الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [9]

الجماعات السلفية المنبثقة عن “الاتحاد الإسلامي”:

أولا: جماعة أنصار السنة:

بعد معركة أراري قرب كيسمايو بين الاتحاد الإسلامي وبين مليشيات الجنرال عيديد عام 1991م انفصلت مجموعة من كوادر الاتحاد الإسلامي عن الجماعة، وأعلنوا أنفسهم (جماعة أنصار السنة)، ورفضوا عسكرة الدعوة وتأسيس قاعدة لتيَّار السلفية الجهادية الذي بدأ يتغلغل في الصومال إثر انهيار السلطة المركزية، ومن مؤسّسي هذه الجماعة الشيخ حسن علسو محمد، والشيخ عبد السلام شيخ إبراهيم وغيرهما.

قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” بالرغم من أن الجماعة كان ينظر إليها – في بداية الأمر – على أنها مجموعة قبَليَّة باعتبار أن غالبيَّة أعضائها ينتمُّون إلى شمال العاصمة مقديشو ومناطق باي وبكول، إلا أنه بمرور الزمن اتَّضح أن هذه الجماعة قامت على أساس فكري يرفض عسكرة الدعوة وإدخالها في أتون الصراعات السياسية، وهو ما يمكن أن يُصطَلح عليه (السلفية التقليدية)، وكانت الجماعة وقفت بشدَّة ضد تيار (السلفية الجهادية) الذي تحكَّم على مقاليد القيادة في حركة الاتحاد الإسلامي.

وفي سبتمبر 1991م اتحدت الجماعة مع حركة الإصلاح في إطار اسم (الحركة الإسلامية في الصومال)، فأصبح رئيس حركة الإصلاح رئيسا للتنظيم، ورئيس أنصار السنة نائبا له، وتمَّ تشكيل مكتب تنفيذي ومجلس شورى موحَّد، غير أن هذه الوحدة ماتت في مهدها، ولم يكتب لها الاستمرار بعد الاجتماع الأول الذي اتفقت فيها الحركتان.

وبعد أشهر قليلة تخلَّت جماعة أنصار السنة عن الاسم، واختارت اسما آخر وهو (الجماعة) بمعنى أنهم من جماعة المسلمين، وليسوا تنظيما خاصا، وبدأت تنتقد الاتحاد الإسلامي”.[1]

ثانيا: الجماعة السلفية:

ويطلق عليهم (السلفية الدعوية في الصومال)، ويطلق خُصُومهم عليهم اسم (السلفية الجديدة)، وهذه الجماعة برزت بقوَّة منذ عام 1996م بعد هزيمة حركة الاتحاد الإسلامي أمام الجيش الإثيوبي وحلفائه الصوماليين، وقضَوا على الإمارة الإسلامية في مدينة لوق وما جاورها في محافظة غَدُو جنوب غربي الصومال.

وانضمَّت جماعة أنصار السنة إليهم بعد أن انفصل كوادر كبيرة من حركة الاتحاد الإسلامي، وتقارب بعضهم بعضا فكريًّا، وهو مواجهة التيار الجهادي، ثم تطور الأمر إلى مواجهة التنظيم الحركي المستمد من الإخوان بأي شكل من الأشكال.

قال الشيخ عبد القادر عكَّاشة وزميله: ” لم نر [من الاتحاد الإسلامي] ولاءً للسلفيّين الذي أنكروا عليهم الخروج على الأئمة والقتال في الفتنة، بل نرى ودّهم ووجهتهم في غير السلفيين، وخاصة الجماعات القُطْبِيَّة التي أفسدت مناطق عديدة من العالم مثل جبهة الإنقاذ الجزائرية وتنظيم محمد بن سرور زين العابدين، ومع ذلك ينبزون السلفية بأنهم (سلفيَّة جديدة)، وهذه التسمية قُصد منها التنفير عن الحقّ وأهله، وهذا من علامات أهل البدع”.[2]

أقول: ومنذ أزمة حرب الخليج الثانية عام 1990م ظهرت في السعودية مدرسة سلفية مقرُّها المدينة المنورة تنفّر الناس عن التنظيمات والحركات الإسلامية ذات الطابع الإخواني والجهادي، وكثير من أعضاء حركة الإتحاد الإسلامي الذين درسوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في ذلك الوقت حملوا هذا الفكر الجديد، وبعد عودتهم إلى الصومال انتقدوا حركة الاتحاد الإسلامي، وانضم إليهم عدد كبير من السلفيين المستقلّين، وافتتحوا معهد محمد بن نصر المروزي في مقديشو عام 1997م، ومركز أهل الحديث ليكون الهيئة الدعويَّة للجماعة،غير أنهم لم يعلنوا تنظيما هرميًّا لجماعتهم بل جعلوا من شيوخهم مرجعيات، ثم تعاظم دور هذه الجماعة في الصومال بعد أن درس كثير من الطلبة في حلقة الشيخ مقبل الوادعي في شمال اليمن، واتَّخذوا من الشيخ عبد العزيز ابن باز، والشيخ محمد صالح العثيمين، والشيخ الألباني، والشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ربيع المدخلي مرجعهم الديني والفكري والدعوي.

قال الشيخ عبد القادر نور غعمي في ” مذكّراته”: ” في تلك الفترة راجت أفكار كان منبعها من علماء مشاهير في العالم الإسلامي من بينهم الشيخ الألباني والشيخ مقبل بن هادي الوادعي، وسادت اجتهاداتهم التي دافعوا عنها بشدة، ولكن الأمر كان مختلفا عندنا في الصومال، فأَصْل الخلاف لم يكن دينيًّـا نظرًا لتطور المشكلة عندنا؛ لأنه حينما حدث غزو الحلفاء على العراق والتي سميت بحرب الخليج الثانية ظهر تيـَّار عالمي معاد للتنظيمات الدعوية بشكل عام.

وكان لهذا التيار العالمي انعكاسات على الوضع الصومالي حيث ركب البعض متن الموجة، وغيَّرُوا من أسلوب الخطاب، وبدلا من استمرارهم في تعليل الأخطاء بالعوامل القبلية أدخلوا مسائل البدع والانحراف العقدي، وكان بوسعهم محاكمة المخطئين في المعسكرات والحروب من خلال نظام الجماعة ولوائحها؛ لأن شورى الجماعة لم تقرر الدخول في واحدة من تلك الحروب التي حدثت في أوقات متقارب، حتى مؤتمر بَعَادْوَينْ “الخطير” الذي أُبرم فيه قرار الاستيلاء على المنطقة لم يكن بقرار الشورى، وإنما أقره الشيخ علي ورسمه بمكالمة لاسلكية، بعد أن أقنعه بعض المغْرِضِين بصوابية إعلان الجهاد وسهلوا له الأمور فانصاع لإرجافهم.

وقد مثَّل إنشاء المعسكرات منشأ الخلاف داخل الحركة، وثارت مسألة عدم شرعية الجماعات الدعوية الإسلامية، وتبنَّى أنصار هذا الاتّجاه الجديد أفكارا تناصر الحكام بحجة طاعة أولياء الأمور حتى ولو كانوا أمراء الحرب من قادة الجبهات الصومالية”.!

وقال الشيخ عكاشة وزميله: ” لم يظهر من [الاتحاد الإسلامي] رجوع صحيح عن مسألتي الخروج على الأئمة والقتال في الفتنة مع دعواهم التخلِّي عن ذلك، إذ لا يزال أغلب قادتهم وكثيرٌ من أعضَاء الجماعة على ما كانوا عليه سابقا من إطلاق التكفير العام على حكام المسلمين في دروسهم وخطبهم، ولا ينضبطون بضوابط التكفير، فحين شاهدوا الواقع الأليم والثمار الْمُرَّة مما جنت أيديهم، وكثرت ردود أهل السنة عليهم قالوا: يُلزِموننا على أمور عفا عنها الزمن، وحكمت الجماعة عليها بالخطأ، ولكن بعد أخذ وردّ اتَّضح للجميع أن مرادهم بالخطأ تكتيكي لا شرعي؛ فمرَّة يجرّبون السلاح فإذا لم يكن الوقت مواتيا استحالوا إلى حزب سياسي يخوض الانتخابات..”.[3]

أقول: ومن أبرز كوادر جماعة السلفية د.عثمان معلم، والشيخ عبد الله ديريه أبتدون، والشيخ عبد القادر شيخ محمد عكَّاشة، والشيخ عبد الله لكري، والشيخ نور علي جامع، والشيخ أحمد طاهر أويس، والشيخ حسن حبيب، والشيخ أحمد الإمام، والشيخ عبد الله حاشي، والشيخ محمد عبد طاهر، وفي الشمال الشيخ عبد الكريم حسن حوش، والشيخ عبد الله البربراوي، وغيرهم.

واتَّخذت الجماعة السلفية من النقد والتبديع والتفسيق شعارا لها في محاضراتها ودروسها وكتبها، وعندما نشأت أزمة بين طلبة الشيخ مقبل في اليمن، وصلت الأزمة إلى الصومال حيث انقسمت الجماعة إلى تيارين، تيَّار معتدل نسبيًّا يقوده الشيخ د.أحمد الإمام، والشيخ نور علي جامع، ود.أحمد طاهر أويس، وتيَّار متشدد يعتبر التيار الأول بعيدا عن السَّنة والمنهج، وهذا التيار يقوده طلبة شبَّان عادوا من اليمن، ويؤيِّده بعض المشايخ مثل الشيخ أبتدون ود.عثمان معلّم وغيرهما.

ثالثا: جماعة الاعتصام بالكتاب والسنَّة:

بعد حرب لوق في أواخر عام 1996م واجهت حركة الإتحاد الإسلامي تحدَّيات كبيرة، وقد انفصل عنها عدد كبير من الأعضاء والكوادر عارضوا عسكرة الدعوة والاستمرار في الجهاد المسلَّح، في حين عزم أعضاء آخرون مواصلة الجهاد المسلَّح وتحوَّل إلى التيَّار الجهادي.

قال الشيخ عبد القادر غعمي: ” تلك الحروب التي خضناها دون التأكد من موافقتها للشرع، ودون أن تكون الدعوة مهيأة لها، كانت منزلقا خطيرا؛ وحتى الآن لم تتم المحاسبة الجادة، مع أنَّ الاعتراف بالخطأ خطوة أولى لتصحيح المسار”.

أقول: بعد حرب لوق أدرجت الدول الغربية وإثيوبيا اسم (الاتحاد الإسلامي) على القائمة السوداء للمنظَّمات الإرهابية، ومن هنا جاءت فكرة تغيير الاسم وأسلوب التغيير والدعوة.

قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” قامت حركة الاتحاد الإسلامي بمراجعات ذاتية في أسلوب عملها، فتركت سياسة استخدام القوة، ونشطت في مجالات التعليم والدعوة والعمل الخيري، وغيَّرت اسمها إلى (جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة)”.

وقال د.عمر إيمان: ” بعد خروج جماعة السلفية من الاتحاد، قامت حركة الاتحاد الإسلامي بتنظيم صفوفها وترميم العلاقات بين أفرادها، ثم خطت خطوة إلى الأمام ففتحت حوارا مع التجمُّع الإسلامي للانقاذ في الشمال للتوحُّد معه ليواجه الأحداث الجسام التي تتطلب مزيدا من الصلابة وتوحيد الصف الداخلي، فكان لها ما أرادت، حيث تم الاتفاق بين الطرفين في مدينة لاسعانود على الدمج بين الحركتين، وتوحيد الجماعتين تحت اسم الاعتصام وذلك في عام 1996م، وقد صادف ذلك سيطرة الإثيوبيين على منطقة غدو آخر معاقل الاتحاد الإسلامي التي كانت تحت سيطرته منذ ما يزيد على أربع سنوات؛ ثم إن الاعتصام غيَّر استراتيجيته في المواجهة مع القوات الإثيوبية إلى حرب العصابات، وكان ذلك مكلفا للقوات الإثيوبية …إلا أن الاتحاد الإسلامي بادر بسحب تلك القوة المنتشرة في المنطقة التي كانت تشن حرب العصابات.

وبهذا تكون جماعة الاعتصام قد اتخذت قرارا بالانسحاب من المعارك كلها، وإلقاء السلاح، وتفكيك المعسكرات، وتسريح الجنود، وجمَّدت جميع الأنشطة الجهادية وأوقفتها تماما نظرا للصعوبات التي اعترضت سبيل الجماعة، وكلَّفتها كثيرا من الخسائر في الأموال والأنفس إلى أن تحين الفرصة وتتضح المعالم”.[4]

أقول: لكن بعد تجربة المحاكم الإسلامية ودخول القوات الإثيوبية إلى الصومال عادت الجماعة إلى السماح بالعمل المسلَّح، وساهمت في أنشطة المحاكم الإسلامية، غير أن انشطار تحالف إعادة تحرير الصومال عام 2008م مثَّل أكبر أزمة في تاريخ الحركة حيث إن التيار الجهادي برز كقوَّة كبيرة في الساحة الصومالية، وانقسمت جماعة الاعتصام ما بين مؤيَّد لحكومة شيخ شريف وعضو في وزرائها، وما بين معارض وعضو في الحزب الإسلامي الذي تحوَّل إلى حركة الشباب.

لكن بعد محاولة المصالحة التي قادها العلماء الكبار في الجماعة ورفضها تيَّار السلفية الجهادية بل واعتبر هؤلاء العلماء عملاء وخونة، حصل الانفصام الفكري النهائي بين جماعة الاعتصام وبين التيار السلفي الجهادي في الصومال.

وفي مؤتمر الجماعة في غرووي عام 2010م تبرَّأت جماعة الاعتصام من نشاطات وأفكار حركة الشباب الجهادية والفكرية، وعندما تصالحت جبهة تحرير الصومال الغربي – وهي جناح الجماعة في الصومالي الغربي – مع النظام الحاكم في إثيوبيا أصدر الشيخ حسَّان حسين المقرَّب من الفكر السلفي الجهادي والمقيم في نيروبي فتوى بردَّة معظم قادة الجبهة الإسلامية في الصومال الغربي، وناصر أيضا فتوى صدرت من الصومال بحكم الرّدَّة على كوادر وقيادات ومشائخ جماعة الاعتصام في الصومال، وإثرها ثم اغتيال كل من الشيخ د.أحمد حاج عبد الرحمن في بوصاصو، والشيخ عبد القادر نور فارح غعمي في غرووي.

---------------- هوامش -----------------------
  1. ” الإسلاميون الصوماليون” ص:47. []
  2. “حقائق عن الجماعات الدعوية في الصومال”، ص:22. []
  3. “حقائق عن الجماعات الدعوية في الصومال” مرجع سابق. []
  4. “تجربة المحاكم الإسلامية” ص: 76-77. []
%d مدونون معجبون بهذه: