الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [6]

خامسا: الحركة الإسلامية (الإصلاح):

في 11 يوليو 1978م أُعْلِن في الرياض عاصمة السعودية عن ميلاد حركة إخوانية صومالية جديدة باسم (الحركة الإسلامية في القرن الإفريقي “الإصلاح”)، وذلك بالتزامن مع ميلاد الجماعة الإسلامية التي حلَّت محل حركة الأهل، بعد أن انفصل الشيخ عبد القادر شيخ محمود بجماعته التي عرفت فيما بعد بجماعة التكفير، نشرت الحركة خبر تأسيسها في مجلَّة المجتمع الكويتية في العام نفسه، ووزَّعت البيان التأسيسي في موسم الحجِّ.

قال الأستاذ محمدالأمين الهادي: ” معظم مؤسّسي حركة الإصلاح انتموا إلى جماعة الأهل بقيادة الشيخ عبد القادر شيخ محمود، وفُصِلُوا منها في حدود 1975م، وقد دَرسُوا في الجامعات السودانية والسُّعودية (جامعة الخرطوم، وجامعة أم درمان الإسلامية، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة)”.[1]

وقال الشيخ محمد غَريَري: “أثناء اشتغالي مع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والدعوة والإرشاد بوظيفة خبير في الشئون الإسلامية بإفريقيا في السعودية أسَّسنا الحركة الإسلامية في القرن الأفريقي (الإصلاح)، وكان المؤسسون محمد يوسف شيخ عبدي، وعبد الله أحمد عبد الله، وأحمد رشيد شيخ حنفي، والدكتور علي الشيخ أحمد، واختاروني مراقبا للحركة.”.[2]

أقول: قبل أن نتطرَّق إلى حركة الإصلاح كحركة إسلامية إخوانية عريضة ومشهورة في الساحة الدعوية الصومالية، نتناول ظروف نشأة هذه الحركة وكيفية بروزها في السعودية.

يقول الشيخ عبد القادر غعمي في ” مذكِّراته” : “لحِقَ بنا في السعودية الدكتور علي الشيخ أحمد، ومحمد يوسف عبدي للالتحاق بالجامعات السعودية، وقد مرَّا بالسودان والتقيا بأحمد رشيد حنفي، وكنَّا في الجامعة حوالي عشرة من الشباب المنتمين لحركة الأهل والمتعاطفين معها، وقد ترأسهم بعض الوقت الدكتور علي الشيخ، والدكتور علي ورفيقه أَخْفَوا في أنفسهم أمرًا لا يريدون البوح به، ولكن عرفنا من لحن كلامهم أنهم نظَّموا أنفسهم في إطار تنظيم سرّي، وكانت الفرص سانحة لإجراء اتّصالات برموز الإخوان الذين لجأوا إلى أرض الحرمين من بطش عبد الناصر”.[3]

أقول: ما هو الأمرُ الذين كانوا يخفون في أنفسهم، في وقت كان يستعدُّ معظم من رفض الفكر التكفيري في جماعة الأهل لإنشاء كيان دعويّ أشمل بديل عن “الأهل”؟.

يقول المراقب الأسبق لحركة الإصلاح د.محمد علي إبراهيم: ” عندما اتصلتُ بجامعة محمد بن سعود الإسلامية، وانتقلتُ من كينيا إلى السعودية، كان هناك اتفاق لإنشاء كيَّان عام يشمل الدعاة، لكن قياديين من جماعة “الإصلاح” تعجَّلوا، وأعلنوا إنشاء “حركة الإصلاح” من طرف واحد،.. وحوَّلوا “الإصلاح” إلى تنظيم مغلق، وقد نتج عن تعنُّتِهم إنشاء “الجماعة الإسلامية”،… وهذا دليل على أن التعنُّت، وغَلْق الأبواب دون الآخرين وعدم تقديرهم – دائما – له نتائج وخيمة، ويزيد من المشاكل والتفرق،! وهؤلاء الشخصيات من “الإصلاح” هم يتحمَّلون مسئولية التصدُّع الذي حدث في ذلك الوقت”.[4]

أقول: قضيَّة التعجيل بتأسيس حركة الإصلاح لم ينفرد بذِكرِها د.محمد علي إبراهيم، فقد قال الشيخ علي ورسمه: “كان معظم الشباب في أوَّل الأمر على فكر الإخوان، والشباب – دائما – تستهويهم التنظيمات لرغبتهم في الانتماء، و”الإصلاح” أَسرعوا في تأسيس جماعة، وأسرعوا في ضمِّي في جلستهم الثانية في الرياض عقب التأسيس مباشرة، وأنا أعدُّ الماجستير”.[5]

وقال الشيخ عبد القادر غعمي: ” كان يريبني من الدكتور علي [الشيخ أحمد] ورفاقه انتقادهم لدرس الشيخ محمد معلم، وكنتُ أرى أن درسه مُفِيدٌ للدَّعوة رغم أنَّ الشيخ محمد معلم نفسه كان ينعتنا بــ(الوهابية)، وفهمتُ فيما بعدُ أنهم – بانتقادهم له – يريدون إبعاده عن الساحة الإخوانية لينفردوا بالأمر، وعندما وصل الشيخ محمد أحمد نور (غريري) إلى السعودية فارا من بطش الحكومة الشيوعية وجد الترحيب وتأسّست حركة “الإصلاح”، … وفي وقت لاحقٍ أعلنت قيادات (الإصلاح) انضمامهم إلى التنظيم الدولي للإخوان”.[6]

أقول: وعندما وصل الخبر إلى الجماعة الإسلامية التي أعلَنَت للتوّ تأسيسها في المدينة المنوَّرة أرسلت وفدًا إلى حركة الإصلاح في الرياض لتوحيد الجماعتين الجديدتَيْن، فاتَّصل عبد العزيز فارح، وعبد الله ديريه أبتدون – وكانا من قياديِّي الجماعة الإسلامية – بالشيخ عليّ ورسمه العضو الجديد في ” الإصلاح”، ورتَّب بين الجانبين لقاءً، يقول الشيخ علي ورسمه: ” حين اجتمع الطرفان اقترح الاثنان توحيد الإدارتين طالما أنه لا توجد هناك فُروق سوى الإدارة، أو حلّهما وتشكيل إدارة جديدة موحدة، ولم يكن هناك خلاف في مسائل أخرى البتة، فقال الإصلاحيون: نحن عندما فكَّرنا في تأسيس الجماعة دعَوْنا أفرادا من مؤسّسي الجماعة الإسلامية قبل أن يؤسسوها، وأعلمناهم بنيتنا في تأسيس حركة ولم يجيبوا بل أصمُّوا آذانهم وأسسوا تنظيما آخر، وأصر هؤلاء (الإصلاح) على موقفهم وقالوا : لا نعترف بكم فانضمُّوا إلينا، واعتذر الآخران بأنهم لم يعلموا بالأمر، وقالا :هناك ظروف تمنع ذلك كالضغوط من قبل حكومة سياد بري وقالا : إن جماعتنا أصبحت أمرا واقعا بالفعل، ونحن مستعدُّون لتوحيد العمل الإسلامي، وحين لم يحصل التوافق، ووصلت المناقشات إلى طريق مسدود انفردت بالإصلاحيين وقلت لهم: أفرضوا أنهم علموا بتأسيسكم للجماعة ..فلماذا تعارضون التوحُّد معهم أصلا”؟.

وقال الشيخ محمد غَرْيَري وهو يتحدَّث عن تلك الأجواء: “لم نلبث أن واجهتنا مشكلة الاختلافات، فبعض الإخوة لم يستسْغوا في عدم إخطارهم بالأمر وغيابهم في جلسة التأسيس، لأنه لم يكن ممكنا جمع عدد كبير من الناس في مكان واحد، وقالوا: نبدأ من الصّفر، وقلنا لهم: هذا هَدم، وفيما بعدُ شارك معظمهم في تأسيس التنظيم السلفي، وكان منهم عبد العزيز فارح الذي قُتل في حرب سليط ضد عبد الله يوسف، والحركة طبعا لم تكن مبرأة من كل عيب فلها مساوئها ولها محاسنها”.[7]

وعندما فشل الدمج بين الجماعتين انسحب الشيخ علي ورسمه من عضويَّة حركة الإصلاح، قائلا: “كان [ذلك] مبعث اليأس من الاتّحاد معهم، فهم [حركة] كانت تترأَّسهم مجموعة صغيرة كانت بمثابة مجلس الثورة المصغَّر احتكرت القيادة، وليسوا مستعدّين لأيِّ تغيير يقبلون فقط من ينضم إليهم”.[8]

حركة الإصلاح: الأهداف والرؤيا:

قال الأستاذ حسن محمود عبد الله: ” حركة الإصلاح في الصومال هي حركة إسلامية وطنية تستهدف إصلاح المجتمع الصومالي في جميع جوانب الحياة، فقد ساهمت بإعادة هوية المجتمع الصومالي بعد محاولات السلخ عنه، وجعلت الإسلام عملا شعبيا لا تحتكره جهة مهما كان نوعها، وأعادت حيويته ليصبح سلاح المحرومين ضد الفساد والطغيان، وقدمت الحركة رؤية مفادها أن الجامع الوحيد المتبقّي للشعب الصومالي كعاملٍ للوحدة بعد الانقسام القبلي هو الإسلام فقط، .. وتعمل الحركة على رفع مستوى الالتزام الفردي والجماعي بالقيم والمبادئ الإسلامية، وفق منهج الوسطية والاعتدال المستمدّ من مقاصد الشريعة، وفي إطار الإلمام بالواقع المحلي والعالمي، وتسعى إلى إيجاد مجتمع صومالي حرّ متطور، يستوعب المبادئ والقيم الإسلامية، وتترسَّخ فيه مبدأ الشورى والعدالة والمساواة.. وتسعى الحركة إلى تقوية العلاقات الأخوية بين الشعوب الإسلامية والعربية والإفريقية، …وإلى إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع في جميع جوانب الحياة وصولا بها إلى الحكم الراشد الذي يتخذ من الإسلام منهاجا له”.[9]

أقول: ومنذ نهايات الثمانينات وأوائل التسعينات أصدرت حركة الإصلاح بيانات وتقارير متعددة تعبّر فيها عن رؤيتها حول ما يحدث في الصومال الذي دخل مرحلة حرجة، والحلول الفكرية والسياسية التي تراها مخرجا من الأزمة التي تعصف بالبلاد، “ولأجل وجود أعضائها المؤسّسين في الخليج استطاعت الحركة التواصل مع قيادات الإخوان المسلمين، وإقناعهم باعتماد الحركة عضوا في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وقد تمَّ ذلك في عام 1989م، وهي الحركة الوحيدة التي حظيت بذلك بعد زيارة قيادات من إخوان التنظيم الدولي لبعض مناطق وجودها، وإطلاعها على أوضاعها عن كثب وموافقتها على نهجها”.[10]

ومن الأعضاء البارزين الذين انضمَّ إلى الحركة محمد علي إبراهيم، وعبد العزيز حاج أحمد، ونور بارود غُرْحَن، وعَدَوْ طيري، ومحمود شيخ فارح (أخي)، ومحمد شيخ رشيد، وحسن محمد إبراهيم، وعلي محمود، وحسن دهيه أحمد، وعيسى شيخ أحمد، وإبراهيم الدسوقي، وأحمد حسن القطبي، وعبد الرحمن باديو وخلق كثير، ثم اتسعت الحركة وازداد المنتسبون إليها في داخل الصومال.

قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” اعتمدت الحركة في البداية علنيَّة الدعوة وسريَّة التنظيم في أواخر [الثمانينيات][11]، وخاصة عام 1988م بعد أن تضغضغ نظام الحكم، ورأت الحركة ضرورة توسيع قاعدتها، وهنا بذلت الحركة جهدا كبيرا في إظهار التمايز بينها وبين السلفية، وخاصة “الاتحاد الإسلامي”، الذي كان معظم المجتمع لا يفرق بينها وبينه، ولا سيما وقد لحق بالسلفية تشويه كبير جراء مواجهتها مع العلماء الصوفية التقليديين، والمواجهات الدموية بالمُدْيِ داخل المساجد، فيما سمّي بـ”تحرير المساجد” من المبتدعة، واستطاعت الحركة جزئيا التمايز بعد جهد جهيد عن الفكر السلفي، وإبراز فكرها الإخواني بعد المواجهات العسكرية التي خاضتها حركة الاتحاد الإسلامي ضد جبهة (SSDF)، بشرق الصومال في منتصف عام 1992م”.

أقول: ومنذ تأسيسها في الرياض عام 1978م أصبح الشيخ محمد غَرْيَري مراقبها العام حتى سفره إلى كندا عام 1990م، فاختير د.محمد علي إبراهيم مراقبا لها حتى عام 1999م، وكان الشيخ نور بارود غُرحَن نائب المراقب وممثّل الحركة في الصومال، وكذلك الشيخ محمد شيخ رشيد.

قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: “كان من إنجازات الحركة في فترة التسعينيات رغم ظروف الحرب في أنحاء البلاد انضمام عدد كبير من شرائح المجتمع بطبقاته المختلفة إلى الصف، كما استوعبت عددا كبيرا من قيادات حركة وحدة الشباب الإسلامي وحركة آل الشيخ، وذلك في إطار سياسة الحركة التي كانت ترمي إلى توحيد المجموعات الإسلامية ذات التوجُّه الإخواني في تنظيم واحد، كما كان من إنجازاتها إنشاء ” المجلس الصومالي للمصالحة”، بالتعاون مع العشائر والعلماء والطبقة المثقفة، ونجحت في عقد مصالحات بين بعض القبائل ووأد الفتنة، ولكن جهودها في المصالحة لم ترق إلى المستويات السياسية حيث ابتعدت عن المصالحة بين التنظيمات التي كانت تهيمن على الحياة السياسية كما أن جهودها كانت مقصورة على المناطق الجنوبية فقط”.[12]

اتجهت حركة الإصلاح في فترة التسعينيات نحو التنمية البشرية ففتحت عدَّة مشاريع خيرية وتعليمية ملموسة، وكثفت من نشاطها الدعوي، وكانت عدة مدارس ثانوية مهمة في العاصمة مقديشو وخارجها تحت رعايتها، وقد افتتحت الحركة في أحياء عديدة بالعاصمة مركزاً تأهيليًّا، وكانت البرنامج الدعوية للحركة قوية جداً سواء المحاضرات أو الندوات في تلك المراكز أو في الخلاوي القرآنية المهمة، أو الدروس الفكرية والدعوية في المساجد، وفي عام 1997م افتتحت الحركة (جامعة مقديشو) التي أصبحت فيما بعدُ من أهمّ الجامعات في الصومال في الوقت الحاضر، ويعتبر عام 1998م بالنسبة للحركة العام الذهبي حيث بلغ برنامجها الدعوي الذروة في مقديشو خصوصا وفي جنوب الصومال عموماً.

إلا أن الخلافات والصراعات الداخلية بدأت تدبُّ في أوساط الحركة بعد تعيين د.علي الشيخ أحمد أبوبكر كمراقب ثالث للحركة عام 1999م، لاسيما بدءًا من عام 2001م ومرورا بفترة المحاكم الإسلامية، ويمكن أن نفرد لها حلقة كاملة مفصَّلة في إطار الحديث عن تأثيرات هذه الثورة الإسلامية.

---------------- هوامش -----------------------
  1. ” الإسلاميون الصوماليون” ص:36 []
  2. حوار مع الشيخ غريري، مرجع سابق. []
  3. “مذكرات ذاعية”، للشيخ عبد القادر غعمي. []
  4. حوار مع د.محمد علي إبراهيم، مرجع سابق. []
  5. حوار مع الشيخ علي ورسمه، مرجع سابق. []
  6. “مذكرات داعية”. []
  7. حوار مع الشيخ غريري، مرجع سابق. []
  8. حوار مع الشيخ علي ورسمه، مرجع سابق []
  9. “تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية”، ص: 73-74. []
  10. ” الإسلاميون الصوماليون” ص:38. []
  11. في الأصل (التسعينيات)، وهو سبق قلم []
  12. “الإسلاميون الصوماليون” ص:40-41 []
%d مدونون معجبون بهذه: