تراجم بعض روّاد مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال (11-12)

الشيخ علي بن عبد الرحمن الصوفي

      يقول محمد عمر أحمد : ” ولد في بادية بلدة “فيق” من أرض أجادين، ونشأ كأحد أبناء البادية في أسرة رعوية تشتغل برعي المواشي، وكان أبوه عبد الرحمن يحفظ أكثر القرآن، وله مشاركة في كثير من الفنون العلمية، وكان مكتوبا في جواز سفره أنه ولد في عام 1890 م”، وبدأ حفظ القرآن في الكتاب (الدُّكسي )في البادية على يد معلم يدعي بـ” معلم علي” وكان من طلبة الشيخ عبد الرحمن الزيلعي المشهور في الصومال، وقال ابنه الشيخ عبد الرشيد :” سمعت الوالد يقول : ” لما بلغت الخامسة عشرة من عمري قال لي أبي:” الآن بلغتَ الحلم يا علي ” فخرجت من البادية وتوجهت إلى مقديشو طلبا للعلم، وكانت تمثل أحد أهم المراكز العلمية في شرق إفريقيا، وقبلة يؤمها طلبة العلم من سائر النواحي ينهلون من معينها، ويتزودون منها شتى العلوم والفنون.

درس الشيخ فيها علوم العصر من التفسير والفقه وعلوم العربية، وكان من أشهر من تتلمذ على أيديهم في تلك الفترة الشيخ آدم يوسف المشهور بـ ” آدم عوليهن ” ([1]) وأخذ الفقه عن الشيخ محيي الدين بن معلم مكرم علم الصومال الشامخ في عصره، ودرس النحو على أيدي مشائخ منهم الشيخ قاسم البراوي أحد أقطاب الطرق الصوفية في عصره درس عليه الآجرومية وغيرها من متون النحو، ودرس أيضا على يده كتاب ابن أبي جمرة من متون الحديث. ومكث في مقديشو نحو عشر سنين.

وكانت هذه المرحلة في مقديشو مرحلة نبوغه الأولى تلقى العلوم التي كانت سائدة في عصره”. ([2])

 سبب تلقيبه بالصوفي :

      ويضيف محمد عمر أحمد ” كان الشيخ آدم عوليهن -أحد شيوخه- إلى جانب تدريسه للطلبة كان مربياً جليلاً يتفقد شئون ([3])تلامذته ويربطهم بالأسر؛ ليجدوا منها الرعاية وتلك كانت عادة “الحر” ([4] )ولما كان “الشيخ عَلِيْ” أحد طلبة الشيخ ربطه ببعض الأسر فكان الشيخ لاستغراقه في التصوف والجَذْب ([5])لايطيق لرؤية مخالفة شرعية، ولا يشتكي أحدا فضاقت حاله جدا، وأجهده الجوع، فلما أُخْبر الشيخ آدم بحكايته قام في المسجد وخاطب الناس فكان مما قال : (عندنا طالب صوفي لا يطيق رؤية امرأة)([6])وطلب الشيخ من الحاضرين من يكفلني في بيت لا توجد فيه امرأة فقام رجلٌ وقال:” أنا أكفله في بيتي ولا يرى فيه امرأة إن شاء الله؛ فكان يأكل مع هذا الرَّجل ولا يرى في البيت امرأة، ومن ذلك اليوم اكتسب الشيخ لقب ” الصوفي” الذي لزمه بعد”.([7])

ويضيف محمد عمر: ” عزم التوجه إلى اليمن، ومرَّ الشيخ في طريقه إلى اليمن بالمناطق الشرقية من الصومال؛ حيث لقى ترحيبا من حاكم إحدى السلطنات في مجيرتينيا التي كان أحد سلاطينها “بُقَرْ عُثمان” (من الحكايات التي رويت عن الشيخ أنه قال:” كان حفظ القرآن نادرا أو معدوما في تلك المنطقة وفي مناطق أخرى من الصومال، فلما رأوني أحفظ القرآن كاملا عن ظهر قلب تعجبوا وتنادوا يتعجبون من ذلك؛ فكان أن أخذ رجل منهم المصحف وأخذ يقلب الصفحات ويطلع السور الطوال ويمتحنني بقراءتها عن ظهر قلب فلما علم أني حافظ ماهر أعطاني قدرا كبير من الليرات الإيطالية؛ فاستعنت بها ونفعتني جدا”. ([8])

الشيخ يحط رحاله في رباط تريم بحضرموت ([9])

       يقول محمد عمر:”ومن ميناء بندر قاسم (بوصاصو الحالية) انطلق إلى حضرموت وقصد رباط تريم الذي كان أحد المراكز العلمية المشهورة في اليمن، وبدأ الشيخ يدرس العلوم الشرعية، ومع أنه كان درس كثيرا من الفنون فإنه درس كتلميذ مبتدأ حرصا على التمكن من اللغة العربية حتى إنه دخل مدرسة يتعلم منها تحسين الخط فكان من أحسن الناس خطا، ومن رأى خطه ظنَّ أن هذا مطبوع بالآلة، ومن شيوخه في رباط تريم الحبيب( عمر الشاطري ([10])ويضيف محمد عمر” وفي جو تريم الهادئ والقائم على التقاليد الإسلامية الأصيلة حيث النسوة محجبات، و أوامر الشريعة ظاهرة انتعشت نفسيات الشيخ التي كادت تنهار في ظل المستعمر الإيطالي بمقديشو، وبدأ يجد في طلب العلم، وقد مكث في تريم بضع عشرة سنة رجع خلالها إلى الصومال عدة مرات، وتردد على المناطق المتاخمة لخليج عدن فزار أثناء دراسته “تريم “و”بوصاصو” و”لاسقوري ” وتزوّج فيها بإحدى بنات قبيلة ورسنغلي “.([11])

الشيخ – رحمه الله – في الحجاز:

        يقول محمد عمر: ” بعد تخرجه(أي الشيخ) من رباط تريم رأى أنه لم يرو غلته ولا روى ظمأه من العلوم، وأنه مازال محتاجا إلى مزيد من الدراسة فقصد بلاد الحرمين ينهل من معينها، ويتنقل في ساحاتها يقطف من رياضها أطيب الثمار، يحني الركب أمام العلماء الأعلام الذين كانوا يشكلون صفوة من كل الأقطار الإسلامية، وكان العالِم -وقتئذ- لا يمنع إذا كان مبرزا أن يدرِّسَ فيها، ولم تكن هناك قيود على طلبة العلم إذا أرادوا المقام في أحد الحرمين.

أقام الشيخ في الحرم المكي ودرس بشكل خاص علوم القرآن وأتقن القراءات وبرع في الحديث لكنَّ شهرته بعلوم القرآن غطت هذا الجانب، وهو نفسه قد انشغل بتدريس القرآن وعلومه عن تدريس الحديث وتخريج الطلبة عليه. ولم يكن يعلم القرآن وعلومه فحسب بل يتعدى إلى تعليم اللغة العربية والحساب والجغرافيا والخط وينفخ في طلبته روح التحرر، ويفتح أعينهم على العالم من حولهم فيتخرجون على مستوى عال من الثقافة والوعي، ولهذا فإنَّ أغلب تلامذته تولَّوا مناصب عليا بعد استقلال الصومال؛ لكونهم من أرفع الناس ثقافة وكان الشيخ يتحسَّر ويقول : ” الذين ربيتهم في قوتي وشبابي مالوا إلى الدنيا أو أصبحوا أهل دنيا “.[12])

     انتقاله إلى مقديشو:

    يقول محمد عمر : “ وبعد استمرار التضييق الحبشي على مشروعه العلمي حزم أمتعته وغادر هرر متوجها إلى مقديشو، وهناك أسس الحلقات العلمية في مسجد مرواس، وقد ذكر الشيخ عبد الله محمود الذي عمل سفيرا للصومال لدى السعودية وإيطاليا، وكان من طلبته أن جلوس الشيخ للتدريس كان بالتحديد 1947، ثم رحل من مقديشو إلى طغحبور من كبريات المدن في أرض أوجادين لعله بدعوة من أعيانها؛ فأسس مدرسة شهيرة مازال بناؤها قائما حتى الآن، ولكنّ التضييق الحبشي منع الشيخ من مواصلة أعماله التربوية والتعليمية في وقت كانت أرجاء الصومال تهتز لطلب الاستقلال، فما كان منه إلا أن بدأ يشارك حركة النضال؛ فكان أحد أعيان أوجادين الذين طالبوا باندماج إقليم أوجادين مع الأقاليم الصومالية الأخرى، وكتبوا عريضة في يناير1948م إلى لجنة الدول الأربع الكبرى للتحقيق، وقد جاء في تلك العريضة :” لا نريد أن نكون تحت ظل الحكومة الإثيوبية طالما لنا صوت في هذه الحكومة، ونعلم أنها معادية للصوماليين المسلمين ولا نثق بإدارتها أو عدلها”.[13])

   يقول محمد عمر أحمد ” كان يدرِّس كتب العلم في مساجد مقديشو ويركز بشكل خاص على علوم القرآن ومصنفات الحديث مثل “رياض الصالحين ” للنوي و” بلوغ المرام ” للحافظ العسقلاني، وبعض الكتب الأخرى. كما بدأ التدريس في بعض المعاهد العلمية فدرس على سبيل المثال في معاهد الرابطة التى أسسته رابطة العالم الإسلامي، وكان يدرس علوم القرآن التي اشتهر بها (كان ذلك قبل قيام الثورة بتأميمه وإغلاقه عام1969م” .([14])

تأسيس مسجد القرآن عام 1968م:

      يقول محمد عمر أحمد  ” في عام 1968 ” أسس الشيخ مسجده الشهير مسجد القرآن حيث سماه الشيخ بذلك لكنّه اشتهر فيما بعد بـ(مسجد الشيخ علي صوفي) وتلك التسمية هي التي غلبت عليه، ومازال مسجد الشيخ علي صوفي يتربع في مقديشو مركز الريادة وملجأ لطلبة العلم، ولا تخطئه العين في مقديشو العاصمة.

انصبت أغلب جهود الشيخ العلمية على التدريس والتربية والجهاد، لهذا لم يخلف مؤلفات تذكر فقد بدأ بعض الرسائل في علوم القرآن لكنه لم يكملها، وبعض الرسائل في علم اللغة كالصرف ضاعت أثناء تنقلاته الكثيرة، وتتلمذ على الشيخ مجموعات لا تحصى من الطلبة في كل المراكز العلمية التي أنشأها في هرر ومقديشو وطغحبور وأخيرا في مسجده الذي أسسه عام 1968م؛ حيث تتلمذ عليه خلائق كثيرة، وقلَّ أن تجد مشهورا من العلماء والدعاة ممن عاصروه وأدركوه إلا وأخذ عنه فمن مستكثر ومن مستقل، ويذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر القاضي عبد الرحمن بن خليفة، وعبد الرزاق محمد أبوبكر، وكان من المجلس الأعلى للثورة، والشيخ عبدلي بن محمود الذي شغل سفيرا للصومال في إيطاليا والسعودية وغيرهم الكثير من المشاهير، والشيخ محمد عيسى المجيرتيني الذي كان عَلماً في الزهد والتقى”.([15])

مرض الشيخ ووفاته:

       يقول محمد عمر أحمد ” وفي سنة 1983 أصيب الشيخ بجلطة دموية حيث كان يعاني من مرض ارتفاع ضغط الدم ودخلت حالته الصحية مرحلة صعبة وصار طريح الفراش يتحسن مرَّة ويشتد عليه المرض أخرى، كل ذلك صابرا محتسباً، وبعد انهيار الحكومة المركزية الصومالية أواخر عام 1990م وأوائل عام 1991م لجأت أسرة الشيخ إلى كينيا، وظل في نيروبي يصارع المرض حتى لقى ربه في 06/من شهر يونيو 1991م عن عمر يربو على المائة عام بعد رحلة عامرة بالعطاء، حافلة بالجهاد العلمي والميداني، وقد خلَّف الشيخ 21 من الولد 11 بنتا وعشرة من الولد من أربع أمهات منهم الشيخ القارئ عبد الرشيد ([16]) ابن الشيخ علي صوفي المقرئ الشهير في أرجاء العالم الإسلامي“.( [17])

معلم نُوْر محمد سياد :

      يقول علي حلني : ” ولد “معلم نور” لأسرة بدوية في منطقة “مَرَيْغ” بوسط الصومال، عام 1921م، حفظ القرآن الكريم وهو في صغره ثم هاجر إلى العاصمة مقديشو وهو في الثانية والعشرين من عمره، وتتلمذ على يدّ أحد أقطاب الطريقة القادرية “الشيخ “محمد بِيَمَالو”- نسبة الى قبيلته بيمال- الذي توفي عام 1956م، والذي عهد إليه بخلافته في قيادة السجادة القادرية في مقديشو، وبدأ معلم نور أول خلوة لتحفيظ القرآن الكريم عام 1944م وعمره 22 عاما في العاصمة مقديشو، وعهد إليه الخلوة شيخه “محمد بيمالو” واشتهر بإجادته لمهنة تحفيظ القرآن الكريم على الطريقة التقليدية التى يستخدم فيها الألواح والدواة، واكتسب شهرة واسعة في ذلك، الأمر الذي قرّبه من شيخه “محمد بيمالو” الذي كان أيضا اشتهر بتعليم القرآن إلى جانب كونه أحد خلفاء طريقة القادرية المعروفين في الصومال”.( .([18]

نشأة قادرية:

     يروي “محمد علي عُلُسو” وهو أحد مريدي “معلم نور” قصة نبوغ معلم نور فيقول:- ” إن والد معلم نور توفي في وقت مبكر فرباه أخوه الأكبر “حاج عبدي” وأدخله الخلوة في بادية قبيلة الـ”أبْجَالْ” بوسط الصومال على يد معلم شهير هو “معلم حسن مَدَوْبي” فعلمه القرآن، وعندما حانت ساعة التخرج امتُحن ليستظهر القرآن عن ظهر قلب ونجح في ذلك، فدفع أخوه سبعة من النوق الحوامل [19]) إلى معلمه تكريماً ومكافأة له وأفرحت هذه المكافأة الضخمة بمقاييس ذلك الزمان في الثلاثينيات([20]) من القرن الماضي المعلم “مَدَوبي” ودعا له بالبركة، وقال: “إذا لم يُشر لهذا الولد بالبنان فلست معلماً مخلصاً في تعليم القرآن ” وذلك ما حدث بالفعل، و هاجر إلى العاصمة وانضمّ إلى حلقة زعيم الطريقة القادرية في ذلك الوقت “معلم بيمالو” ولازمه حتى وفاته ليصبح معلماً شهيراً تعلّم آلاف الطلبة القرآن في خلوته والخلاوي الأخرى التابعة له في أنحاء الصومال”.([21])

         يقول علي حلني : ” أحبّ معلم نور شيخه “محمد بيمالو” الذي لقنه أوراد الطريقة القادرية وبعض كتب العلم الشرعي وجعله مساعداً له، وكان معلم نور خادماً له ويرافقه في حلِّه وترحاله، كان يحمل له الفراش والقهوة وإبريق الوضوء طول اليوم، حيث كان الشيخ يذهب إلى الأحراش [22]القريبة من مقديشو للتأملات والخلوة دون علم تلاميذه، لكنّ معلم نور يتتبعه إلى أن يخلد الشيخ إلى النوم ([23]) فيعد له فراشا وقهوة وماء الوضوء وقليلاً من الطعام، وينتظر حتى يستيقظ ليجد الشيخ كل شيء جاهزاً فيسأل من عمل هذا كله؟ فيقال له “نور”، فيدعو له بالبركة، وكان إلى جانب ذلك يغسل الثياب لشيخه، ويعد له وجبات الطعام، حتى عاتبه على ذلك أفراد قبيلته الذين كانوا يرونه انه لايهتم الحياة، وقالوا له كيف تعطي كل حياتك لهذا الشيخ، ونصحوه بتركه والبحث عن مستقبل آخر، فرفض ذلك وأصر على ملازمة شيخه وخدمته، فلما يئسوا منه تركوه لحاله. وبعد 10 سنوات من الخدمة والملازمة أوصى الشيخ بيمالو “معلم نور” لخلافته وزوَجه ابنته الوحيدة “إفتو”، ولما أحسّ الشيخ بيمالو بدنو أجله أوصى له بجميع ممتلكاته التى كانت عبارة عن أرض صغيرة مقام عليها مسجد صغير وعدد من خلاوي تحفيظ القرآن الكريم وباحات لإقامة حلقات الذكر، ومنازل من الأكواخ معدة لإيواء طلبة العلم، وواصل معلم نور قيادة الحلقة التي توسعت حتى وصل عدد خلاوي القرآن المنتسبة إليها أكثر من ألف خلوة في أنحاء الصومال” .([24])

 التجارة وتأسيس الخلاوى :

           يقول علي حلني ” واشتغل إلى جانب ذلك بالتجارة البسيطة التى كانت تدر عليه دخلا لا بأس به إلى جانب عمله في وزارة الصحة لفترة وجيزة في الستينيات ([25]) لكنّه تفرغ بعد ذلك لتعلم القرآن وإيواء طلبة العلم الذين لا يجدون أُسَراً تعولهم لمواصلة دراستهم العلمية. وابتكر معلم نور طريقة فريدة في الاستفادة من خبرات طلبة العلم الممتازين الذين كان يوفر لهم المأوى ووجبات الطعام في مركزه؛ فأسّس مجموعة من خلاوي تحفيظ القرآن الكريم في أحياء مختلفة من العاصمة كما كان يرسل بعضهم إلى مناطق قبائلهم لتأسيس خلاوي تعليم القرآن والعلوم الشرعية، وكانت الصومال تخضع في ذلك الوقت للاحتلال الإيطالي إلا أن أتباع الطرق الصوفية كانوا مسالمين ولم يدخلوا في صراع مع السلطة القائمة لتفرغهم لتكوين المريدين ومتابعة شؤون الطريق”.([26])

         ويضيف الشيخ “محمود أو عبدله عريف” [27])بأن الخلاوي التى أسسها معلم نور ويشرف عليها وصلت في آخر إحصاء إلى 1017 خلوة في أنحاء الصومال، قام هو شخصيا بتعيين معلمي القرآن فيها إضافة إلى 33 مسجدا كانت كلها تابعة له وبنيت بإشراف منه أيضا كما أن خلفاء (دعاة) الطريقة القادرية الذين أخذوا إجازة الطريقة القادرية عنه وصل عددهم إلى الآلاف، ولكل هذه الأعداد مجلس دائم يتابع سير شؤونها بشكل يومي”.([28])

الانفتاح على الطرق الصوفية:

       يقول علي حلني ” على الرغم من انتمائه إلى الطريقة القادرية وهي الطريقة الأكثر أتباعا في الصومال وكونه أيضاً أحد زعمائها، إلا أنه كان منفتحاً أيضا على جميع الطرق الصوفية الأخرى ويتعاون مع شيوخهم وعلمائهم، كما كان يحظي أيضاً باحترام السلفيين والإخوان المسلمين؛ لأن كثيرا من رموز التيارات الإسلامية كانوا يأوون إلى مراكزه في العاصمة عندما كانوا طلبة مهاجرين من البادية، كل ذلك على الرغم من اختلافهم الشديد معه، لكنّ معلم نور لم يكن يدخل في جدال مع أي جهة إذ كانت مهنته الرئيسية نشر خلاوي تحفيظ القرآن وبناء المساجد وإيواء طلبة العلم الفقراء.، ويقول الشيخ عثمان حِدِكْ ([29])بأنّ معلم نور سمح للطريقة الصالحية بإقامة حلقات الذكر الخاصة بهم في مركزه في أكثر من مناسبة إظهارا منه لاحترامه للطرق الأخرى، ويمضي الشيخ حدك قائلا “إن معلم نور كان صاحب شريعة فمع أنه كان رمزاً صوفياً إلا أنه إذا سئل عن مسألة دينية كان ينصح مريديه بالرجوع إلى الفقهاء أو كما يسمى محليا بالـ “أحكانلَي” ولم يكن يفتي في أي شيء، رغم أنه كانا ملماً بالفقه الإسلامي “وفرض دراسة متون الفقه الشافعي للطلبة في جميع خلاوي تحفيظ القرآن الكريم التابعة له في أنحاء الصومال”.([30])

في صُحبة المصحف:

      يقول علي حلني ” ومن ناحية المظهر اشتهر “معلم نور” بارتداء الثياب البيضاء طول حياته ولا يتذكر مريدوه أو العارفون به وهو يرتدي غيرها، وقد كانت تلك الهيئة المظهرية دأب شيخه “محمد بيمالو”. وكان معلم نور يحمل نسخة من المصحف الشريف بيده اليمني دائما ويقرأ فيها، ويقول أحد مريديه أن معلم نور بحبه للقرآن كان يحب أن يكون المصحف بيده في جميع الأوقات، فقد كان يداوم على وضوء في جميع حالاته حتى يتسنى له مس المصحف وحمله، ولفرط حبه لشيخه أوصى المعلم نور بدفنه إلى جوار ضريح الشيخ بيمالو في العاصمة مقديشو، حتى إذا أدركته المنية في أي مكان من العالم، وأوصى أيضا بعدم إقامة حولية خاصة به وسمح فقط([31]) بضم حوليته (الزيارة السنوية) إلى حولية شيخه “محمد بيمالو” التى تقام في شهر 7 من كل عام. وقد أوصى بذلك معلم نور نجله الشاب الشيخ “عبد القادر”.[32])

  وفاته :- 

        يقول علي حلني : ” وقد وافت المنية “معلم نور” يوم الخميس 29 أكتوبر 2009، أثناء زيارته العاصمة الكينية نيروبي حيث كان يتلقى فيها العلاج في آخر أيامه. بعد حياة حافلة بالعلم كان أساسها تعليم القرآن الكريم، وكان لا يزال يعلم القرآن في خلوته التي بدأها قبل أكثر من 60 عاما في مقديشو رغم تقدمه في السن. وقد شيعت جنازة المعلم نور في مقديشو الأحد 1 نوفمبر 2009 حيث استقبل عدد ضخم من أقطاب الطرق الصوفية في مطار أدم عَدَي الدولي في مقديشو جثمان الشيخ نور وشكّلت الحكومة الصومالية بدورها لجنة تتولى مراسم العزاء، وقد ووري جثمان المرحوم في حي “المدينة” جنوب مقديشو”.([33])

الهوامش


[1] – نسبة إلى إحدى بطون قبيلة الأجادين تسمى “عَولْيَهَن”

[2] – مقابلة أجراها محمد عمر أحمد مع ابن شيخنا المترجم له عبد الرشيد بن علي عبد الرحمن الصوفي القارئ المشهور في العالم الإسلامي. والمقال موجود بهذا الرابط التالي http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=272&Itemid=30[2]

[3] – الأصل شؤون بواوين الأولي مهموزة كما سبق.

[4] – هم طلبة العلم الذين يبتعدون عن ذويهم إلى مناطق بعيدة، ويعرفون “بحرو” وكلمة (“حر” تعني: طلبة العلم الشرعي واللغوي في حلقات المساجد، وأيضا طلبة القرآن الكريم في الكتاتيب.. ويعرف هذا المصطلح لطلبة (الكبار) عند الصوماليين بـ” الحِر” وهي ربما جاءت من “الحَواري”، ويقصد بأنهم ضحوا بوقتهم وثمنهم الغاليين وانقطعوا لتعلم العلوم الشرعية، وتظهر جلالة المدرس وعظمته عندما يلقي محاضراته وخطبه للحِر، حيث أنه يجلس فوق حصيرة جميلة للغاية ومعدة في مكان أرفع، أو أنه يجلس في مكان أرفع منهم، ممايوحي قدرالاحترام الكامن في صدور طلبة العلم الشرعي (الحِرْ) الذين تراهم يعكفون في المساجد طيلة اليوم وربما يبيت بعضهم في المسجد.

[5] – الجذب في اللغة ضدّ الدفع، وجذبَ المهر عن أمه: فطمه .

وفي اصطلاح أهل الحقيقة هو تقريب العبد بمقتضى العناية الإلهيّة المهيّئة له كل ما يحتاج إليه في طيّ المنازل إلي الحق بلا كلفةٍ وسعيٍ منه. قال الطوسي: (فأما جذب الأرواح وسمو القلوب، ومشاهدة الأسرار والمناجاة والمخاطبة وما يشاكل ذلك، فإن أكثر ذلك عبارات تُعبّر عن التوفيق والعناية، وما يبدو على القلوب من أنوار الهداية على مقدار قرب الرجل وبعده، وصدقه وصفائه في وجده.) نبيل عساف، مصطلحات القوم،ص، 8

 [6] – الرؤية هنا تعني رؤية العين المجردة في اليقظة وليست في الحلم.

[7] – مقابلة أجراها محمد عمر أحمد مع ابن شيخنا المترجم له عبد الرشيد بن علي عبد الرحمن الصوفي القارئ المشهور في العالم الإسلامي. والمقال موجود بهذا الرابط التالي http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=272&Itemid=30[7]

[8] – مقابلة أجراها محمد عمر أحمد مع ابن شيخنا المترجم له عبد الرشيد بن علي عبد الرحمن الصوفي القارئ المشهور في العالم الإسلامي. والمقال موجود بهذا الرابط التالي http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=272&Itemid=30[8]

[9] – حضرموت منطقة في اليمن علي خليج عدن والبحر العربيّ، وهي محافظة في اليمن قاعدتها المكلا، من مدنها الشحر وسيئون، تريم، شبوه، وهي مواقع أثرية . لويس معلوف،المنجد في اللغة والإعلام، ص222

[10] – كلمة لحبيب: لقب حيث إن العالم من السادة الأشراف يدعونه بالحبيب.

[11] – مقابلة أجراها محمد عمر أحمد مع ابن شيخنا المترجم له عبد الرشيد بن علي عبد الرحمن الصوفي القارئ المشهور في العالم الإسلامي. والمقال موجود بهذا الرابط التالي http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=272&Itemid=30[11]

[12] – محمود علي تورياري، قضية القرن الإفريقي،ص 17

[13] – محمود علي تورياري، قضية القرن الإفريقي،ص 17

[14] – مقابلة أجراها محمد عمر أحمد مع ابن شيخنا المترجم له عبد الرشيد بن علي عبد الرحمن الصوفي القارئ المشهور في العالم الإسلامي. والمقال موجود بهذا الرابط التالي http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=272&Itemid=30[14]

[15] – المرجع السابق.

[16] – خلف أباه بعد مرضه في حلقته العلمية بعد دراسته في رحاب الأزهر الشريف وعودته إلى الصومال، وبعد وفاة والده علي صوفي انتقل إلى دولة قطر الشقيقة يواصل جهوده الدعوية فيها وفي سائر أقطار العالم الإسلامي.

 [17] – مقابلة أجراها محمد عمر أحمد مع ابن شيخنا المترجم له عبد الرشيد بن علي عبد الرحمن الصوفي القارئ المشهور في العالم الإسلامي. والمقال موجود بهذا الرابط التالي http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=272&Itemid=30[17]

 [18] – مقال نشر في شبكة الصومال اليوم للباحث – علي حلني والرابط التالي http://www.somaliatoday.net/port/2009-05-06-15-01-48/224–q-q-.html

[19] –  مكافأة حفظ القرآن العادية في الصومال ناقة واحدة من الإبل.

[20] – الصواب في العقد الثلاثين من القرن الماضى.

[21] مقال نشر في شبكة الصومال اليوم للباحث – علي حلني والرابط التالي http://www.somaliatoday.net/port/2009-05-06-15-01-48/224–q-q-.html

[22] – والحرش هو أرض كلها خضار ينبت دون عناية من أحد.

[23] –  ركن وسكن إليها ومنه قوله تعالى :(ولكنه أخلد إلى الأرض)

[24] – مقال نشر في شبكة الصومال اليوم للباحث /علي حلني والرابط التالي http://www.somaliatoday.net/port/2009-05-06-15-01-48- 224–q-q-.html

[25] – كان يذهب إلى العمل بالدراجة الهوائية؛ لأنه لم يكن يملك ثمن سيارة آنذاك.

[26] – مقال نشر في شبكة الصومال اليوم للباحث علي حلني والرابط التالي http://www.somaliatoday.net/port/2009-05-06-15-01-48- 224–q-q-.html

[27] – مفسر إعلامي بارز له دروس في بعض إذاعات وقنوات تلفزيونية صومالية محلية وخارجية، وكان من أبرز أتباع معلم نور محمد سياد.

[28] – مقال نشر في شبكة الصومال اليوم للباحث – علي حلني والرابط التالي http://www.somaliatoday.net/port/2009-05-06-15-01-48/224–q-q-.html

[29] – هو أحد زعماء الطريقة الإدريسية في الصومال.

[30] – مقال نشر في شبكة الصومال اليوم للباحث /علي حلني ويوجد في الرابط التالي http://www.somaliatoday.net/port/2009-05-06-15-01-48/224–q-q-.html

[31] – كلمة فقط تستعمل بعد أدوات الاستثناء أو الأفعال التي تفيد معنى الحصر، محمد العدناني، معجم الأخطاء الشائعة،ص،196

[32] – يحمل الجنسية البريطانية ويقيم في لندن –تولى خلافة أبيه في قيادة العمل والتربع على سجادة الطريقة القادرية ومتابعة شؤون المريدين. وكان عبد القادر يشرف على جزء كبير من نشاط جماعة معلم نور خلال السنوات الماضية.، وقد عمل مستشارا لرئيس الصومال السابق شَيْخ شريف، كما شغل منصب وزير الدولة، وهو من أبرز مسؤلي تنظيم أهل السنة والجماعة في الصومال.

[33] –   مقال نشر في شبكة الصومال اليوم للباحث /علي حلني ويوجد في الرابط التالي http://www.somaliatoday.net/port/2009-05-06-15-01-48/224–q-q-.html

%d مدونون معجبون بهذه: