الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [11]

المحاكم الإسلامية وتأثيرها على الحركات الإسلامية الصومالية:

كان تكوين اتحاد المحاكم الشرعية الإسلامية عام 2005م، ثم دور هذه المحاكم في طرد زعماء الحرب من مقديشو عام 2006م، الأمر الذي جعلهم أمام مسؤولية كبيرة لم يفكِّروا به من قبل، وأَوْصَلهم – بسرعة فائقة – إلى مرحلة التمكين ورَأس السلطة في الصومال؛ كان يعتبر تاريخًا فاصلا بين مكوّنات الحركات الإسلامية في الصومال، وفصلا مهمًّا من فصول تجاربـها في الصومال.

قال د.محمد أحمد شيخ علي: “خرجت المحاكم الإسلامية في الصومال من رحم الجماعات الإسلامية التقليدية والمعاصرة، وهي امتداد للتنظيمات الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي في الحقب المختلفة، وقد ازدادت أنشطة هذه التنظيمات في الفترة التي أعقبت انهيار الحكومة المركزية في الصومال وخاصة في مجالات التعليم والخدمات والدعوة والمصالحة الوطنية وحفظ الأمن، ومن هنا نشأت فكرة المحاكم الإسلامية أو المحاكم الشعبية ذات الطابع الإسلامي”.[1]

وقال حسن محمود عبد الله: “خرجت المحاكم الإسلامية إلى الوجود في الساحة الصومالية في عام 1991م عندما انهارت الدولة الصومالية وسادت الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار كمحاولة من قبل بعض العلماء لعلاج المشكلة الأمنية التي سادت في الحرب الأهلية، ولم يسمح لهذه التجربة أن تستمر من قبل قادة المؤتمر الصومالي الموحَّد”.[2]

وقال د.عمر إيمان: ” بعد سقوط نظام سياد بري في الصومال أسّست محكمة إسلامية في مقديشو وذلك في عام 1991م، وجاءت فكرة تأسيسها حينما تعرَّضت المنشآت الحكومية والمرافق الأساسية للنهب والتدمير بسبب الفراغ الذي تركته الحكومة، عندها رأى جمع من العلماء برئاسة الشيخ محمد معلم حسن وجوب القيام بحماية هذه المنشآت والمرافق التي بدونها لا يمكن للشعب البقاء في مقديشو، فاجتمعوا لتأسيس قوَّة قادرة على حماية تلك المرافق، فكونت قوة عسكرية تحمي هذه المرافق لكنهم لم يشعروا بأن الجنرال عيديد كان لهم بالمرصاد، وكان قد حسم أمره في مواجهة هذه الحركة الشعبية فوجه صواريخه صوب الحشود المجتمعة دون تمييز قتل منهم عددا وحرج آخرين، فما إن سمع الناس هذه الصواريخ تضربهم حتى تفرقوا وانتهت هذه المحكمة”.[3]

“وفي عام 1992م استطاع العلماء بحيّ المدينة في جنوب العاصمة فتح محكمة إسلامية مهمَّتُها إعادة الأمن في ذلك الحي الذي أصبح أكثر الأحياء خطورة من الناحية الأمنية، بعد أن تمكن العلماء من جمع المليشيات العشائرية في الحي لتوفير الحماية الأمنية للمحكمة وتنفذ الأحكام الصادرة منها”.[4]

وقال د.عمر إيمان: ” في عام 1994م أسست محكمة الشيخ علي طيري في حي كاران بشمال مقديشو، وأوقفت هذه المحكمة حمَّام الدم الذي كان يجري في المنطقة، وكان معدَّل القتل العشوائي مرتفعا جدا، وقد تميَّزت هذه المحكمة على غيرها من المحاكم الإسلامية بصرامتها وتنفيذ الحدود الشرعية في مرتكب الجريمة على حدّ سواء وبلا هوادة، وتحوَّل الخوف عند الناس أمنًا، وعاد الناس إلى بيوتهم وأماكن عملهم آمنين، أما سبب زوال هذه المحكمة فهو أنه حصل الشقاق بين المجلسين الأعلى والتنفيذي بسبب اختراق حزب المؤتمر الصومالي (USC) جناح علي مهدي المجلس الأعلى، وأصبح الشيخ شريف محيي الدين الصوفي القادري نائبا لرئيس الحزب الأمر الذي عارضه المجلس التنفيذي برئاسة الشيخ علي طيري، فقامت المشادَّات بين الرجلين وانشغل الناس في أيِّ الرجلين أقوى، وفي اجتماع حاشد لقبلية أبغال اتُّخذ القرار لنقض المحكمة وإلغائها وذلك في عام 1997م”.[5]

محكمة جنوب مقديشو:

 أصل هذه المحكمة قبل توحيدها كانت على شكل محاكم قبلية في جنوب مقديشو بحيث أنشأت كل عشيرة محاكم خاصة بها، فكانت لعشيرة ددبلي محكمة في مصنع الألبان، ولعشيرة عير محكمة في إفكاحلني، ولعشيرة سليمان محكمة في شيركولي، (وكلهم من أفخاذ قبيلة هبرغدر)، ولعشيرة مروسدي محكمة في حرريالي، حتى لا يكون سببا للتصادم مع القبائل، ثم اتحدت هذه المحاكم تحت إدارة موحَّدة وشكل لها مجلس تنفيذي ومجلس أعلى، وقد حققت هذه المحكمة الموحدة في مدة وجيزة انجازات عظيمة، وبعد سيطرتها على معظم العاصمة انتقلت إلى إقليم شبيلي السفلى الغني بالثروات الحيويّ بموقعه يمدّ العاصمة بجميع أنواع الحبوب والخُضار واللحوم والألبان، ففتحت هذه المحكمة الطريق بين العاصمة وبين الإقليم الممتلئ بقطاع الطرق، لكن هذه المحكمة اضمحلَّت بسبب مشاركتها في مؤتمر عرته عام 2000م ضمن المجتمع المدني، وساهمت بفعالية في إنجاح المؤتمر، إلا أنه بعد تشكيل الحكومة بادر الرئيس عبد القاسم صلاد بمطالبة إنهاء المحكمة، وتفكيك جهازها، وتسريح جيشها بحجة أن الحكومة هي التي تقوم بمهامها.[6]

اتحاد المحاكم الإسلامية عام 2005م:

وبعد أن خرجت حكومة عبد القاسم من الساحة، وبقيت اسما بلا مسمى عادت الفوضى من جديد، وكانت المحاكم بعد تفكيكها بقيت مقرَّاتها كما هي، وتحوَّلت إلى محاكم خاصَّة تقدم للمجتمع خدمات اجتماعية من إيواء المشردين من الأطفـال لإعادة تأهيلهم والنظـر في الخصومات بين الأشخاص الذين يترافعون طواعية، ثم إن كل قبيلة أخذت على عاتقها أن تقوم بدعم محكمتها من الرجال والسلاح والمال لتقوم بتعقيب المليشيات الإجرامية، وبعد مواجهات مريرة في خلال شهور استطاعت هذه المحاكم أن تضع حدا للفوضى وتمكنت من القبض على عدد من العصابات الإجرامية، وفي 15/6/2005م تمَّ توحيد جميع المحاكم الإسلامية في مقديشو برئاسة شيخ شريف شيخ أحمد.

قال د.عمر إيمان: ” لم يأت التوحيد بين هذه المحاكم بين ليلة وضحاها، بل أخذ الإعداد لهذا الأمر أكثر من ستة أشهر بجهود متواصلة وعمل دؤوب انتهى إلى الدمج بينها، وصارت تلك المحاكم بعد الدمج قوَّة يحسب لها ألف حساب، وعندها قدرة على منازلة زعماء الحرب.

وكان عددها عند توحيدها ثمانية محاكم، وهي محكمة سيسي، ومحكمة كاران، ومحكمة سيناء، ومحكمة توفيق، ومحكمة شيركولي، ومحكمة حرريالي، ومحكمة بولو تكنكو، ثم تأسست محكمة ورشدا عانو، ومحكمة الفرقان فانضمَّتا إلى اتحاد المحاكم الإسلامية فصارت بذلك عشرا”.[7]

أقول: ولم يذكر محكمة إفكا حلني، فصارت بذلك إحدى عشر محكمة.

الثورة الإسلامية في عام 2006م:

منذ شهر مارس من عام 2006م بدأت مناوشات بين تحالف مكافحة الإرهاب الذي كان يضم معظم زعماء الحرب في مقديشو، والذي أنشأ في فبراير لكبح جماح الجهاديين المتنامين في الصومال منذ عام 2004م بدعم من أمريكا، وبين اتحاد المحاكم الإسلامية، لكن مسلِّحي الشباب (المجاهدين) الذين كانوا يتطلعون إلى حرب حاسمة مع زعماء الحرب أصبحوا النواة الأولى لبدء المعارك الشرسة في مقديشو، وتحوَّل الصراع في مقديشو لأول مرَّة بين التحالف لمكافحة الإرهاب وبين اتحاد المحاكم الإسلامية بقيادة شيخ شريف شيخ أحمد.

اصطفَّ الشعب بأكمله – أو أغلبه- مع المحاكم الإسلامية، وقد تناول الخطباء والدعاة والنشطاء بخطب ناريَّة أثاروا فيها قضية حماية الإسلام والبلاد من المؤامرة الأمريكية وعملائهم من زعماء الحرب.

وفي غضون شهور قليلة سرعان ما توالت هزائم أمراء الحرب الواحد تلو الآخر أمام المحاكم الإسلامية، حتى تمَّ طردهم من أغلب مدن وسط وجنوب الصومال.

قال عبد الله فاضل القمري – وهو أمين سرّ تنظيم القاعدة؛ وكان حينها متواجدًا في الساحة – في “مذكِّراته”: ” بعد أن حسمت المحاكم الإسلامية المعارك في مقديشو بقيت بلا خطة واضحة لمستقبلها، فالنصر كان مفاجئًا لها فقد كان الأمر يسير بيسر من الله، لا أحد يستطيع أن يعرف كيف جمع الله قلوب الشباب بالقبائل، وألقى في قلوب قطَّاع الطرق وأمراء الحرب الرعب،!! وبكل سهولة سيطرت المحاكم على جميع مناطق مقديشو دون استثناء، وكان عليها أن تسرع في وضع برامج مفيدة تستيطع من خلالها إيضاح حسن النوايا للشعب الذي كان معها في كل هذه المسيرة، لذا اجتهد بعضهم في التعامل مع الملفَّات بشتى أصنافها، فهناك الأمن والجبهات الجديدة وكذلك السياسة، وقد نشط في ملّف السياسة وبرز فيها الشيخ شريف بصفته مثقَّفا وناشطا إسلاميا من حزب التجمُّع الذي يحمل الفكر الإخواني.

ولكي تقدر المحاكم الإسلامية على احتواء جميع الملفَّات حصل هناك اجتماع سريع بين الفئات، وطبعا كانت الأمور متشابكة، فلم يجرّب معظم هؤلاء الشباب فنّ السياسة من قبل، إن الشباب هم فنانون في القتال والدفاع عن الحرمات، ولكنهم ضعفاء في تقدير السياسات اللازمة والضرورية لهذه المرحلة الحساسة، لذا كان اختيار الشيخ شريف أمرا موفَّقا لأنه رجل لطيف وصاحب رفق، لذا تُركت السياسة للمحاكم بكل حقائبها، كما أن التجَّار من الشباب والقبائل تفرَّدوا بسبب خبرتهم التجارية لملف الاقتصاد، وكانت الأمور تسير على بركة الله دون تخطيط يُذكَر، فقد فوجئ الجميع بالنصر، ولكن لا عجب (إن ينصركم الله فلا غالب لكم)”.[8]

أقول: كانت السياسات التي اتُّبعت من قبل (مجلس المحاكم الإسلامية) في النصف الثاني من عام 2006م، وتعامله مع ملفَّات عالقة ومهمَّة جدًّا مثل ملف الحكومة الانتقالية في بيدوا، وملف تهديد إثيوبيا، ومحاصرة بيدوا ودخول القوَّات الإثيوبية، كانت أخطاء جسيمة ارتكبتها الصحوة الإسلامية، ودفعت بذلك ثمنا غاليا، ويحتاج شرح تلك السياسات الخاطئة إلى مكان آخر؛ إذ أن غرضنا هنا هو تأثير هذا الحدث على الحركات الإسلامية الصومالية.

البنية الفكرية للمحاكم الإسلامية:

قال د.محمد أحمد شيخ علي: ” كانت التشكيلية الهيكليَّة للمحاكم الإسلامية تشمل كافة التيارات الفكرية الإسلامية في الساحة الصومالية، حيث تجد التيار الإخواني المحلي (التجمُّع الإسلامي) والتيار السلفي بشقَّيه الدعوي (الاعتصام .. والسلفية الدعوية) والجهادي (حركة الشباب) والتيار الإخواني الدولي (الإصلاح) وذلك دون أن يجد أعضاء الحركة موافقة من القيادة؛ بالإضافة إلى الصُّوفيين”.[9]

أقول: كانت حركة التجمُّع الإسلامي – وهم الإخوان المحلّيون – هم القوة الأساسية في المحاكم قبل الثورة، وكان الجهاديون ينفصلون عن تلك المحاكم ولهم معسكراتهم الخاصة، باستثناء آدم حاشي عيرو الذي كان قياديا في محكمة إفكا حلني، لكنهم انضمُّوا إلى المحاكم الإسلامية بعد إنشاء تحالف مكافحة الإرهاب من قبل زعماء الحرب بتشجيع من أمريكا.

وبعد أن تمكَّنت المحاكم الإسلامية – ولأوَّل مرة – من هزيمة زعماء الحرب الذين كانوا يقتسمون العاصمة ومناطق الجنوب منذ إطاحتهم بالرئيس محمد سياد بري؛ بزغ فجر جديد، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ الحركات الإسلامية، حيث برزت حركة الشباب المجاهدين في الساحة كقوَّة كبيرة تحصد الأتباع، وتسيطر على أراض وتحكمها، أمَّا حركة التجمع الإسلامي وجماعة الاعتصام بالكتاب والسنة فألقتا بثقلهما وراء اتحاد المحاكم الإسلامية بقوَّة.

وأما حركة الإصلاح فقد رفضت قيادتها المشاركة في مسيرة ثورة المحاكم الإسلامية والانخراط في صفوفها، لأن الرؤية غير واضحة، والتضارب الفكري في نسيجها بارز للعيان، في حين أن كثيرا من أعضائها وشيوخها التقليديين مثل الشيخ نور بارود، والشيخ عثمان إبراهيم ود.محمد علي إبراهيم وغيرهما ساندوا المحاكم الإسلامية وانخرطوا فيها، الأمر الذي كشف اللثام عن صراعات عميقة داخل الحركة سنتحدث عنها في الحلقات المقبلة.

وأما جماعة السَّلفية فانقسمت بدورها إلى تيَّارين، تيَّار أيَّد المحاكم الإسلامية ثم المقاومة الشعبية فيما بعد، وتزعَّمها الشيخ د.أحمد الإمام، والشيخ علي نور جامع، ود.أحمد طاهر أويس، وتيَّار حذَّر من الانخراط فيها ووصف ما جرى فتنة، وتزعَّمها الشيخ حسن حبيب، والشيخ عبد الله حاشي، وعدد آخر.

---------------- هوامش -----------------------
  1. “اتحاد المحاكم الإسلامية: النشأة، التطوُّر، وآفاق المستقبل”،بحث نشر على موقع معهد مبارك قسم الله للبحوث والتدريب، (www.mubarak-ints.org. []
  2. “تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية”، ص: 222. []
  3.  “تجربة المحاكم الإسلامية” ص: 60-63. []
  4. “اتحاد المحاكم الإسلامية: النشأة، التطوُّر، وآفاق المستقبل”،، مرجع سابق. []
  5. “تجربة المحاكم الإسلامية” ص: 93-97 ملخَّصا. []
  6. “تجربة المحاكم الإسلامية”، ص: 100و108و109 ملخَّصا. []
  7. نفس المرجع، ص: 116-117. []
  8. مذكِّرات أبي الفضل القمري، الموسومة بالحرب على الإسلام (2/80). []
  9. “اتحاد المحاكم الإسلامية: النشأة، التطوُّر وآفاق المستقبل”، مرجع سابق. []
%d مدونون معجبون بهذه: