الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [10]

تنظيم القاعدة وتأثيره على الحركات الإسلامية في الصومال:

بدأ اهتمام تنظيم القاعدة بالصومال بعد سقوط الدولة المركزية ومجيء قوات اليونيصوم إلى الصومال في أواخر عام 1991م، وبروز حركة الاتحاد الإسلامي كحركة جهادية تريد إقامة إمارات إسلامية في الصومال، كل هذه العوامل ساعدت القاعدة في اهتمامها بالصومال.

قال عبد الله فاضل القمري – أمين سرِّ تنظيم القاعدة – في مُذكّراته: “إن الصومال كانت بالنسبة للقاعدة أرضًا خصبة لمواجهة القُطب الأوحد، وكانت هي الساحة الوحيدة التي سيتم فيها تطبيق كل ما تعلَّمناه في أفغانستان، ولكن لا تنسى أن المواجهة ستكون بين القوى العظمى بالنظام العالمي الجديد بقيادة الصهاينة الأمريكان، وبين شباب لا يمتلكون غير أنفسهم ليقدِّموها رخيصة لله سبحانه وتعالى، وقد أصاب الشيخ أبو الوليد المصري عندما أَقْنَعَ قيادة القاعدة بالتركيز على الولايات المتحدة لأنها رأس الفتنة في كل ما يجري للعالم الاسلامي”.[1]

وقال أيضا: ” أما جبهة الصومال فكانت تحت مسؤولية أخينا حـَمَدْ المكنَّى بغازي، وهو ناشط سياسي في القاعدة، وقد تسلَّم مناصب كثيرة في القاعدة آخرها مسؤول المكتب السياسي في لندن، ومدير مكتبة لجنة الإصلاح والنصيحة، وهو معروف باسم: خالد الفواز، وهو الممثل السياسي للشيخ [أسامة بن لادن]، … هؤلاء الشباب وغيرهم هم كوادر ورجال القاعدة الجدد، وكانت تجربة الصومال أول عمل خارجي لهم”.

أقول: بدأ عمل القاعدة أوَّلا في منطقة الصومال الغربي التي كان فيها أهمّ معسكرات حركة الاتحاد الإسلامي بعد تخلِّيها عن شرق الصومال.

قال عبد الله فاضل القمري: ” سافرَتْ دفعة [من القاعدة إلى] الصومال بقيادة أخينا غازي (حَمَد) – فك الله أسره – إلى الحدود الكينية الصومالية.. وهكذا بدأنا مرحلة جديدة من الحياة، وتحركت الشاحنة، ومررنا بمدينة لوق التي كانت تحت سيطرة الاتحاد الإسلامي، وتقام فيها الشريعة الإسلامية، وهي بلدة جميلة وصغيرة، ويمر من خلالها نهر جوبا، ويكثر فيها الأشجار، وكان أيضا هناك تواجد عالمي حيث الصليب الأحمر والأمم المتحدة التي كانت تعمل بسرية تامة في جمع المعلومات عن الاتحاد [الإسلامي] والنشاطات العسكرية لها في المنطقة، فقد كانت قوات الأمم المتحدة تريد احتلال لوق بسبب أنها تسبِّبُ المتاعب لإثيوبيا، لأن الشباب الأوغادينين اتخذوا منها عمقا لوجيستيا لعملياتهم العسكرية ضد الحكومة الإثيوبية”.[2]

أقول: انشغلت القاعدة في فتح المعسكرات في منطقة الأوغادين وتدريب المقاتلين، إلا أنها خطَّطت في التدخُّل في الصراع القائم بين الجنرال عيديد والقوات الدولية في الصومال.

قال عبد الله فاضل القمري: “عملنا جلسة إدارية مع الشيخ أبي حفص لمعرفة مستقبل وجودنا في الأوغادين، وقد شرح لنا الشيخ أبو حفص عن خطة القاعدة في الصِّراع القبَليّ، وأخبرنا بأن هناك مشايخ يريدون مقاومة قوات التحالف [الدَّولية]، وبأن هناك ترتيبات مع شباب الاتحاد الإسلامي – فرع مقديشو بزعامة الشيخ حسن طاهر أويس من قبيلة العَير، وترتيبات مع الأوغادينيين من منطقة جنوب الصومال بزعامة الشيخ حسن تركي، أما بخصوصي فقد أخبرني شخصيا بأنهم سيحتاجون إليَّ في مقديشو بعد الأوغادين، وقد جهّز موقعًا جديدا لدى اللجنة العسكرية في الخرطوم لأقوده بعد الصومال”.

حرب مقديشو عام 1993م:

قال فاضل القمري: ” دخلنا [مقديشو] في منتصف أكتوبر سنة 1993م وقد شهدت مقديشو تصعيدا في عمليات القبائل المسْلِمة والمجاهدين كما قلت سابقا، وقد ازددنا تنظيمًا وقوة، وتمكن الشيخ أبو عبد الله أسامة بن محمد بن لادن من الحضور إلى الصومال، فقد طار بطائرته وهبطت في مطار كيناتا الدولية في نيروبي وكانت رحلة ناجحة جدا”.

أقول: حضور أسامة بن لادن إلى الصومال في ذلك الوقت أمرٌ غريب جدا، لم أسمع بذلك من مصدر آخر، لكن فاضل القمري كان يعلم ما لم يكن يعلم غيره.

قال فاضل القمري: “بدأت المعارك [في مقديشو] بعد الظهر تقريبا واجتاحت قوَّات المارينز سوق بكارا، وبدأت الاشتباكات ولم تمرَّ وقت طويل حتى أَسقطت البلاك هوك الأمريكية بواسطة الأربي جي 7 ثم بعد ذلك تم تفجير المدرعات التي حاولت الدخول لمساندة الطيَّار، وهذه المدراعات موجودة في الطريق المؤدية إلى “حمروين” في حي “غيت جاعيل” في جنوب مقديشو، والمجاهدون من شبابنا أقصد الاتحاد [الإسلامي] هم من زرعوا الألغام وقاوَمُوا التقدُّم، أما البلاك هوك فقد أسقطت من قبل شباب عيديد، وحصل هناك تضامن بين كل الهبرغِدِر، واتَّحد الاسلاميون مع رجال عيديد رغم خلافاتهم، وقاوموا العدوّ، وتم أَسْر الطيَّار وحصار مجموعة من الجنود المارينز في المنطقة”.[3]

أقول: خاض تنظيم القاعدة معركة مقديشو إلى جنب حركة الاتحاد الإسلامي وتحت اسمه، والغريب أن أحدًا لم يكن يعلم بوجود تنظيم القاعدة في الصومال.

قال عبد الله فاضل القمري: “لم يكن أحد يعلم بأن القاعدة تتواجد في الصومال، لأن القاعدة لم تكن تريد الظهور أبدًا، فقد كانت أنشطتها سرية ومكتومة، وظهر الجنرال عيديد وقبيلته في المواجهة، وفي هذه الأثناء بدأنا بتجهيز أنفسنا للرحيل من الصومال؛ فقد أكملنا مهمَّتنا بنجاح وتم تقسيمنا إلى مجموعتين مجموعة تغادر إلى السودان [مقرُّ القاعدة في حينها]، وأخرى تبقى للإشراف على الدورة الثالثة لحين تجهيز الكتيبة كما هو متفق سابقا مع القيادة الأوغادينية”.

تأسيس القاعدة منطقة (رأس كمبوني) كإمارة إسلامية:

قال عبد الله فاضل القمري: “لم تكن الأمور على ما يرام في إمارة غدو، فقد فشل حَمَد [مبعوث القاعدة إلى الصومال] مع الصومالين، ولم ينجز أيَّ عمل كبير، وظهرت فوضى داخلية لدى شباب الاتحاد [الإسلامي] من قبيلة المريحان، فقد اختلفت القيادة مع الشباب بخصوص قتال القوات الأجنبية [في الصومال]، وأراد أخونا حمد أن ينفرد بالشباب، ولكن الأمور لم تجر على ما يرام، فلجأت القيادة إلى سحب الشباب من المعسكر إلى لوق، وأصبح هناك سوء تفاهم، ولما جاء الأخ سيف العدل وحلَّ مكان حمد، ازدادت الأمور سوءا؛ فقد شعر الصوماليون بأن الإخوة العرب يريدون التدخل في قراراتهم، وهذا مالم يتقبَّلوه، وازدادت الاختلافات، واضطر الشيخ أبو حفص إلى التدخل وفض النزاع”.

أقول: كان هناك في داخل حركة الاتحاد الإسلامي وجهات نظر مختلفة حول دور القاعدة في الحركة، ولكن كما سبق نقله عن الشيخ طاهر أو عبدي نجحت القاعدة في اختراق الاتحاد الإسلامي رغم أن عددا كبيرا منهم عارضوا ذلك.

قال فاضل القمري: “الخليَّة التي كانت مع حمَد في السفرية الأولى تحركت إلى جنوب الصومال وقصَدُوا المناطق الحدودية مع كينيا، وقد تم عمل اتفاق مع أحد مشايخ المنطقة الجنوبية وهو الشيخ حسن تركي وهو أوغاديني ويحمل الجنسية الكينية، فهو من مدينة دوبلي الصومالية، وأيضا له عائلة في مدينة غاريسا الكينية، وهي عاصمة مقاطعة شرق شمال كينيا، وتم الاتفاق على مواجهة القوات [الدَّولية] المتواجدة في الجنوب، وتمكَّن الأخ أبو جهاد النوبي (مختار) والخلية التي معه من تشكيل مجموعة صغيرة من الصوماليين، وتحركت حول المنطقة وساندهم الشيخ حسن تركي في تلك التحركات، ووصلت إلى الحدود الكينية في آخر الجنوب، واستولوا على رأس كامبوني الاستراتيجية، وهي نقطة بحرية مهمة، وطردوا القوات البلجيكية التي كانت تحتلُّها، واتخذوها نقطة انطلاقة للجنوب، وهكذا استولينا على مسافات كبيرة تساوي إحدى الدول الخليجية”.

أقول: من هنا انفصلت مجموعات جهاديَّة عن حركة الاتحاد الإسلامي، وأسَّست مع تنظيم القاعدة إمارة رأس كمبوني، وهذه هي اللبنة الأولى لحركة رأس كامبوني التي سنتحدَّث عنها إن شاء الله.

كانت إمارة غَدو الإسلامية التابعة للاتحاد الإسلامي ترفض وجهة نظر تنظيم القاعدة في استهداف القوات الدولية القريبة من المنطقة، وهذا ما أنشأ أزمة جديدة بين القاعدة وبين الإمارة، وفي إثرها رحلت القاعدة ومَن على فكرها إلى جنوب الصومال، وتم تأسيسهم إمارة رأس كامبوني.

قال عبد الله فاضل القمري: ” كانت وجهة نظر مشايخ الاتحاد [الإسلامي] أن القوات المتحالفة بعيدة عنهم، ولم يقتربوا من لوق وبلد حواء، وفي الحقيقة هذه الأمور البسيطة يجب تفهُّمهَا، وعملنا جلسة مع سيف الإسلام، وأخبرنا بأنه تم الاتفاق على إقامة دورة عسكرية ناجحة أخرى لإخراج سرية صومالية و6 مدربين جدد، ولا نتدخَّل في اتخاذ أيّ قرار بشأن مهاجمة القوات الأجنبية البعيدة، وقد أصاب أخونا، فقد فرح المشائخ الصوماليون بالقرار الجديد، ولم نخسر شيئا، وبدأنا مرحلة جديدة من العلاقات، وحاولنا أن ننسيهم ما حصل بينهم وبين حمد أو الأخ سيف العدل، وتحركنا فورا إلى المعسكر، واشترك في العمل كل من أبي محمد المصرى وأبي عمير الباكستاني وأمير الفتح وأبي عبيدة الموريتاني، وأبي النور المصري، والأخ البحريني”.[4]

أقول: استقرَّ الأمر في نهايات التسعينيات – بعد انهيار إمارة غدو الإسلامية – على انفصال “مجموعة رأس كمبوني” عن الاتحاد الإسلامي بعد قرارها التخلِّي عن العمل المسلَّح وتغيير اسمها إلى جماعة الاعتصام، وانشغلت القاعدة في التركيز على إمارة أفغانستان الإسلامية والتخطيط لهجمات الحادي عشر من سبتمبر.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمر 2001م عادت القاعدة بقوَّة إلى الصومال، ودرَّبت مجموعات صومالية أكثر نشاطا، حيث نشطت هذه المجموعات في شمال الصومال (أرض الصومال) في بادئ الأمر، وكان الشيخ إبراهيم جامع ميعاد الأفغاني من قيادييها، ونفذت في منطقة “أرض الصومال” عمليات ضد أجانبَ وهيئات حتى استولت حتى مبالغ طائلة من الحكومة الإثيوبية في حادثة وَجَالي المعروفة على الحدود بين صوماليلاند وإثيوبيا، واتَّجهت المجموعة بعد الحادثة إلى مقديشو عام 2003م.

قال الكاتب محمد الخضر: “حملت هذه العملية أحمد عبدي غودني وزميله إبراهيم أفغاني على الرحيل من مدينة هرجيسا، حيث كان يعمل غودني محاسباً لدى شركة الاتصالات الصومالية الخاصة، “تيليصوم”، وتوجَّهَ الاثنان إلى مقديشو لينضمَّا إلى زملائهما في الفكر مثل عمر طيري الملقب بأبو الجبل، والذي قتل في إثيوبيا في عام 2005، وآدم حاشي عيرو الملقب بأبو محسن، والذي كان يحاول من جانبه إنشاء ميليشيات للحركة في معسكر داخل مقديشو.

كانت الأموال التي سرقت من الإثيوبيين أكبر مال حصلت عليه الحركة في بداية نشأتها وفق رواية مسؤول شارك في التخطيط لها، وبهذا المال استطاعت دعم بواكير مشاريعها العسكرية كتدريب شبابها، الأمر الذي اضطلع به عيرو ونفذه في العاصمة”.

قال الخضر في تقريره: ” وواصل هؤلاء عملهم السري حتى استولوا على مقبرة الإيطاليين بمقديشو في عام 2005م ، وهو ما مثل الخطوة الميدانية الثانية للجماعة، وتمَّ تحويل مكان المقبرة إلى معسكر سمي لاحقاً باسم «صلاح الدين» ، وأصبح في ما بعد مصنعاً ينتج الجهاديين الشباب في العاصمة مقديشو وخارجها، ووِفْق من تدرَّب فيه فإن المعسكر قدَّم تدريبات عسكرية وتوعية دينية مصممة لتحفيز المتدربين «على الجهاد وفضائله وزرع كراهية الكفار في قلوب الفتيَّة اليافعين، وأن الكفار لا يرتضون المسلمين حتى يغيروا ملتهم”.[5]

أقول: كانت هذه المجموعة بذور حركة الشباب المجاهدين التي سنتحدَّث عنها إن شاء الله.

---------------- هوامش -----------------------
  1. ” مذكرات أبي الفضل القمري”، الموسومة بالحرب على الإسلام (1/414). []
  2. نفس المرجع. []
  3. “مذكرات فاضل القمري، (1/424). []
  4. مذكّرات أبي الفاضل القمري، مرجع سابق. []
  5. محمد الخضر محمد، ” حركة الشباب الصومالية خرجت من صدام بين حماسة الشباب وعجز الشيوخ”، مقال نُشر في صحيفة الحياة اللندنية في 23 من يناير 2010م. []
%d مدونون معجبون بهذه: