الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [4]

ثالثا: جماعة الأهل:

تعتبر هذه الحركة التي ظهرت في أوائل السبعينيات أمّ الحركات الإسلامية الصومالية وأشهرها، حيث انتسب إليها معظم أعضاء الجيل الثاني من الصحوة الإسلامية، ومنها تفرَّعت الحركات الإسلامية الموجودة الآن في الساحة الصومالية، وقد اختُلف في تاريخ تأسيسها على خمسة أقوال:

الأول: عام 1968م تقريبا قاله الشيخ محمد أحمد غَريَري، وهذا تخمين منه، ولم يجزمه.

الثاني: عام 1969م تقريبا، قاله الشيخ عبد القادر نور فارح غعمي، وهذا أيضا تخمين.

الثالث: أواخر الستينيات، قاله الأستاذ محمد الأمين الهادي في ” الإسلاميون الصوماليون”.

الرابع: بداية السبعينيات لا أذكر بالتحديد تاريخ تأسيسها، قاله الشيخ علي ورسمه.

الخامس: عام 1973م قاله د.عمر إيمان في كتابه ” تجربة المحاكم الإسلامية”، وتبعه عليه الأستاذ حسن محمود عبد الله في كتابه ” تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية”.

والأقرب إلى الصواب قول الشيخ عبد القادر غمعي، وأن ” الأهل” تأسست بعد شهور من إعلان “وحدة الشباب الإسلامي” في شمال الصومال في أغسطس 1969م، وأسِّست جماعة الأهل بعد ثورة أكتوبر، وقبيل بداية عام 1970م.

أمَّا بخصوص صاحب الفكرة والمبادرة وأول أمير لجماعة الأهل فاختلف فيه أيضا على قولين:

الأول: أنه عبد الكريم حرسي الصوفي اللَّيلكسي القريب من الشيخ عبد القادر شيخ محمود قاله الشيخ محمد غريري، والشيخ عبد القادر غعمي.

الثاني: أنه عبد العزيز فارح، خرّيج إحدى الجامعات السودانية، قاله د.عمر إيمان.

والقول الأول أصح.

قال الشيخ عبد القادر عكاشة وزميله: ” كانت جماعة الأهل في بدايتها صوفية أشعرية”.[1]

وقال الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” بدأت حركة الأهل على شكل طريقة صوفية، وكان هدفها الرئيسي الحفاظ على سلوك وأخلاقيات الشباب في المدارس والمعاهد من الثقافات الوافدة وخاصة عندما بدأت تتوافد فرق كتائب السلام الأمريكية (peace corps) إلى البلاد لتزاحم في الساحة الثقافية الإيطالية المتآكلة، بدعوى تثقيف الشباب الصومالي، وما صاحب ذلك من انتشار بعض السلوكيات المنافية للتعاليم الإسلامية وتقاليد الشعب الصومالي المحافظ، لكن الحركة تحوَّلت بتأثيرات حلقة الشيخ محمد معلم، والمطبوعات الإخوانية التي أصبحت في متناول اليَد سواء في مكتبة منظمة النهضة أو في المكتبات التجارية تحوَّلت إلى حركة إخوانية فاعلة في الساحة الصومالية”.[2]

وقال الشيخ عبد القادر غمعي في ” مذكراته”: “فيما يتعلق بألوان النشاط الدعوي في مقديشو آنذاك لم يكن هناك جهد يُذكر يستحق الذكر سوى درس الشيخ محمد معلِّم، وكان من مثيرات الوعي القوية لدى الشباب الصومالي، وقد بدأ بإلقاء دروس التفسير في أواخر عهد الحكومة المدنية في مسجد المقام (مسجد الشيخ عبد القادر)، والشيخ آنذاك كان مسئولا في دائرة الشئون الدينية في الوزارة، وأعتقد أنه لم تكن له علاقة بتنظيم معين لا بالصوفية ولا بالإخوان.

استمر الشيخ في عمله الإصلاحي وصار له صيتٌ وسمعة بين طبقات المجتمع وخاصة فئة الطلبة والمتعلمين في العاصمة، وفيما بَعدُ أصبح درس الشيخ نقطة الانطلاق والالتقاء، وملتقى التأثير والتشكيل الحركي والاتصال الفردي لاستقطاب الشباب إلى حلقات العلم كدرس الشيخ، فكنتَ تجدُ مجموعة من الشباب يقولون لك: كان السبب في اهتدائي والتزامي فلان، ومن هنا بدأت تبلورت وقويت فكرة حركة الأهل،…التي قادها [في البداية] رجل يدعى عبد الكريم حرسي يقوم على فكرة إسلامية عامة لمواجهة التوجه الشيوعي المتفاقم، وكانت “الأهل” في غاية السرية ومبنية على الأسر والشُعب خوفا من بطش النظام”.[3]

أقول: كان عبد الكريم حرسي صوفيا تقليديا ولذلك لم يعجب الأعضاء منهجه فأطاحوا به على وجه السرعة، واختير قريبه الشيخ عبد القادر شيخ محمود أميرًا للحركة، قاله الشيخ محمد غَريري وغيره.

وكان من أعضاء حركة الأهل من الحركيين المعروفين الشيخ عبد العزيز فارح، وعثمان عبدلي روبلي، وأحمد نور عرب، وعبد الرحمن صلب، ومحمود عيسى، ومحمد عبدي طاهر، وعبد الواحد حاشي، وعبد القادر أو موسى، وأحمد حاج عبد الرحمن، وعبد الناصر حاج أحمد، وعبد الله علي حاشي، وعلي الشيخ أحمد أبوبكر، ومحمد يوسف عبدي، وخلق كثير.[4]

بداية الانشقاقات والخلافات في حركة الأهل:

قال الشيخ عبد القادر غعمي في ” مذكراته”: ” كانت حركة الأهل حركة صوفية بتنظيم إخواني تضم في طيَّاتها أوزاعا من مختلفي المشارب يجمعهم الحماس الذي كان رائد الجميع مع ضعف العلم الشرعي، ومعظم الأعضاء من الأحداث [يعني الشباب] المتأثرين بدرس الشيخ [يعني محمد معلّم] الذي كان يستهدف إعادة ثقة الناس بالإسلام، وقدرته على إصلاح الأمة والنهوض بها وتوجيه دفة الحياة، وأعني بذلك أن درس الشيخ لم يكن مقررا تعليميًّا يترقى بالشباب في مدارج العلم وعلى حسب حاجتهم بقدر ما كان توجيهًا عامًا وحربا على التوجهات المعادية للإسلام”.[5]

أقول: كان أمير الحركة الشيخ عبد القادر شيخ محمود يقف في وجه الخرّيجين من الجامعات في الخارج أمام تغلغلهم في شباب الحركة، ويحذّر منهم خشية استمالة هؤلاء أعضاءَ الحركة الشباب المتحمِّسين، وسَحْب البساط منه، يقول الشيخ غعمي: “كان رئيس “الأهل” عبد القادر شيخ محمود قلقًا من احتكاكي الشديد بالشباب، فكان يحذّرهم مني ويقول: “هو رجل عاقل لكنَّه وهَّابيٌ”!!، وهذا لم يكن مستغربا لأن الجيل الذي سبقنا من خريجي الجامعات السعودية في الساحة أمثال الشيخ محمد غَريري، وعبد الرحمن سمتر أبو حمزة، والشيخ عبد الرحمن يوسف المعروف بــ”كارمرطا”، وطبقتهم كان الناس منقبضين منهم، وينعتونهم بالوهابية، وهذا ما جعلهم يحجمون عن القيام بأنشطة ملموسة في المجتمع”.

وقال حسن محمود عبد الله: ” كان أمير حركة الأهل الشيخ عبد القادر شيخ محمود يعمل لدى شركة الكهرباء الصومالية بعد تخرُّجه من المدارس الإيطالية في مقديشو، ولم تكن لديه ثقافة إسلامية تؤهِّله لقيادة حركة إسلامية في ذلك الوقت، وعلى هذا الأساس لم تكن الحركة تضمُّ في صفوفها إلا شباب المدارس، وكان تحجيم العلماء متعمَّدًا من قِبَل قيــــَادة الحركة…”.[6]

أقول: لكن حدث ما كان الشيخ عبد القادر شيخ محمود يخشاه.

قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” عندما اشتدَّت قبضة السلطة العسكرية على البلاد تحوَّلت الحركة من العلنية إلى السرّية، وانتعشت تعاليمها وأفكارها بين أوساط الشباب في المدارس والجامعات وحلقات المساجد التي كانت أكبر رافد يضخُّ فيها الحياة، ويمدُّها بعوامل الاستمرار،…غير أن الحرب الشعواء التي شنَّتها قيادة الثورة والعلماء التقليديون لمواجهة هذه الحركة .. واعتقال قيادات الحركة وكوادرها أدَّى إلى هجرة جماعية إلى خارج البلاد، وخاصة إلى الدول العربية مثل السعودية والسودان، والاحتكاك بالمدارس الدعوية في هذه البلدان، الأمر الذي أدَّى إلى بروز تيَّارات دعويَّة متباينة في داخل الحركة”.[7]

وقال د.عمر إيمان أبوبكر: ” وعندما خلت الساحة من العلماء الكبار ظهرت اجتهادات في الساحة الدعوية، ولقلَّة العلم الشرعي صارت الساحة مهيَّأة لتقبُّل كل الأفكار دون تمييز”.[8]

اقتنع أمير حركة الأهل الشيخ عبد القادر شيخ محمود بالفكر التكفيري، كما ذكره الشيخ عبد القادر غعمي قائلا: ” بعد أن زادت شكوك النظام العسكري الصومالي تجاه الدعاة كثف من حملة الاعتقالات بشتى الأعذار الواهية، مما ألجأ (جماعة الأهل) إلى الإمعان في العمل السرِّي، والنجاة بأنفسهم قبل وصول القائمة إليهم، وكان ممَّن فرَّ عبد القادر شيخ محمود – رئيس حركة الأهل- إلى كينيا، ومنها توجَّه إلى السعودية، والتحق بالجامعة ولكنه في عطلته الأولى ذهب إلى القاهرة، واقتنع بالفكر التكفيري الذي صار له رواجٌ في مصر، وجلب معه بعض مؤلفات سيّد قطب، ورجع إلى السعودية وقد عزم على نشره في أوسع نطاق، فنجح في توجيه دفَّة الدعوة إلى وجهة جديدة، وتحويل شباب الدعوة قاطبة إلى الفكر التكفيري، ونحن ما زلنا في السجن.

وعندما خرجتُ من السجن رأيتُ أن التكفير قد سيطر على الساحة، وقد أخبرتنا المجموعة التي التحقت بــ”التكفير”، أنهم بقَوا أشهرًا لا يصومون لأننا في العهد المكي، كان انحراف التكفير غريبا جدا يصعب استيعابه على الشعب العادي الذي رأى أفعال شاذة مثل تزويج الفتاة بحضرة وليها بحجة أنه كافر، ولم يكن باستطاعتهم إقناع الناس بهذه الترَّهات؛ فاصطادوا ضحاياهم من عمق البيوتات الدعوية ومن خيرة شباب الصحوة، وبدأ ينتشر فيهم انتشار النار في الهشيم، وفي المراحل الأولى صارت له شعبية وانحاز إليه كثيرون، ولا تسأل ما حدث من هدم الأسر، ومن إساءة لسمعة الصحوة؛ لأن المجتمع في البداية لم يكن يقدر على التمييز”.

أقول: كانت هذه الأزمة بذور الانشقاق في صفوف “الأهل” بل التي ستقضي عليه، فتكوَّنت في داخل حركة الأهل مجموعتان:

الأولى: مجموعة رفضت الفكر التكفيري، وبقيت في فكرها الإخواني، قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: “كان من قيادات هذه المجموعة الشيوخ الثلاث محمود عيسى، ومحمود عبدي طاهر، وعبد العزيز فارح”.

الثانية: مجموعة جنحت إلى التشدد والتكفير متأثرة بأفكار جماعة الهجرة والتكفير في مصر، قال الهادي: ” وكان من قيادات هذه المجموعة الشيخ عبد القادر شيخ محمود رئيس الحركة، وعثمان عبد الله روبله، نائبه”.[9]

دار نقاش في السعودية بين مجموعات تعارض منهج التكفير وبين الأمير عبد القادر، وانحسر الفكري التكفيري في الحركة بفضل جهود خرّيجي الجامعات العربية، وأصدر أمير حركة الأهل قرارا بفصل د.علي الشيخ أحمد أبوبكر، ود.محمد يوسف عبدي من الحركة، ” لِما رأى منهم تغلغلا في صفوف الشباب وتأثيرهم بأفكارٍ اعتبرها تهدم الحركة”.[10]

أما الأعضاء الكبار الذين وقفوا ضد التكفير في داخل حركة الأهل، فإنهم سعَوا إلى إنشاء (الجماعة الإسلامية) لتحلَّ محلَّ حركة الأهل، وكانوا هم أغلبيَّة الأعضاء المقتنعين بالفكر الإخواني في حركة الأهل، باستثناء د.علي الشيخ أحمد، ود.محمد يوسف الَّذَين تريَّثا قليلا حتى تأسيسهما مع الشيخ غَرْيَري وغيره حركة الإصلاح، وسيأتي لهذا تفصيل إن شاء الله.

---------------- هوامش -----------------------
  1. ” حقائق عن الجماعات الدعوية العاملة في الصومال”، إعداد عبد القادر عكاشة، ومحمد بن عبد الظاهر، ص: 7 []
  2. ” الإسلاميون الصوماليون” ص:29. []
  3. ” مذكرات داعية”، مرجع سابق. []
  4. ” الإسلاميون الصوماليون”، و”مذكرات داعية”، وحوار مع الشيخ غريري. []
  5. “مذكرات داعية”، مرجع سابق. []
  6. “تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية”، (ص:34-الهامش). []
  7. ” الإسلاميون الصوماليون” ص: 29. []
  8. ” تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال” ص: 65. []
  9. “الإسلاميون الصوماليون” ص:30. []
  10. ” مذكّرات داعية”، للشيخ عبد القادر نور فارح غعمي. []
%d مدونون معجبون بهذه: