الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [5]

رابعا: الجماعة الإسلامية:

في عام 1978م تأسّست حركة (الجماعة الإسلامية) في المدينة المنورة بالسعودية، وذلك بالتزامن مع تأسيس حركة الإصلاح في الرياض قاله الشيخ عبد القادر غعمي، بل قال الشيخ علي ورسمه إن تأسيس الحركتين كان خلال أسبوع واحد، غير أنَّ د.محمد علي إبراهيم المراقب الأسبق لحركة الإصلاح يرى أن رفض مؤسّسي حركة الإصلاح الاندماج مع الجماعة الإسلامية أدى إلى تأسيس الجماعة الإسلامية، بمعنى أن الجماعة الإسلامية تأسّست إثر تأسيس حركة الإصلاح، وسنأتي لشرح هذا عند ذكرنا لظروف تأسيس حركة الإصلاح فيما بعدُ.

وأَغْرَبَ الشيخُ المخضرم عبد الله عمر نور فذكر أن الجماعة الإسلامية تأسِّست عام 1981م بعد انفصال جماعة التكفير عن جماعة الأهل،[1] وقال الشيخ عكَّاشة إن الجماعة الإسلامية تأسّست 1979م، والقول الأوَّل أصح، لأن الشيخين عبد القادر غعمي وعلي ورسمه كانا موجودين في السعودية وقت تأسيس الجماعة الإسلامية، وهما أعلم بذلك.

قال الشيخ عبد القادر غعمي في مذكِّراته” : “كانت الجماعة الإسلامية امتدادا لحركة (الأهل)، وعلى أنقاضها تأسّست بعد أن انحرف أميرها عبد القادر شيخ محمود واعتنق الفكر التكفيري، وكان هذا قريبا من أيام خروجنا من السجن، تأسّست الحركة في المدينة المنورة دون أن يصلنا الأمر”،إهـ، لكنه انضمَّ إلى الجماعة إثر ذلك، وساهم في تحويلها إلى الفكر السلفي.

وانتخب الشيخ محمود عيسى أميرا للجماعة الإسلامية، وكان من أعضائها النشطين الشيخ عبد العزيز فارح، والشيخ عبد الله ديريه أبتدون، والشيخ محمد عبدي طاهر والشيخ أحمد حاج عبد الرحمن، ود.عبد القادر غري، وخلق كثير في داخل الصومال وخارجها، وانضمَّ إليها المخضرمون من قدماء خرّيجي الجامعة الإسلامية أمثال الشيخ عبد الله عمر نور وعبد الرحمن كارامرطي.

الجماعة الإسلامية تتبنَّى الفكر السلفي:

في عام 1981م تحوَّل فكر الجماعة الإسلامية من الفكر الإخواني إلى الفكر السلفي بفضل تأثير الشيخ عبد القادر غعمي، والشيخ عبد الله عمر نور، والشيخ عبد الرحمن كارامرطي، وأعضاء متخرّجين من الجامعات السعودية.

قال الشيخ عبد القادر عُكَّاشة السَّلفي وزميله: ” أسَّس الذين رفضوا فكر التكفير في حركة الأهل تنظيما جديدا سمَّوه (الجماعة الإسلامية) عام 1979م، وكان منهجهم خليطا بين المنهج السلفي والفكر الإخواني، وفي عام 1981م طرأ تحسُّن في فكر الجماعة واقتربوا من الدعوة السلفية، وسبب ذلك أن المناقشات التي دارت بينهم وبين جماعة التكفير ألجأتهم إلى الرجوع إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم وعلماء الدعوة النجديَّة في الاستفادة منها في الردّ على جماعة التكفير، وزادهم بصيرة في تصحيح بعض الجوانب العقديَّة بعضُ المنتمِّين إليهم من طلاب الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، مع بقاء تكفير الحكَّام المسلمين، والتطلُّع للحكم، والتنظيم الهرمي، وهذا ما قادهم إلى الفتن”.[2]

أقول: الشيخ عكاشة ومن يقول برأيه من جماعة السلفية الجديدة يرون أن حركة الاتحاد الإسلامي التي انبثقت عن الجماعة الإسلامية لم تتبنَّى المنهج السلفي بالكامل، وإنما خلطوا السلفية بالفكر السّروري الإخواني، وسيأتي لهذا شرح عند الحديث عن الجماعة السلفيَّة، إن شاء الله.

قال الشيخ عبد القادر نور غعمي: ” قررنا تبنّي (المنهج السلفي) وصياغة نظام الحركة على ضوئه، دون أن نُعلِن القَطيعة مع كتب الإخوان تدريسًا وقراءة، ولتحديد خيارنا كان هاجس إصلاح العقيدة وتنقية مصادر التراث من شوائب المؤثرات هو الذي كان يسيطر علينا، وأذكر من المشاركين في تلك النقاشات لبلورة المنهج السلفي الشيخ محمود عيسى، وأحمد طاهر أويس، وعبد الله علي حاشي، وعمر لغي من قبيلة حوادلي (هو الدكتور عمر علي عبد الله)، وعبد الواحد حاشي حسن، وهؤلاء كانوا من طلبة الجامعات السعودية”.[3]

الأعضاء الموالون للشيخ محمد معلّم ينفصلون عن “الجماعة الإسلامية”:

في عام 1982م خرج الشيخ محمد معلم من السجن، وكان قد بذر في الشباب بُذور الفكر الإخواني ففُوجئ بتحوُّل الساحة لصالح المدّ السلفي الذي أدهشه، ثم اصطدم بالنقاشات المريرة بينه وبين الشباب المنحازين إلى المنهج السلفي، ولم يتوصل معهم إلى أيّ توافق في المسائل المتعلقة بالعقائد، حتى خلق ذلك أزمة داخل الجماعة الإسلامية التي تحوَّل معظم أعضائها إلى السلفية.

قال الشيخ عبد القادر عكَّاشة وزميله: ” انسحبت مجموعة من أعضاء الجماعة الإسلامية، وآثرت التمسك بالمنهج الإخواني على طريقة شيخهم الروحي الشيخ محمد معلم، بحجة أن الجماعة الإسلامية تحوَّلت إلى المنهج الوهابي، وكان من الذين انفصلوا عليّ عثمان نور (علي غرافاتي)، وعليّ أحمد حلني، وسيّد أبا علي، ومحمد عبد القادر ورسمه، ومحمد شيخ علي عسبله، ولم يكن الشيخ يوسف علي عينتي من الجماعة الإسلامية، وإنما استقال من جماعة الإصلاح، ثم صار قياديًّا في هذه المجموعة المنفصلة”.[4]

وقال الشيخ علي ورسمه: ” انشقَّت من الجماعة الإسلامية مجموعة انحازت إلى الشيخ محمد معلم، وسمت نفسها بـ(جماعة الإخوان المسلمين) برئاسة الشيخ يوسف علي عينتي، وظل الشيخ محمد معلم الرئيس الحقيقي ومرشد الجماعة”.[5]

أقول: وسيأتي لهذه الجماعة المنفصلة شرح مفصَّل حول الحديث عن حركة التجمُّع الإسلامي، إن شاء الله.

الاندماج بين الجماعة الإسلامية ووحدة الشباب الإسلامي:

في عام 1982م حاول زعيم الحركة الإسلامية السودانية الدكتور حسن عبد الله الترابي توحيد الجماعات الإسلامية الموجودة في الصومال في حينها، وهي (الجماعة الإسلامية)، و(وحدة الشباب الإسلامي)، و(حركة الإصلاح)، و(جماعة التكفير).

رفضت كلٌّ من حركة الإصلاح وجماعة التكفير المبادرة.

قال الشيخ محمد غَريَري: ” حاول الترابي استيعابنا، ونحن رفضنا ذلك بشدة، وأعطينا توجيها للشيخ نور بارود (رئيس الحركة في الداخل آنذاك) بالرفض، ولم يكن الرفض من عنده، لأن منهج الترابي كان عندنا موضع نقد، وكنا نعتبر خطه الفكري مغشوشا”.[6]

وقال حسن عبد الله محمود: “بذل الإخوة السودانيون جهودا كبيرة في توحيد الحركات الإسلامية، ولم يترك الدكتور حسن الترابي خلافه مع التنظيم الدولي للإخوان في محله بل نقلها إلى الصومال، وحاول عزل الحركة الإسلامية [الإصلاح] بسبب عضويتها في التنظيم الدولي”.[7]

أقول: لكن الجماعة الإسلامية في الجنوب ووحدة الشباب الإسلامي في الشمال رحبتا بالمبادرة، وسعتا إلى الدمج بين الجماعتين.

قال الشيخ علي ورسمه: ” في البداية كان توحيد الجماعتين توجُّها محليا ولا أذكر دورًا سودانيا، ولكن لا أستبعد وجوده في مراحل لاحقة حسبما استنبطتُّه من المحاورات مع الشيخ محمد معلم بعد خروجه من السجن”.

وقال الشيخ عبد القادر غمعي: ” ظهر توجُّه داخل (الجماعة الإسلامية) يظهر التألُّم من الفرقة، ويتُوقُ لتوحيد الجماعات الدعوية، وأصبح الأمر مطروحا بقوَّة للمناقشة، .. وكان في شمال الصومال حركة (الوحدة) وخليط آخر من الآراء المتفرِّقة والشَّخصيات المستقلَّة، وحين جاءهم الشيخ علي ورسمه، عقدوا لقاءات كثيرة ومناقشات، وأخيرا أجرَوا انتخابات داخل (الوحدة) فاز فيها الشيخ علي ورسمه برئاسة الحركة، أما نحن – الجماعة الإسلامية- فقد كان رئيسنا الشيخ محمود عيسى، وكان هو الذي بشَّرني بأن الشماليين اختاروا الشيخ علي ورسمه، وهذا دليل على أن قضية الرئاسة لم تكن تساوي عندنا شيئا، وهو (يبشرني) لأن الأمل في حدوث الوحدة قوي احتماله، ورأينا بعدها أن نقوم بزيارة إلى الشمال ونحن مجموعة من الدعاة ونجري معهم لقاءات لاستكمال الاندماج”.

” وقد بدا الشيخ علي ورسمه شخصية توافقية يقبلها (الشماليون) ونقبلها (نحن) لكونه محل ثقة عند الجميع، فالتقى به الشيخ عبد الله ديريه أبتدون في المدينة المنورة، وناقشه في الأمر ثم قابلتُه في مكة، واشترك في المناقشات التمهيدية للاندماج كثيرون أذكر منهم عبد القادر محمد عبد الله غري، وأحمد الحاج عبد الرحمن- رحمهما الله تعالى- وهؤلاء وغيرهم اشتركوا في المناقشات التمهيدية للاندماج وكان الحماس الجارف هو الذي يسود الموقف فالتقت الآراء”.[8]

أقول: وفي مارس عام 1983م تم الإعلان عن حركة (الاتحاد الإسلامي) بعد الدمج بين (الجماعة الإسلامية)، وحركة (وحدة الشباب الإسلامي)، واختير الشيخ عليّ ورسمه أميرا لحركة الاتحاد الإسلامي.

لكن بعد فترة وجيزة من الاتحاد ظهرت أزمة جديدة، حيث أعلنت الكتلة الإخوانية في حركة وحدة الشباب الإسلامي انسحابها من الاتحاد مع الجماعة الإسلامية، واستأنفت نشاط حركة الوحدة كجماعة إخوانية مستقلَّة.

قال د.عمر إيمان: ” بعد سنتين من الدمج انفصلت مجموعة من وحدة الشباب الإسلامي ذات التوجُّه الإخواني عن الاتحاد الإسلامي حينما رأوا أن الاتجاه السلفي صار هو المسيطر على الجماعة بعد الدمج، لكن بقيت الأكثرية من وحدة الشباب في الجماعة، وتوقَّف آخرون”.[9]

وقال الأستاذ محمد الأمين الهادي: “بعد انسحاب حركة الوحدة من الاتحاد خسرت الحركة جراء اندماجها مع الجماعة الإسلامية أتباعا كُثُرا، وخاصة من أقاليم لها وزنها، مثل إقليم بورما في الشمال وأتباعهم في جمهورية جيبوتي، وانتسب هؤلاء كلهم إلى الحركة الجديدة ” الإصلاح”، التي أعلنت في المنفى، كما خسرت حركة الوحدة عندما انسحبت من “الاتحاد” عددا لا يستهان بها من الشباب آثروا البقاء مع الاتحاد الإسلامي الذي استأثر به السلفيون، ومنهم الشيخ علي ورسمه، وقد أصبح أميرا للاتحاد الإسلامي بعدما كان أميرا للوحدة.

وأصبح لحركة الوحدة أمير جديد اسمه حسن عبد السلام، كان ميَّالا إلى الفكر الإخواني ويشجِّع الاتصال بالخارج، وقد ساعدت دبلوماسيته في توحيد الجبهتين الخارجية والداخلية عام 1986م”.[10]

وقال الشيخ عبد القادر عكَّاشة: ” كان من بينهم إسماعيل هري طيغ، وعبد القادر حاج جامع”.

أقول: بقيت حركة الوحدة التي انفصلت عن الاتحاد الإسلامي في الساحة، وشاركت في الأمور الاجتماعية والسياسية في الشمال حتى عام 1994م، عندما توحَّدت مع منشقّين عن الاتحاد الإسلامي باسم (التجمُّع الإسلامي للانقاذ)، وهذا التجمُّع أيضا توحَّد مرة أخرى مع (الاتحاد الإسلامي) بعد التخلِّي عن العمل العسكري في مدينة لاسعانود عام 1996م باسم (جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة)، ومن لم يقتنع بذلك انضمَّ إلى حركة الإصلاح، وانتهت حركة وحدة الشباب الإسلامي في عام 1997م.

وسنتكَّلم عن حركة الاتحاد الإسلامي، بالتفصيل في الحلقات المقبلة إن شاء الله.

---------------- هوامش -----------------------
  1. مسيرة الإسلام في الصومال الكبير، ص:225. []
  2. “حقائق عن الجماعات الدعوية في الصومال” ، مرجع سابق، ص: 8. []
  3. “مذكرات داعية”. []
  4. ” حقائق عن الجماعات الدعوية في الصومال” ، مرجع سابق، ص: 43. []
  5. حوار مع الشيخ علي ورسمه، مرجع سابق. []
  6. حوار مع الشيخ غريري، مرجع سابق. []
  7. “تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية” ص:191. []
  8. “مذكّرات داعية”. []
  9.  “تجربة المحاكم الإسلامية” ص:66. []
  10. ” الإسلاميون الصوماليون” ص: 34-35. []
%d مدونون معجبون بهذه: