الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [8]

سابعا: حركة التجمُّع الإسلامي (الإخوان المسلمون المحلِّيون):

كان الشيخ العالم الفاضل محمد معلّم حسن الذي درس في الأزهر إلى مرحلة الماجستير رائدًا للصحوة الإسلامية في الصومال ومُلهِمَها الأوَّل بلا منازع، وإليه يعود الفضل في إرشاد الشباب الصوماليين وعودتهم إلى التعاليم الدينية في وقت كانت الأفكار الليبرالية والاشتراكية تسيطران على الساحة السياسية والاجتماعية في الصومال في الستينيات والسبعينيات، وكانت حلقته في مسجد (مقام الشيخ عبد القادر) في مقديشو أكبر حلقة احتضنت الصحوة الإسلامية.

إلا أنَّ الشيخ محمد معلم – وإن كانت عنده نزعة إخوانية، وكان يلقي درس التَّفسير الحركي الذي أعجب به الناس- فإنه لم يصبح عضواً في التنظيمات التي ظهرت في أواخر الستينيات والسبعينيات، بل كان مستقلا عنها حتى تم اعتقاله.

وعندما اعتنق معظم أعضاء “الجماعة الإسلامية” الفكر السلفي وخرج الشيخ من السجن عام 1982م اصطدم بنقاشات مريرة حول توحيد الأسماء والصفات والشرك والبدع وغير ذلك، ودار بين الطلبة المتحمِّسين وبين الشيخ جدال طويل، حتى استاء عدد من مريدي الشيخ من أعضاء الجماعة الإسلامية من نهجهم، وانسحبوا من (الجماعة الإسلامية)، كما ذكرنا ذلك في موضعها.

قال د.عمر إيمان: ” حينما أطلق سراح الشيخ محمَّد معلم من السجن، واجتمع به قادة الجماعات الإسلامية، وعرضت عليه كلُّ جماعة منهجها أبدى تحفُّظه من ذلك، وخطَّ لنفسه منهجا ذا توجُّه إخواني، ودعا الشباب إليه، واستجاب له من كلِّ التكتُّلات السابقة عددٌ تكوَّنت منه فيما بعد جماعَةٌ عُرفت بالإخوان المحليين، ثم بالتجمُّع الإسلامي في الجنوب”.[1]

أقول: تأسست في الثمانينيات جماعة (الإخوان المسلمون) مِن أعضاء انشقُّوا عن الجماعة الإسلامية، وتولَّى الشيخ يوسف علي عينتي – الذي استقال من حركة الإصلاح – رئيسًا لها، واختارت الجماعة الشيخ محمد معلم زعيما روحيا ومرشدًا لها، باعتباره صاحب الفضل في نشر الفكر الإخواني في الصومال.

قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” كانت الحركة عبارة عن تنظيم له أطُره وهياكله الإدارية بجانب مجموعة من مريدي الشيخ الذين ارتبطوا به ارتباطا روحيا، وكانوا تلامذة مباشرين له أو تتلمذوا على أيدي تلامذته، أو من خلال دروسه ومحاضراته المسجَّلة.

وهذه المجموعة قد بقيت على ولائها لتعاليم الشيخ، وارتبطت به فيما بعد عندما أفرج عنه وبدأ حلقته في تفسير القرآن الكريم مرة أخرى في مسجد الشيخ عبد القادر في مقديشو، وانضمَّ إلى الدروس أعضاء جُدُد من الشباب المتلهَّف لهذا التفسير الحركي للقرآن، والمستمدُّ من ” ظلال القرآن” لسيد قطب، وهذه المجموعة لازمت الشيخ بعد الحرب الأهلية، ولم تنضم إلى الجماعات الأخرى الموجودة، وبعد وفاته أيضا أبقوا على علاقتهم ورابطتهم الروحية بالانتماء إلى الشيخ، ولذلك أطلق عليهم (آل الشيخ).

وطوال مسيرة “حركة الإخوان المسلمون” في الصومال كانت هذه المجموعات على هامش التنظيم، وكان اسم الحركة يطلق على التنظيم وعلى مريدي الشيخ، وكان من بينهم علماء مثل بعض الأئمة في مساجد مقديشو، وأشهرهم سبعة علماء، كان يطلق عليهم وفق مصطلح أهل مقديشو (سبعة مساجد) أي المساجد السبعة، والمقصود هو أئمتها، ومن هؤلاء الشيخ عبد القادر علي عمر وزير الداخلية في حكومة شريف شيخ أحمد”.[2]

أقول: في أوائل فبراير 1991م أسس علماء صوماليون (مجمع علماء الصومال) وناقشوا في كيفية ملء الفراغ الذي تركه انهيار النظام، واختير الشيخ محمد معلم رئيسا له، غير أن حركتي الإصلاح والاتحاد الإسلامي انسحبتا من الاجتماعات التمهيدية لتأسيس هذا الكيان، وأصدرت حركة الإصلاح بيانا تندد فيه بالمؤتمر.

قال الشيخ أحمد عبدي طعسو: “اجتمع قبيل سقوط الحكومة علماءٌ في مقدّمتهم الشيخ محمد معلم حسن، والشريف شرفو، والشيخ إبراهيم سولي- رحمهم الله جميعا- وتوصَّلُوا إلى عقد لقاء موسَّع للعلماء، وبعد خروج الرئيس سياد بري من العاصمة اجتمع أكثر من 700 من العلماء من كل الاتجاهات لمناقشة المستجدَّات الراهنة، وانتهت بإعلان تأسيس هيئة لإنقاذ البلاد سميت بـ “مجمع علماء الصومال”، واختاروا الشيخ محمد معلم حسن رئيسا للمجمع، والشيخ شريف شرفو نائبا أولا له، والشيخ إبراهيم محمد علي (إبراهيم سولي) نائبا ثانيا له، والشيخ علي محمود حسن (علي وجيز) سكرتيرا عاما للمجمع، وكان المجمع يضم كلَّ الاتجاهات الدعوية آنذاك، ولكن الحماس انطفأ بعد فترة؛ فبدأ بعض الحركات بالانسحاب، ففي البداية انسحبت حركة الإصلاح، وبعدها انسحبت حركة الاتحاد الإسلامي (الاعتصام حاليا) ثم انسحب أيضا بعض الطرق الصوفية، وبقي في المجمع الحركة التي كان يقودها الشيخ محمد معلم وهي (الإخوان المسلمين)، وكان هو – رحمه الله – مرشدها العام وبعض فقهاء الصومال المستقلِّين، كان هذا تحديدا في عام 1992م”.[3]

أقول: كان توجُّه الشيخ محمد معلم وأنصاره محل انتقاد لحركة الإصلاح التي كانت ترتبط بالتنظيم الدولي للإخوان منذ تأسيسها، وقد وجَّه الأستاذ حسن محمود عبد الله الذي ألَّف كتابا في “تاريخ حركة الإصلاح”، – وهو من كوادر “الإصلاح” الإعلاميين – انتقادًا لاذعًّا للشيخ محمد معلم ومدرسته، فقال: “خرج الشيخ محمد معلم حسن من السجن عام 1982م ولم يحدد توجُّهَاته في الوهلة الأولى، وشقَّ طريقا خاصا له لم يكن إخوانيا ولا سلفيا، وسمى جماعته بآل الشيخ، حيث أضاف بلبلة جديدة، وأسَّس مجموعة قبليَّة ناقمة على الجماعات الإسلامية كلها، بغضّ النظر عن منهجها،… وهم مجموعة انفصل بعضها عن السلفية، وبعضها عن حركة الإصلاح، ومنهم يوسف علي عينتي، ومحمد رشاد معلم إسحاق، ومحمد عول وغيرهم، وسمّوا أنفسهم بالإخوان المسلمون، وكان الجامع بين تلك العناصر كلها هو التعاطف القبلي فقط ليس إلا”.[4]

أقول: حاشا أن يؤسّس الشيخ العالم الفاضل محمد معلم تنظيمًا قبَليًّا سلبيا، بل إنه لم يُوصِ بالتأسيس ولا سمَّى الجماعة بآل الشيخ، والمؤرّخ لابدَّ وأن يتجرَّد من التعصُّب والهوى، ولا لَوم على الشيخ وعلى غيره أن يستقلَّ عن التنظيمات مع قوَّة علمه وفكره ونجاحه وممارسته الدعويَّة، فمَنِ الذي ألزمك حتى تكون عضوًا في تنظيماتٍ ضيّقة، فيسَعُ للشخص أن يكون حركيًّا كما يسع له أن لا يكون عضوا في أيّ تنظيم حركي، وكذلك النَّجاح غير مرتبط أصلا بارتباطك مع تنظيم حركي، كما تعتقده شريحة كبيرة من الحركيين اليوم مع الأسف.!!

تأسيس حركة التجمُّع الإسلامي:

في عام 2000م تم تأسيس (التجمُّع الإسلامي في الصومال)، ليحلَّ محل جماعة الإخوان المسلمون المحلية، ولِيَشْمل أيضا فئات من مريدي الشيخ محمد معلم، الذين لم يكونوا من ضمن الحركة تنظيميا، وذلك لإنشاء هياكل تنظيمية جديدة تواكب مع المتطلبات العصرية.

قال الشيخ أحمد عبدي طعسو: “كان هناك نوعان من الإخوان في الصومال: أحدهما دولي مرتبط بالإخوان الدولي، وثانيهما إخوان محلي، وهذا الأخير كان يرأسه الشيخ محمد معلم حسن، وبعد وفاة الشيخ رحمه الله- الذي كان مرشدها وصاحب التوجيه-؛ بقيت مجموعات عدَّة مرتبطة بالشيخ انتماءً وليس تنظيما، وفي وقت لاحق اجتمعت تلك الروافد، وتوحدت تحت اسم : “التجمع الإسلامي في الصومال” وحركة التجمع جزء من [مجمع العلماء]، الذي هو رابطة عامة تضمُّ التجمع وغيرها من الوحدات الدعوية”.[5]

أقول: من كوادر الحركة الشيخ أحمد طعسو، رحمه الله، والشيخ يوسف علي عينتي، والشيخ عبد القادر علي عمر، والشيخ شريف شيخ أحمد، الرئيس السابق للصومال، والشيخ محمود إبراهيم سولي، والدكتور عبد القادر معلم غيدي، وحسن حيلي، وعدد كبير من الكوادر.

قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” بعد الترتيبات التي جرت في صفوف الحركة عام 1999م، وبعد ظهور (التجمُّع الإسلامي) من خلال دمج المنظّمين في حركة الإخوان مع الهوامش من مريدي الشيخ وتلامذتهم، وضعت الحركة استراتيجية جديدة تهدف إلى تفعيل نشاطها الدعوي، وتقوية تأثيرها في الساحتين السياسية والاجتماعية، فزادت دروسها ومحاضراتها وخطبها في المساجد والمراكز العامة، ووثقت صلاتها مع رجال الأعمال والأعيان من خلال عملها في المحاكم الشرعية التي أنشأتها القبائل لتعزيز الأمن والاستقرار، وقد مكَّن ذلك كله الحركة من الإمساك بقيادة المحاكم الإسلامية، وفي عام 2005م كان 10 من رؤساء المحاكم من أصل 11 محكمة اتَّحدت تحت مظلة تحاد المحاكم الإسلامية ينتمُّون إلى التجمُّع الإسلامي، وهذه الخطَّة هي التي جعلت الحركة تلعب دورا ملموسا في السياسة الصومالية منذ 2003م وحتى الآن 2010م”.[6]

أقول: وفي فترة المحاكم الإسلامية وما بعدها من دخول القوات الإثيوبية البلد ركب عدد كبير من الشبَّان المنتمين إلى الحركة موجة التطرُّف والتكفير على الرغم من انحصار ذلك بعد الانفصام الفكري بين حركات المقاومة الصومالية عام 2008م.

قال الأستاذ محمد عمر أحمد: ” يلاحظ المتابعون أن الجماعة [عاشت] في حالة ازدواجية فكرية ملفتة للنظر؛ حيث كان هناك توجها إخوانيا معتدلا عند الاتجاه للقمة، وتوجها سلفيا جهاديا عند التوجه نحو القاعدة العريضة من شباب الجماعة”.[7]

وقال د.محمد علي إبراهيم المراقب الأسبق لحركة الإصلاح: ” التجمُّع الإسلامي إخوانيون طبعا، لكن يطلق عليهم ” الإخوان المسلمون المحليون”، ولم يرفض الشيخ محمد معلم أن يكون عضوا في تنظيم الإخوان الدولي، بل كان مستعدا لذلك، لكن “الإصلاح” قطعوا عليه الطريق، والمسألة نفسها تكررت مع “الجماعة الإسلامية” التي تطورت إلى”الاتحاد الإسلامي” والتي قامت نتيجة تعنُّت ورفض قيادات من “الإصلاح “لتشكيل كيان دعوي أوسع.

وحركة التجمع الإسلامي كانت لها جهود كبيرة في الداخل، حتى إنه في أيام المحاكم الإسلامية كانوا رؤساء 9 محاكم شرعية من بين 12 محكمة كونت الائتلاف سنة 2004م”.[8]

أقول: لكن حصلت هناك محاولة للتوحيد بين حركة الإصلاح وحركة الإخوان المحلية عام 1998م، إلا أنها فشلت في مهدها.[9]

وبعد فوز الشيخ شريف شيخ أحمد بقيادة الحكومة الانتقالية أواخر يناير 2009م توغَّلت الحركة في الأجهزة الحكومية المختلفة، واستفادت من ذلك، حتى فوز حسن شيخ محمود برئاسة الصومال في سبتمبر 2012م، وتقلَّص دور الحركة في الحكومة.

---------------- هوامش -----------------------
  1. “تجربة المحاكم الإسلامية” ص:66. []
  2. ” الإسلاميون الصوماليون” ص: 49-50. []
  3. حوار مع الشيخ أحمد طعسو، أجرى معه صديقنا الفاضل محمد عمر في تركيا، ونشر في الصومال اليوم. []
  4. ” تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية” ص:  44و91. []
  5. حوار مع الشيخ أحمد طعسو، مرجع سابق. []
  6. ” الإسلاميون الصوماليون” ص: 52 []
  7. “خريطة الحركات والقوى الإسلامية في الصومال”، مقـال نشر على موقع إسـلام أون لايـن. []
  8. حوار مع د.محمد علي إبراهيم، مرجع سابق. []
  9. “تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية”، حسن محمود عبد الله، ص: 199. []
%d مدونون معجبون بهذه: