مراكز مدرسة التصوف الإسلاميّ في الصومال(1-4)

       هناك مدن صومالية تنورت لكثرة وتراكم المهاجرين إلى الصومال، كما تنورت بعد أن رجع إليها طوائف من طلابها الممنوحين المغتربين في حلقات المراكز الدينية العالمية الشهيرة، ومن هذه المدن ” هرر”و” زيلع “و”مقدشوه” وبراوه” وبارطيري” وورشيخ، وغيرها من المدن الصومالية، ونحن بدورنا في هذا البحث  سنفيض الكلام على تاريخ إنشاء هذه المراكز  في هذا الفصل بالذات، وسنتناول قليلاً من روّاد هذه المراكز الدينية وشيوخها في العلم  وخلفاءها في التربية وأمراءها في الحكم؛ لأننا خصصنا فصلا كاملاً نتناول فيه تراجم رواد هذه المراكز .

  يقول حمدي سالم :” كان لابد أن تتطور مراكز الدعوة الإسلامية مع مرور الزمن، وأن تزداد الهجرات العربية من ناحية، ويزداد نشاط الدعاة الصوماليين من ناحية أخرى، فهو عمل مشترك بين الداعي القادم  وبين المستقر الموجهة إليه الدعوة، فتحولت المدن الصغيرة إلى مدن زاهرة “.( [1]).

  ويضيف السيد حمدي : ” ومن آثار دعاة الإسلام أنّ كثيرًا من الصوماليين خرجوا لطلب العلم  فطلبوا العلوم الدينية والمدنية في مكة، والقيروان، وفاس، وطرابلس، والقاهرة، وصنعاء، وإذا ما تحصلوا على علومهم ومعارفهم في أحوال المسلمين وتعاليم الإسلام عادوا إلى بلادهم دعاة للإسلام، وساعد على نجاح دعوتهم أنهم يعيشون بطابع بلادهم، وبين بني جلدتهم حتى تحققت لبعضهم فرص عظيمة من التأييد الشعبي. ولنا في حياة الإمام الصومالي أحمد جُرَى، والشيخ الجليل السّيد محمد عبد الله حسن، خير مثل لخير دعاة للإسلام في الصومال وشرق إفريقيا”.( [2])

  يقول عامر النجار : ” يقول البعض ([3])في معرض حديثنا عن نشر تعاليم الإسلام في الصومال لايمكن أن نغفل جهود الطرق الصوفية في هذا المضمار فقد ساهمت هذه الطرق في إنشاء المراكز الدينية التى تدرس فيها أصول الدين للصوماليين، ومازالت هذه الطرق إلى اليوم تتمتع بمكانة كبيرة ونفوذ عظيم بين الصوماليين “.([4])

المركز الديني بمدينة هَرَرْ:

  نبدأ الحديث عن هذه المراكز الدينية بمركز مدينة ” هرر” لأنه الأبرز والأطول تاريخياً.

تاريخ المركز: يقول حمدي السيد سالم: ” دخل الإسلام إلى مدينة هرر خلال القرن الأول من الهجرة النبوية صلى الله عليه وسلم على يد الشيخ أبادر، وهو مؤسس ” هرر ” ورائد الدعوة في شرق إفريقيا سكن ” هرر”، وكانت عبارة عن قرية تعرف باسم( دكَن كَى) فوسّعها وجعلها قاعدة لدعوته، وسمّاها بهرر وأخذ دوراً مهمّاً فى الفتوحات الإسلامية التى شهدتها منطقة القرن الأفريقى، وتولّى بعض أبنائه ولاية الحكم فى هرر، ويعتبره أبادر  أهل هرر جدهم الأسطورى ورائد الدعوة فى هذه البقاع، و كان نبراساً للدين الإسلامى وذكرياته دروس وعبر، وتراث للأجيال المتعاقبة من أبناء القرن الأفريقى، وظهرت مدينة هرر في القرن الثالث عشر الهجريّ كأقوى مركز للدعوة الإسلامية في شرق إفريقيا، ومركزاً للفقه والتعاليم الإسلامية لشبه جزيرة الصومال، وبلغت قمّتها في المجد من ناحية الدعوة الإسلامية في القرن السادس عشر حينما اتخذها الإمام أحمد جُرَي قاعدة ومركزاً لنشر الدعوة الإسلامية، وقد امتدّ نشاطها الدعويّ إلى خارج الصومال في إثيوبيا”.([5])

  حكم أشراف مكة لهرر:

       يقول محمد صبري: “وكان يحكم هرر في أواخر القرن السادس عشر وطوال القرن السابع عشر أمراء من أشراف مكة، وقد أخذت حدود الإمارة تضيق حتى انحصرت في جدران المدينة ([6])

الآثار التاريخية في “هرر” :

        يقول السيد حمدي سالم: ” كانت مدينة هرر هي القلب النابض بالدين والحيوية خلال العصور الإسلامية لما تضمنته من خيرة العلماء والشيوخ والفقهاء وكثرة مساجدها ووجود مؤلفات ومخطوطات كثيرة نادرة يصعب أن يوجد مثلها في أية بقعة أخرى في الصومال، حتى أنها كانت مثل المجمع الإسلامي والمتحف الإسلامي والمنارة الإسلامية، وتوجد مساجد كثيرة في مدينة هرر، وكل مسجد يضمّ مدرسة، وكانت تتعايش أنماط – عديدة – من التعليم داخل هذه المدارس من تعليم القرآن الكريم وتحفيظه، وتعليم علوم الشريعة واللغة العربية، وتعليم السلوك والتزكية، وقد امتازت منطقة هرر بإتقان علوم العربية وعلم التفسير والحديث وعلم الأصول، لذا كان الطلاب الذين يريدون التبحر في هذه العلوم يسافرون إلى غرب الصومال” .( [7])

      دور روّاد المركز: يقول أحمد عبد الله  ريراش: ”  ومن أشهر البعثات التى جاءت  تدعو إلى الإسلام في هرر تلك التى حضرت من حضرموت في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي، وتتألف من أربعة وأربعين شخصا عربيا نزلوا في بربره على البحر، ومن هناك انتشروا في بلاد الصومال؛ ليدعو إلى الإسلام ومنهم “الشيخ إبراهيم  أبوزَرْبَارَي” الذي  شقّ طريقه إلى مدينة هرر عام 1430ميلادية، ونجح في دعوته بهذه المنطقة واستطاع أن يُدخل الكثيرين في دين الإسلام، ولا يزال قبره في مدينة هرر حتى اليوم موضع تعظيم وتبجيل، ويقول ” ترمنجها ” ([8])عن الشيخ إبراهيم عبده ” أنه كان مبشّرا إسلاميّا([9] )ذهب إلى هرر في عام 1420م فأسلم الكثيرون على يده ومقبرة الشيخ في زيلع بالقرب من باب عشوربا أو عشوبر”  ويزورها كثيرون للتبرك ” ([10])

توقف النشاط الديني في المركز: ويضيف أحمد عبد الله ريراش قائلاً: ” ففي عام 1599م توقف عهد الازدهار والتقدم والمدنية التى كانت تتمتع بها هرر، وتعطل وسائل التقدم الفنيّ والحضاريّ الذي جلبه الإسلام، ووقف الإسلام جامداً توقفت قدرته السابقة على الامتداد والتوغل، وفقد حيويته التى تهدد جميع أرجاء الحبشة  فكثير من روّاد “هرر” قد هربوا من الاضطراب الأمني”.([11])

الأمير برّ سَعْدُ الدين :

   للمركز أمراء كثيرون منهم الأمير بر سعد الدين يقول محمد عمر الطيب : ” كان من الأئمة الذين حكموا مدينة “هرر” الإمام المجاهد “سعد الدين” الذي أخذ مدينة ” هرر” من بلاد الحبشة، وقهر الكفار وواظب على الجهاد في سبيل الله، ويحكى من أمر شجاعته أمور غريبة، وكان على قانون الشريعة في إخراج الخُمُسْ من الغنيمة، ويصرفه في مصارفه أهل البيت والفقراء والمساكين “.( [12])

     يقول السيد سالم : ” تولى “بر سعدالدين “الحكم في هرر خلفاً للإمام ” أحمد غُري ”  وقد اختلف المؤرخون في صلة القرابة التى كانت تربطه بالإمام ” أحمد” فمنهم من يقول إنه كان أخاه، ومنهم من يقول ابن أخيه، ومنهم من يقول أنه كان ابن أخته، والأمير  كان يشبه الى حد كبير الإمام ” أحمد ” في كثير من الصفات في الصلاح، والتقوي، والعدل، والإنصاف، وشجاعة الإقدام، وقد انتهج سياسة مماثلة لسياسة سلفه الإمام ” أحمد إبراهيم ” الرامية إلى مواصلة الجهاد والاستمرار في النضال، وبعد تسلمه الحكم تفرغ لأعمال السلطنة، وقام بإصلاحات داخلية لتقوية المملكة، وتدعيم مركزه السياسي، وركز اهتمامه على استتاب الأمر، والاستقرار الداخلي الذي كان أن يتأثر بسبب وفاة الإمام ” أحمد غري” الأمر الذي أدّى إلى انهيار الروح المعنوية للصوماليين وتشجيع الأعداء، كما أن ذلك أعطى فرصة لبعض القبائل الوثنية بأن تحاول تتعرض للأمن الداخلي، وفي الوقت ذاته قام الأمير” بتأمين دولته الخارجية بتصعيد الحرب وتضييق الخناق على الحبشة، فاستعاد جزءًا كبيراً  من الأراضي التي استردها من الحبشة، كما افتتح بعض الأراضي الجديدة ولهذا سموه بعض الصوماليين بصاحب الفتح الثاني”. ([13])

الأمير ” نُوْرْ

    يقول السيد حمدي سالم : ” كان أمير نور من أمراء مدينة هرر “واستطاع أن يعيد الثقة في نفوس الصوماليين، ويضمد الجراح الذي أصيبت بها الحركة  في صميم قلبها، وأن يملأ الفراغ الذي أحدثه استشهاد الإمام أحمد، وقد قطع الأمير ” نور” عهداً على نفسه أن ينتقم للإمام أحمد، وأن يأخذ له الثأر، وقد تحقق وعده الذي لاقاه في إحدى المعارك التى دارت بين الطرفين؛حيث قتل بنفسه الملك ” جلاديوس”. ([14])

الأمير” عُمَرْ وَلْسَمَع

 ( 607- 687هـ)

   يقول احمد عبد الله ريراش : ” ذكرت كتب المؤرخين أكثر من مرة سواء أكانت مطبوعة أو مخطوطة بأن أول مؤسس دولة “افات” : عمر وَلْسَمَعْ ” بن دنيا … وتفرعت ممالك السبعة الصومالية روحياً ومادياً منها بان لأمير ” عمر وَلْسَمع” أولاد كثير من الذكور والإناث، ولما كبُر سنه وبلغ حد الشيخوخة جمعهم واختار من الأربعين أربعة حتى أورث عمر سلطنة مملكته لأولاده الذين تولوا عرشها واحداً بعد واحد، وذكر لنا  عبد الرحمن زكي “بأنّ  “عمر ولسمع” أسس دولته في عام 1300م، وقال السيد علوي الهرري ” كان تأسيس دولته  في عام687هـ، ومن ذلك الزمن توالت سلسلة ملوك المماليك الإسلامية بنظام اياً كانوا ملوك( مملكة افات” أو ملوك (مملكةعدل) أو ملوك “هرر” وكانت سلسلة الملوك ابتداء من الملك عمر ولسمع إلى السلطان محمد بن إبراهيم بن “جاس” أحد أفراد عائلة الإمام أحمد غري” عام 991هـ ” .([15])

الهوامش


[1] – السيد حمدي سالم، الصومال قديماً وحديثاً، ص 181

[2]–  المرجع السابق،  ص- 180

[3] – كلمة بعض تلزم الإضافة ولا تدخل اعليها أداة التعريف “ال” كما سبق ذكره

[4] – عامر النجار، الطرق الصوفية في مصر نشأتها ونظمها وروادها، ص، 55

[5] –   حمدي السيد سالم، الصومال قديماً وحديثاً،  ص 186 .

[6] – محمد صبري، مصر في إفريقيا الشرقية  هرر وزيلع، ص24

[7] – عميد محمد فريد السيد سالم، الصومال قديماًوحديثاً، ص 186.

[8] –  كاتب وباحث ومستشرق انجليزي له اهتمامات متعددة ببعض بلاد الشرق أفريقيا

[9] –  إذا كان هذا التعبير بمعناه اللغوي من  البشارة – الخبر السارّ –  يصحّ أن يستخدمه الباحث بهذه الصيغة وورد نظير ذلك في قوله تعالى:- (ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ)   الصف آية 5 ، أما إذا كان كمصطلح وضعه رجال الكنسية  والذي هو غالبا ما يستخدمه رجال الكنيسة كدعوة إلى دينهم  فهو غير وارد هنا

[10] –   احمد عبد الله  ريراش، كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالكهم السبعة ، ص  174

[11] –   المرجع السابق، ص 75

[12] –  محمد عمر الطيب، تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر، ص  187 .

[13] –  عميد  محمد فريد السيد سالم ، الصومال قديماً وحديثاً  ، ص35

[14] –  المرجع السابق، ص 36

[15] –  احمد عبدالله ريراش، كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالكهم السبعة ، ص 70

2 تعليقان

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    تشكر على الموضوع لكن اسمح لي بان اوضح لك أخي العزيز بان الصوفية والتصوف أصبحت ظاهرة خطيرة هذة الايام رغم انتشارها في الصومال لمئات السنين فالشيعة الان هم يحاولون نشر مذهبهم في افريقيا و الوطن العربي بل في العالم ككل عن طريق التصوف والصوفية
    نعم الحركات الصوفية ساهمت في نشر الاسلام في افريقيا ككل والصومال بشكل عام لكننا كمسلمين بعد ان عرفنا اخطاء الصوفية يجب علينا ان نحد من انتشارها وان نتبع سبل الدين الاسلامي الحنيف بالطرق الصحيحة وبعيدا عن الاشياء الشركية وما اكثرها في عالم الصوفية ..

  2. ما شاء الله مقال جميل ، وشكرا للكاتب

%d مدونون معجبون بهذه: