الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [2]

الحركات التحرُّرية التي مهَّدت لظهور الصَّحوة الإسلامية في الصومال:

عندما بدأت المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الغربي للصومال أوائل القرن العشرين الميلادي كان علماء الصوفية هم روَّاد وطليعة الجهاد ضد الاستعمار، ومن أشهر هؤلاء العُلماء السيّد محمد عبد الله حسن التي ينتمي إلى الطريقة الصالحية، وكان ثائرا على الوضع القبَلي في الصومال، ويجعل مرجعيَّته الدين الإسلامي الذي يجمع الصوماليين ويوحِّدهم، فقاد حركة تحررية تركت أثرها على الشعب الصومالي، وكان رائد الوحدة الصومالية ومؤسس فكرة الصومال الكبير، وقد بدأ السيد محمد عبد الله حسن الاتّصال بالصوماليين بمختلف قبائلهم، وتجوَّل في الوطن الصومالي الكبير، وسجَّل هذه الأحداث في أشعاره وحكمه، فكانت ثورته الوطنية الإسلامية اللَّبنة الأولى للنضال القومي الصومالي ضد الاستعمار وضد اقتسام الصومال بين القوى الغربية وإثيوبيا، وسمَّى حركته التي كانت تحكم أجزاءً من شمال وشرق ووسط الصومال باسم (الدَّراويش)، إلا أن الدَّراويش دخلت صراعات داخلية مع قبائل صومالية ومجموعات صوفية منافسة، وقد توفيَّ السيد محمد عبد الله حسن في عام 1921م وهو في عمق الصراع المسلَّح ضدَّ البريطانيين والأحباش.[1]

ومن أشهر المناضلين الصوماليين ضد الاستعمار الإيطالي في جنوب الصومال الشيخ حسن برسني الصوفي الأحمدي الصالحي، والذي توفِّي في عام 1926م بعد أن حبسه الإيطاليون وسمَّموه، وكان له أتباع وأنصار ودخل مع الإيطاليين حروبا مريرة، وأسَّس الشيخ حسن برسني لجماعته مدينة جديدة تسمى (مُبارك جِليالي) (jilyaale) في شبيلي الوسطى، فأصبحت المدينة أقوَى مركزٍ علميّ وثقافيّ في المنطقة، وبدأ الناس يقصدونها من كلِّ مكان لدراسة العلوم الدِّينية والعربية والثقافية.[2]

وكذلك الشيخ بشير شيخ يوسف الذي قاد حركة تحررية في شمال الصومال وأعدمه البريطانيون عام 1947م في مدينة برعو،[3] وغيرهم من المناضلين الذين وقفوا في وجه التنصير والتغريب، وحافظوا على أصالة الثقافة الإسلامية في المجتمع الصومالي وتقوية اللغة العربية والدفاع عنها، والمحافظة على العقيدة الإسلامية.

يقول الأستاذ محمد الأمين الهادي: ” وعلى الرغم من أن هذه الحركات كانت حركات مُقاومة في الأساس إلا أنها لم تكن بعيدة عن الفعل السياسي والاجتماعي رغم كون قادتها من رجال التصوُّف، بيدأنَّ تصوُّفهم كان بعيدًا عن المغالات والخرافات، وهذا ما جرَّ عليهم نقمةَ علماء الصُّوفية التقليديين الذين وصَمُوهم بكثير من الأوصاف غير اللائقة، ولكن الحركة الإسلامية المعاصرة بتيَّاراتها المختلفة في الصومال أسَّست قطيعةً بينها وبين هذه الطليعة [الجهادية] بنِسَبٍ متفاوتة، فبدلا من أن تستلهم [نهج] هذه النخبة من العلماء وأن تربط الشعب بسيرتهم الجهادية العَطِرة تبنَّت فهما أو تفسيرا للإسلام مستوردا من خارج البيئة الصومالية، إذ أن أكثر رموز هذه التَّيارات وكوادرها الأولى كانوا من الطلبة الذين تخرَّجوا من الأزهر الشريف، والجامعات السعودية ثم الجامعات السودانية”.[4]

أقول: لكن الطليعة التحرريَّة أيضا أخذوا إجازات صوفية من الشيخ محمد صالح السوداني المكي خارج الصومال، فأخذوا عنه الطريقة، منهم السيد محمد عبد الله حسن، والشيخ حسن برسني، إلا أن الرجلين لم يمارسا على الأرض إلا خبرتهما وما اكتسباه من البيئة الصومالية، واحتفظا بزعامتهما للطريقة الصالحية كمذهب وطريقة، والحركة الوطنية الإسلامية كممارسة اجتماعية سياسية، أما الحركات الإسلامية المعاصرة فطبَّقت الأيدولوجيات التي استَوردتها من الخارج بأكملها، وجعلتها واقِعًا يتحتَّم على أعضاء التنظيم تطبيقها، وهذا من نقائصها – كما أعتقد – مما حدى بها إلى اللجوء إلى الشرعية عند اختلافهم من مكتب الإرشاد في القاهرة التابع لتنظيم الإخوان المسلمين أو دار الإفتاء السعودي في نجد.

إرهاصات التنظيم الحركي في الصومال:

قال الأستاذ الشيخ عبد الله عمر نور: ” بدأ دخول الصحوة الإسلامية المعاصرة في الصومال في وقت مبكّر في أيدي الأفراد المتعلمين من الخارج لاسيما من السعودية ومصر، وأوَّل من أدخل السَّلفية في الصومال هو الشيخ نور الدين علي علو، وذلك في أيام الاستعمار الإيطالي لجنوب الصومال عام 1952م، وقد نُفي إلى إقليم مدق بوسط الصومال وأدخل في السجن، وانتهت فترة دعوته الأولى بقلَّة الأثر والإنتاج، وبعدها توجَّه الشيخُ إلى مصر لإكمال دراسته في الأزهر، وبعد تخرُّجه وعودته إلى الوطن صادف الاستقلال الوطني عام 1960م وقام بدعوته مجدَّدا، وأسس أول حركة إسلامية في الصومال باسم (جمعية أنصار السنة) حيث تأثر بجماعة أنصار السنة المحمدية في مصر، وعمل لها مركزا في مقديشو، وأضاف أيضا بإدخال دعوته شيئا من التطور حيث جلس شخصيا للتدريس في القرآن، واستفاد منه عدد من الطلاب من بينهم الشيخ عبد الرحمن فولو، والحاج محمود طقني، والشيخ يوسف غيلي وغيرهم، ثم اضمحلَّ التنظيم”.[5]

أقول: ويعتبر الشيخ نور الدين من أوائل من حَاول تأسيس تنظيم إسلامي صومالي وشغل في وزارة الشؤون الدينية في فترة الحكومات المدينة في الستينيات، ولكنه لم يُكتب لتنظيمه –هذا – الاستمرار كما ذكره الشيخ عبد الله عمر نور وهو من المخضرمين.

ويعتبر الشيخ عبد الغني شيخ أحمد آدم الذي تخرَّج من كلية الشريعة بالأزهر الشريف عام 1957م، وعمل في وزارة التربية والتعليم في الستينيات من طلائع الروَّاد الأول، وأسس أوَّل تنظيم إخواني كما سيأتي شرحه.[6]

ويعتبر الشيخ عليّ الصوفي مِن أوائل مَن أدخل الصحوة الإسلامية في الصومال وهو من مواليد مدينة طجحبور في إقليم أوغاوين، تعلَّم العلوم الشرعية في هرر واليمن والحجاز، ثم رجع إلى هرر لكي يتفرَّغ للتدريس، وبعد المضايقة عليه من قبل السلطات الإثيوبية انتقل إلى الصومال بعد الاستقلال، وقام لأول مرة في نشر علوم القرآن وعلى رأسها علْمَا التجويد والقراءات، حيث أقام في مسجده المشهور في مقديشو دراسة متواصلة في حفظ القرآن المجوَّد، ويعتبر الشيخ علي الصوفي أول من بدأ بتعليم القرآن المجوَّد في شرق إثيوبيا والصومال بلا منازع.[7]

المعاهد الأزهرية والسعودية في الصومال في الستينيات:

لعبت المعاهد الأزهريَّة التي افتتحت في الصومال أيام الوصاية الإيطالية وبعد الاستقلال دورا هاما في تعريب أبناء الصومال ونشر الثقافة العربية، وفتحت السعودية أيضًا معهدًا في العاصمة مقديشو اسمه (معهد التضامن الإسلامي) عام 1966م وكان تابعا لرابطة العالم الإسلامي ماليًّا والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إداريا ومنهجيًّا، وكان المعهد المنطلق الأول لروَّاد الجيل الثاني القُدَامى من الصحوة الإسلامية في الصومال ومن منابعهم الأوَّل.

قال الشيخ المخضرم محمد أحمد نور غَرْيَري: ” معهد التضامن الإسلامي أسَّسته رابطة العالم الإسلامي في منتصف الستينيات، وقد أعطى دفعة للثقافة الإسلامية، وتخرَّج منه كثيرون، وكانت المنح تعطَى للمتفوِّقين، كما كان تابعا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكنتُ مستشارًا في تأسيسه، وشاركتُ في اختيار الطَّلبة والمدرسين، فقد اخترنا للتدريس في البداية مجموعة من الشيوخ القدامى أمثال الشيخ عليّ الصوفي والشيخ إبراهيم سُولي، وكذلك مجموعة من الشباب المتخرجين من الجامعة الإسلامية أمثال الشيخ عبد الله عمر نور، والشيخ عبد الرحمن يوسف كارامَرْطي”.[8]

ويقول الشيخ عبد الله عمر نور عن معهد التضامن:”كان المدرِّسون يقومون بتنظيم المحاضرات التي كانت غير معمول بها من قَبلُ، وهي أول مدرسة كانت تلزم على طلبتها أداء الصلاة في المساجد، وأخيرًا قامت الحكومة العسكرية بعد الانقلاب بإغلاق المعهد لكون حجر عثرة أمام انتشار الشيوعية، واعتقل بعض مدرسيه، وكان سببا لتأميم جميع المدارس الأهلية والأجنبية في البلاد في عام 1972م.[9]

ويقول الشيخ عبد القادر نور فارح غعمي في ” مذكِّراته” : ” وخلال دراستي في معهد التضامن الإسلامي وتحديدا عام 1967/1966 شعرتُ برغبة في الالتحاق بقافلة الدعوة بفضل تأثير أساتذتنا الذين غرسوا فينا الوعي واليقظة منهم الشيخ عبد الله عمر نور أثَّـر فيَّ، ودفع إليَّ كتابا لمحمد قطب بعنوان (جولة في التاريخ) فقرأته كلَّه في ليلة، والشيخ عبد الله شيخ عمر– أيضا- كان أول من وجدنا عنده طبعة [يعني نسخة] من كتاب (في ظلال القرآن) للسيد قطب– رحمه الله-“.[10]

الجمعيات التقليدية التي سبقت الحركات التنظيمية الإسلامية في الصومال:

قال الشيخ محمد أحمد نور غَرْيَري: ” بحُكْم وظيفتي كمستشار للشئون الدينية توجَّهتُ في البداية لعمَل مَسحٍ للأنشطة الثقافيَّة فكان في الساحة بعض الجمعيات الدينية أذكر منها: جمعية أنصار السنة المحمدية، وكان يرأسها الشيخ نور الدين علي علو شَيخ السَّلفيين، وكان من أعضائها الشيخ عبد الرحمن فولو الحسني، وكان نشاط الجمعيَّة يتركَّز حول تدريس الكُتب في المساجد،وفي بيوت بعض الأعيان من الدولة لأن الشيخ نور الدين كان وثيقَ الصّلة ببعض رجال الحكم.

وفي مقديشو أيضا كان [هناك] (جمعية حماة الدين) وهي جمعية صوفيَّة التَّوجه تلقي قصائد دينية في بعض اللَّيالي، وكان من نشطائها الشيخ أويس ( قال محمد عمر: نَسِيَ تكملة الاسم)،لم تكن ذات نشاط فكريّ أو عِلميّ مثل بناء المدارس بل عواطف دينية متقلّدة.

وفي مقديشو أيضا [كان هناك] (الرابطة الإسلامية)، وكان يرأسها الشريف محمود عبد الرحمن الملقب بـ “شريف مرطيري”، وكان اهتمام الرابطة منصبًّا على الدفاع عن الثقافة العربية والإسلامية، وتقف في وجه أنصار اللاتينية، وكان الشريف محمود نشيطًا مؤثِّرا له مواقف شجاعة وبطولات في السياسة وفي الفكر ومجاهدا في ميدان الدفاع عن لغة القرآن، لتكون لغة رسمية في البلاد.

وفي الشمال (أي منطقة أرض الصومال حاليا) كان هناك (جمعية أنصار الدين)، وكانت تتعاون مع الحكومة، وتقوم بالإصلاح بين القبائل”.

قال الشيخ غَرْيَري مقَيِّما تلك الجمعيَّات التقليدية: ” وعندما تنظر إلى حجم هذه الجمعيات الدينية والثقافية تجد أنها غير قادرة على ملئ الفراغ، ولا تملك وسائل فعَّالة لإشباع حاجات الشباب، فكان لابدَّ من إنشاء منظَّمة دعوية على مستوى العصر والحداثة”.[11]

---------------- هوامش -----------------------
  1. انظر: ” الإسلاميون الصوماليون” مرجع سابق، ص: 23-24، وتاريخ الحركة الإسلامية الصومالية، مرجع سابق ص:14، ونيل الآمال في تراجم أعلام الصومال /تأليف أنور أحمد ميو، الطبعة الثانية، دار زيلع، رقم الترجمة 88. []
  2. “نيل الآمال في تراجم أعلام الصومال”/تأليف أنور أحمد ميو /الطبعة الثانية، رقم الترجمة 32. []
  3. “تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية” مرجع سابق، ص: 14. []
  4. ” الإسلاميون الصوماليون” ص: 24-25. []
  5. ” مسيرة الإسلام في الصومال الكبير”، ص:220. []
  6. الإسلاميون الصوماليون، مرجع سابق، ص:25. []
  7. ” مسيرة الإسلام في الصومال الكبير”، تأليف عبد الله عمر نور، ص: 220. []
  8. حوار مع الشيخ محمد أحمد غريري، أجرى معه الأخ الفاضل محمد عمر أحمد في هرغيسا عام 2008م، ونشر في موقع الصومال اليوم. []
  9. “مسيرة الإسلام في الصومال الكبير”، ص:222. []
  10. ” مذكّرات داعية”، جمعها صديقنا وزميلنا محمد عمر أحمد، شبكة الشاهد:http://alshahid.net/biographies/people/85105 []
  11. حوار مع الشيخ محمد نور غريري، مصدر سابق. []
%d مدونون معجبون بهذه: