريقية في شرق القارة وحاضرة دول الطراز الإسلامي، يقال أنه يوجد في زيلع آثار أول مسجد بني في القارة الإفريقية، وهو ذو قبلتين إحداهما متجهة إلى القدس الشريف والأخرى باتجاه مكة المكرمة، مر على هذه المدينة الكثير من العلماء، وكذلك أجداد بعض القبائل الصومالية “.([6])

  روّاد المركز:- للمركز رواد كثيرون منهم  الإمام: سعد الدين الزيلعي ([7])، والإمام: جمال الدين الزيلعي ([8])وهما من أعظم رواد مملكة “أودل”([9] وكانت مدينة زيلع عاصمتها الرئيسية لعدة قرون ([10])، وسنتناول لاحقاً  في فصل تراجم  بعض رواد المدرسة تراجم أشهر علماء هذا المركز المرموقين.

الشيخ فخر الدين الزيلعي :

  “هو من مواليد القرن الثامن الهجري، ولا يعلم بالتحديد تاريخ ولادته، وتربى وتلقى معظم علوم الشريعة في الصومال، وينتسب إلى مدينة الزيلع؛ لكنّه لجأ إلى جمهورية مصر عام 838هـ الموافق 1337م ـ بعد أن تلقى صعوبات وضغوطات من قبل المملكة الحبشية، وجلس بها للتدريس والإفتاء على مذهب أبي حنيفة، درّس ونشر الفقه، وانتفع به الناس، وتوفي فيها ودفن بالقرافة. وأشهر كتبه «تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق » وهو شرح على كنز الدقائق للإمام عبد الله بن أحمد بن محمود أبو البركات حافظ الدين النسفي في ست مجلدات “. ([11])

وجمال الدين محمد بن منير الزيلعي: كان أحد الفقهاء والمحدثين البارزين في زيلع، توفي  في اليمن سنة 749هـ

الشيخ حسن الجَبَرْتِيّ :

      “كان متفنناً في العلوم الشرعية والرياضية والخط، تعلم الخط فأجاد والنقش على فصوص الخاتم فاحكمه، وتعلم اللغة التركية والفارسية، ثم اشتغل بالعلوم الرياضية فأتقن منها الفلك والحساب والجغرافيا والمساحة، وأخذ معارف الصوفية علي الشيخ عبد الخالق بن وفاء، وسلك طريقة النقشبندية، وحفظ القرآن في العاشرة، وتلقى الشيخ حسن الجبرتي العلم عن كبار شيوخه في عصره، وكان والد الجبرتي يدرس في الأزهر علوم الحكمة والهيئة والهندسة، وهو آخر من درسها، وله  مؤلفات منها كتاب ” بلوغ الآمال في كيفية الاستقبال “.([12])

المركز الديني بمدينة مقديشو

    حظيت علوم الدين([13])بنصيب أوفر من العناية والخدمة في الصومال، وقد عنى أهلها بكتاب الله حفظاً وتجويداً وتفسيراً، فقد كان حَظُهم من هذه العلوم كبيراً، كما كان نصيب اللغة العربية جزيلاً ووافراً، وازدهرت العربية وعلومها على أيديهم، وتركت أثرها القويَّ في الساحل الصومالي، ومن هذه المدن مدينة مقديشو .      

موقع المدينة :

        ” مقديشو هي عاصمة الصومال وتقع على الساحل الغربي للمحيط الهندي. ( [14])

    المكان العلمية:

     يقول محمود محمد فيدو” تعتبر مدينة مقديشو من أهمّ المراكز العلميّة في شرق إفريقيا، وكانت منارة علمية رائعة من المنارات العلمية في الصومال، وقد تخرج من  زواياها جمع كثير من الطلاب، وتُعدّ من أقدم المدن التاريخية في العالم “.( [15])

زيارة ابن بطوطة بمقديشو:

 

          وصف الرحّالة العربي ابن بطوطة الذي زار مقدشو عام1331م نُظم الحكم والمجتمع والعادات والتقاليد لسُكان المدينة، واحتفاءهم بالفقهاء والزوار وأهل العلم؛ حيث قال في رحلته المعروفة “تحفة النظار”- : “وصلنا مقدشو وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان القاف وفتح الدال المهمل والشين المعجم وإسكان الواو، وهي مدينة متناهية في الكبر” ويواصل حديثه عن الاستقبال والحفاوة التى لقيها: “أنه لما صعد الشبان المركب الذي كنت فيه جاء إلى بعضهم، فقال له أصحابي: هذا ليس بتاجر وإنما هو فقيه؛ فصاح بأصحابه، وقال لهم: نزيل القاضي! وقالوا لى: إن العادة هي أن الفقيه أو الشريف أو الرجل الصالح لا ينزل حتى يرى السلطان، فذهبت معه إليه كما طلبوا. ثم يسرد ابن بطوطة ما حدث في حديث مطول عن كرم الضيافة الذي كانوا فيه عند أهالي مقدشو لمدة ثلاثة أيام، فيقول”لما كان اليوم الرابع جاءني القاضي والطلبة وأحد وزراء الشيخ (السلطان) وأتوني بكسوة، وكسوتهم فوطة خِزّ يشدها الإنسان في وسطه وذراعه من المقطع المصري مغلقة وفرجية مبطنة وعمامة مصرية، كما أتوا لأصحابي بكساء، ثم أتينا الجامع، فسلمت على السلطان، ثم قال باللسان العربي: قدمت خير مقدم، وشرفت بلادنا” .( [16])

الدول والسلطنات التى حكمت مقديشو:

       تتابع على حكم مقديشو عدد كثير من الدول والسلطنات، أسس بعضها المهاجرون العرب والفارسيون، وبعض آخر كان تابعاً للخلافة الإسلامية، كما كان بعض هذه الدول تابعا لسلطنات قبلية صومالية إضافة إلى الاحتلال البرتغالي والإيطالي، قبل أن تتمتع بإدارة محلية صومالية بعد وضع الصومال تحت الوصاية الدولية في الفترة ما بين 1950-1960م؛ حيث أصبحت عاصمة الصومال منذ الاستقلال في يونيو عام 1960م.ومن أهم هذه الدول والسلطنات:

1. دولة حِمْيَرقد حكم مقديشو قوم التباعية قبل الإسلام بثمانية قرون، وكان السلطان يكنّى بأبي كرب واسمه أسعد الحميري، وهو أحد ملوك الدولة الحِمَيرية في اليمن في القرن الرابع الميلادي. وقد حكمت هذه الدولة إلى جانب مقديشو مدن الساحل الشرقي لإفريقيا مثل “مركة” و”بروة” و”ممباسا”.( [17])

2.  الدولة الشيرازية:  تولت الحكم على مقديشو في أواخر القرن الخامس الهجري.

3.  دولة حلوان:  في أوائل القرن السادس الهجري، وحكمها حاكم من حكام حلوان من طرف “محمد شاه” المنسوب إلى ولاية حلوان في العراق.

4.  دولة زوزان: في منتصف القرن الخامس الهجري تولى سلطنة مقديشو، وكان حاكماً جباراً على رعيته

5. البرتغاليون: كان حكم البرتغاليين بواسطة الأمير “سالم الصارمي” قادماً من قبل عمان”

6.  دولة المظفركانت في أوائل القرن السادس عشر الميلادي.

7. – إيطاليا كانت بعد انتهاء دولة “رَغَشْ” دخلت الإيطالية في الصومال بواسطة دولة برغش وبرضا الأهالي وكان ذلك عام 1892م ( [18])

رواد المركز:     

    يقول الزبيدي، السيد محمود: ” ومن العلماء المقدشيين الذين لمعت أسماؤهم في الساحات العلمية والمعرفية أبو علي الحسن بن عيسى بن مفلح العامريّ المقدشي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد، شمس الدين المقدشي، و الشيخ عليّ بن محمد بن نور الدين بن عيسى المقدشي، الأول كان ممن حدّث عنه الحافظ الذهبي، والثاني حدّث عنه الحافظ بن حجر العسقلاني( [19]) ومنهم الفقيه عليّ بن محمد بن نور الدين بن عيسى المقدشي اشتهر في اليمن وفاق على أقرانه، ووضع حاشية على المنهاج للإمام النووي وسماها:( الأنيق على مسائل المنهاج الدقيق) وقد توفي عام 857ه”.([20])،وسنتناول لاحقاً  في فصل تراجم  بعض رواد المدرسة تراجم أشهر علماء هذا المركز المرموقين.

 

 الهوامش


[1] – بربرة Berbera مدينة صومالية ساحلية مهمة، والميناء الثاني في الصومال تقع على الساحل الشمالي بمحاذاة خليج عدن على بعد 240 كم جنوب عدن

 [2] –   المقريزي،  الإلمام بمن في أرض الحبشة من ملوك الإسلام، ص49-51

[3] – الجغرافيا لابن سعيد المغربى،ج1ص12

[4] – رحلته الأولى كانت عن طريق البر، وأشار عبد اللطيف باوزير في مقدمة ديوانه،  كما نقلها أبو بكر العدني بن علي المشهور، في كتابه ”  سلسلة أعلام حضرموت “

 ص 26-27

[5] –  أبو بكر العدني بن علي المشهور، سلسلة أعلام حضرموت، ص 26-27

[6] – المقال للباحث عواله سعيد وهو موجود بالرابط التالي
http://somalilandtoday.org/2010/10/10/555

[7] – هو سعد الدين أبو البركات محمد بن صبر الدين. وقد استشهد في زيلع عام 805هـ-1403م بعد حكم دام ثلاثين سنة، وكان تقياً ورعاً مجاهداً.

[8]– هو: جمال الدين، محمد بن سعد الدين، وقد استشهد في هذه المدينة سنة 835هـ-1432م بعد حكم دام سبع سنين. وكان خير ملوك زمانه ديناً ومعرفة وشجاعة وجهاداً وعدلاً.

[9]–  هي إحدى الممالك الصومالية التي قامت في القرن الإفريقي ما بين متصف القرن السابع إلى منتصف القرن العاشر الهجري.

[10] –  محققوا كتاب، فتح اللطيف شرح حديقة التصريف، عبد الرحمن الزيلعي، ص 12

[11] – المرجع السابق، ص 79-82

[12] – المرجع السابق، ص79- 82

[13] – الفقه والحديث والتفسير والتوحيد والشريعة والتصوف

[14]أو جامع عمر عيسى ، مقديشو ماضيها وحاضرها  ، ص14

[15]محمود محمد فيدو : مكانة سواحل الصومال التاريخية  ،ص 30

[17] – شريف عيدروس، بغية الآمال في تاريخ الصومال، ص 36

[18] –  المرجع السابق،  ص، 83- 105

[19] – الزبيدي، السيد محمود الحسيني: تحفة العروس في شرح القاموس المحيط، 17-391، مادة  م ق د ش .

 أحمد عبد الله ريراش، كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالكهم السبعة، ص 77 – 78 – [20]

%d مدونون معجبون بهذه: