نشأة مدارس التصوف الإسلامي(4-4)

  • مدارس التصوف في إقليم “اَوْجَادَينِيا”

       نودّ أن نشير إلى أنَ بعض مدارس التصوف التى تغلغلت إلى إقليم “أوجادينيا” مع أن الإقليم جزء من أقاليم الصومال الكبير؛ لكنّه الآن خاضع تحت نظام الحكومة الإثيوبية.

   “نشأت في منطقة قرن إفريقيا عدة حركات تعليمية وإرشادية ساهمت في نشر الثقافة الإسلامية في المنطقة قام بها علماء كبار منهم القادمون من خارج البلاد، ومنهم أبناء المنطقة الذين رحلوا إلى البلدان العربية ثم عادوا إلى المنطقة بثقافة أوسع ونشاط أكثر، والجدير بالذكر أن كل هؤلاء الدعاة كانوا من الصوفية سواء كانوا في شكل طريقة منظمة ذات برنامج موحد وقيادة موحدة، وهو السمت الغالب على الصوفية من انتظام تحت راية مرشد معين، أو بشكل فقهاء غير منتظمين يغلب عليهم التدريس والإرشاد العام دون أن يكون لهم برنامج موّحد ولا مرشد عام، فمن الحملات الدعوية التي جددت نشاط الدعوة – بعد الرواد الأوائل الذين أسسوا الكيان الإسلامي في البلاد منها:- حملة الشيخ عمر الرضا السكري المكنى ب(أبَادِيْر) الهرريّ ورفقائه الدعاة القادمين من بلاد العرب في القرن الرابع أو السادس الهجري حسب اختلاف الروايات؛ حيث أسّس الشيخ رباطا في هرر لأوّل مرة، وكان لهذا الرباط فضل كبير في نشر الإسلام في إفريقيا”.( [1])

ومن هذه المدارس : المدرسة العَربِيَة: 

     ” في منتصف القرن الرابع عشر الهجري وصل إلى منطقة قرن إفريقيا  الصوفي  الشهير السيد سليمان محمد الملاميتي الحاتمي قادماً من بلاد تركيا وبلاد القوقاز متأثراً بالتعاليم الصوفية الرمزية، التى عرفت بها المدرسة الحاتمية (طريقة الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي) فاصطدم به بعض  العلماء وتفاهم معه آخرون، وكان من أبرز المتأثرين به والمتحمسين لطريقته الشاعر أديب المدرس والشيخ محمد خليف شيخ أحمد نور “الهاروني الأوجاديني” الذي تحول إلى نسخة ثانية من جلال الدين الرُومي صاحب المثنوي بعد تأثره بالصوفي شمس الدين التبريزي “. ([2])

المدرسة المَلْكَائية:

     “ومن أشهر حملات روّاد المدرسة الدعوية والتعليمية والإرشادية هي التى قام بها المربي الفاضل والمرشد الكامل الشيخ حسين بن ملكاي البالي العقيلي الملقب بسيد العارفين صاحب المشهد الشهير في منطقة بالي، وأشهر أولياء الحبشة، وذلك في أواخر القرن السادس الهجريّ ،لقد أسّس الشيخ حسين رباطا في “بالي” ومن أعلام الصوفية الدعاة الذين تخرجوا من مدرسته الشيخ الجليل صوفي عمر، وبفضل جهده وجهد أتباعه انتشر الإسلام في جنوب وغرب إثيوبيا كافة، وكان من أشهر الروّاد ايضاً: الشيخ بشري بن هاشم الهرري، والشيخ جمال الدين الآني، والشيخ عبد الصمد الداني، والشيخ الكبير حمزة العفري الدنكلي أستاذ الشيخ إسماعيل المقدشي مؤسس رباط ” غوري”  في ضواحي ” جكجكا ” والشيخ الإمام الزيلعي، ومنهم الشيخ عمر علي الغلمسي مؤسس رباط (بلبليتي ) في منطقة ” جرجر “.([3])

المدرسة الإدريسية:

    يقول عبد الله ماح : ” ثم ظهرت الطريقة الادريسية التى عرفت محليّاًّ بالطريقة الأحمدية، والتي أدخلها إلى المنطقة خلفاء السيد أحمد ابن إدريس المكيّ الفاسيّ بفروعها المتعددة من رحمانية ودندراوية ورشيدية وصالحية، ومن أشهر رجالها في أوغادين السيد محمد ابن يوسف الويتيني الرحماني ساكن قرية (عين ) زاوية الطريقة الأحمدية الرئيسية في أوغادين، والسيد عبد الواحد الكرنلي الرشيدي مؤسس زاوية (معروف) في ناحية إيمي، والحاج محمود إلكاطيرى القطبي مؤسس (زاوية المسا كين) في( لبشيليندي- قرب مدينة هركيل- في (ويب) “.( [4])

        ” ومن حملات روّاد مدارس التصوف الإسلامي الدعوية الأكثر نجاحاً في بلاد القرن الإفريقي عامة وفي “أوجادين” خاصة الدعوة التة قادها الشيخ يوسف الكونين (او بَرْخَدْلَي) العربي الفاطمي الشهير الذي يقال إنه كان من أتباع الطريقة الرفاعية، وقيل والشاذلية، وعرف كبار خلفائه بلقب(الحُجّاج ) لأنهم حجوا إلى الحرمين الشريفين وإلى هؤلاء الحجاج تنتمي معظم العائلات ذات الشهرة الدينية في المنطقة ([5] وقد تكون هذه الدعوة هي التى تحدث عنها المستشرق البريطاني توماس اورنولد؛ حيث قال:”وفى القرن الخامس عشر الميلادي جاءت من حضرموت جماعة تتألف من أربعة وأربعين عربيا نزلوا في “بربرة ” على البحر الأحمر  ثم انتشروا في بلاد الصومال يدعون إلى الإسلام، وقد شقّ أحد هؤلاء اللاجئين وهو الشيخ إبراهيم ”  أبو زَرْبَاي ” طريقه إلى” هرر ” حوالي سنه 1430هـ ، واستطاع أن يحوّل كثيرين إلى هذا الدين.

ولا يزال قبره موضع تعظيم في هذه المدينة، وعلى مقربة من “بربرة ”  جبل يسمى “جبل الأولياء”، تخليداً لذكرى هؤلاء الدعاة  اللذين يقال إنهم كانوا يجلسون هناك في خلوة قبل أن ينتشروا في طول البلاد وعرضها لتحويل الناس إلى الإسلام”.([6])

         يقول حسن إبراهيم حسن: ” ومن الحملات رواد المدارس نشاط الفقهاء الصوماليين الذين كانوا يرحلون إلى حضرموت لطلب العلم والتربية وبعد عودتهم إلى البلاد يجدّدون نشر الثقافة العربية الإسلامية بالتدريس والوعظ، الذين عرفوا بــ (فقييو) أي الفقهاء، وكان معظمهم من قبيلة (حير) آل الفقيه محمد، وقبيلة آل الشيخ حسن “كَلْوَيْن” وهؤلاء الفقهاء كانوا صوفية حضرموت وهم من أتباع طريقة السادة العلويين (آل باعلوي) إلا أنّ الطابع الفقهي كان غالباً على عادة صوفية حضرموت” .( [7])

المدرسة الزَيْلَعِيَة:

  ” أتى بها إلى(إقليم أوجادينيا) عبد الرحمن بن أحمد الزيلعي صاحب التصانيف العديدة والمناقب الكثيرة والكرامات الشهيرة والقصائد العديدة في العقائد السديدة المتوفى سنة 1299ه -1882م، وهو الذي عرف تلاميذه ومريدوه باسم ( حِرْتَا اُولمَدَوْ) أي أصحاب العصي السود “.( [8])

المدرسة الأوَيْسِيَة:

      ” ثم  ظهرت في إقليم ” أوجادينيا ” المدرسة الأويسية القادرية، وتم نشرها في جنوب الصومال وبلاد السواحل؛ فنشطت في مجال الدعوة والإرشاد ومقاومة التبشير النصراني، ووصل بعض رجالها إلى أطراف منطقة أوجادين الواقعة في الحدود الصومالية، وكان منهم الشيخ علي “برْكَالَى” مؤسس الزاوية البركالية الأويسية في مدينة (قَلافُو “) [9])

المدرسة الصَالحِية:

      ثم ظهرت  المدرسة  الصالحية التى أتى بها من مكة محمد عبد الله حسن “الأوجاديني” إلا أنها سرعان ما أعلنت الجهاد ضد القوى الاستعمارية الأوروبية، وأظهر مجاهدو الدراويش الصالحية في الجهاد بسالة فائقة، والحقوا بالبريطانيين خسائر فادحة في الأرواح والأموال، وزلزلوا القوى الاستعمارية؛ إلا أن الذي قلص دورهم الديني كطريقة إرشادية أنهم بعد ما تألق نجمهم وتكررت انتصاراتهم استخدم المستعمرون ضدهم الأسلحة المتطورة كالطائرات التي حطمت حصونهم وقلاعهم في ” منطقة نُجَالْ”، كما استخدموا الإشاعات ضدّهم وزوّروا خطاباً على الشيخ محمد صالح يفيد تبرئه من الدراويش، ومن السيد محمد حسّن ،  وبعد وفاة قائدهم السيد محمد في ” إيمي”  عام 1921م، ولم يبق لهم أثر ديني يذكر إلا أن بطولاتهم الجهادية وأشعار السيد الحماسية الجهادية بقيت في ذاكرة التاريخ بيد أن هناك أناساً ينتسبون إلى الطريقة الصالحية.. يعدون من العلماء المحترمين، ولهم دورهم في خدمة الثقافة الإسلامية “.( [10])

   يقول أحمد النجار : ” ويلاحظ أن جميع أتباع هذه المدارس ملتزمون كل الالتزام بالتمسك بأهداب الدين وبالحفاظ على  شعائره؛ فلا تجد واحداً منهم يفرّط في صلاة أو صوم أو زكاة، ومن استطاع الحج ينهض لأداء هذه الفريضة مهما تكن المشقّات، وكل منهم يحفظ قدراً يسيراً أو كثيراً من القرآن، ويعرف أحكام الفقه الشافعي كعالم من علماء الأزهر، ويلاحظ أن كل شيخ من مشائخ هذه الطرق إذا نزل مكاناً من الأماكن كان أول ما يفعله هو إقامة المسجد للمسلمين جميعاً، وفي ظلاله يؤدون الصلوات ويقيمون حلقات الذكر، ويتلون الأدعية والأوراد الخاصة بكل طريقة منها، ويسمعون دروس العلم من العلماء، وهذه الطرق الكثيرة بالأعداد الضخمة التى تتبعها تدلّ على تغلغل التصوف في نفوس الصوماليين، وعلى حسن اعتقادهم بالله والصالحين من أولياء الله والتوسل بهم إلى الله ” .( [11])

          يقول عبد الفتاح علي حاج :” من خلال الدور الذي قامت به هذه الطرق في الجوانب الاجتماعيّة، والدينيّة، والثقافيّة، والسياسيّة تتّضح أهَمّيّتها، وأثرها في التجديد الدينيّ، والحفاظ على جوهر الثوابت الإسلاميّة عقيدة وسلوكا، وربط الشعب الصوماليّ العربيّ المسلم بالشعوب الإسلاميّة، وخاصّة بالشعب العربيّ الشقيق. فعلّموا وربُّوا شعبهم على الرغم من وجود التنوُّع في الوسائل المتَّبَعة لنشر الدعوة وتبليغ الرسالة المحمّديّة.

ويضيف” هكذا اضطلعت الطرق الصوفيّة في الصومال بدور كبير في إثبات هوّيّة الشعب الصّوماليّ المسلم، والتشبّث بعروبته، وبذلك استطاعوا إنشاء جيل جديد من المتعلّمين ذوي المقدرة العالية على أداء الرسالة المنوطة بهم تجاه شعبهم، سواء في الجانب الدينيّ، أو الثقافيّ، أو الوطنيّ، وبذلك أدّت الطرق الصوفيّة في الصومال واجبها في التربية والتعليم والتثقيف.

 وما سُجّل للشعب الصوماليّ في الخرائط العالميّة بأنّه شعب مسلم سُنّيّ شافعيّ المذهب 100%، حصل بعد فضل الله الذي وفق “روّاد مدرسة التصوُف الإسلاميّ في الصومال” بهذا الدور الدعويّ لهذه الطرق التى تبوّأت مكانة مرموقة في نفوس وقلوب هذا الشعب” .( [12])

الهوامش

[1] – مجلة أعمال ملتقي التصوف الإسلامي العالمي، ص-524.

[2] – محمد بن محمد، ربيع الأول ونزهة الأسرار في أخبار ومناقب الشّيْخ حسين البالي، ص – 28

[3] –  المرجع السابق، ص – 28

[4] –  إبراهيم عبد الله ماح، تحفة الأوفياء وتاريخ الشرفاء،  ص-85

[5] علي عرب الصومالي، مسرة الإخوان في سيرة الشّيخ يوسف الأكوان دون ذكر الصفحة

[6] – توماس اورنولد، الدعوة الإسلامية ص293-294. يبدو لي بأن رأي  أورنولد في دعوى الأسلمة للصوماليين على يد زعيم هذه الجماعة رأي خاطئ  حيث أن الصوماليين كانوا مسلمين قبل ذلك  كما ذهب اليه  كثير من الباحثين منهم – السيد حمدي السالم  حيث قال في كتابه ”  الصومال قديماً وحديثاً “، ص – 176، ” كانت الصومال في استقبال الدعوة الإسلامية ، اسبق من أي دولة أخرى أفريقية أو آسيوية، وكان ذلك قبل هجرة الرسول r من مكة إلى المدينة المنورة “

[7]  – حسن إبراهيم حسن، انتشار الإسلام في قارة أفريقيا ، ص 189 .

[8]  – المرجع السابق، ص 189 .

[9] – تبعد مدينة ” قلافو “حوالى  90 كيلومتر من مدينة – جًدُي

[10]  – المرجع السابق، ص 189 .

[11] – عبد الرحمن احمد النجار، رحلة دينية الى افريقيا، ص 134

[12] ) عبد الفتاح  علي حاج، الاتجاه الديني في الشعر العربي الحديث في الصومال، ص 10 .

%d مدونون معجبون بهذه: