الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [1]

المقدمة العامة :

كان الصومال من ضمن البلدان الإسلامية التي أثر فيها “التيَّار الإسلامي”، أو “الصحوة الإسلامية” أو “الحركات الإسلامية”، وكلها مصطلحات تنحو منحا واحدا، وتعني بأولئك الذين يؤمنون أو يمارسون أو يروِّجون لما جرى تداوله باسم (الإسلام السياسي)، أي بمفهومه الأيدولوجي، وليس بمفهومه الإيماني فقط، وهم جميع الحركات التي انطلقت في الفترة التي اصطلح الإسلاميون على تسميتها بفترة (الصحوة الإسلامية)، والتي بدأت بحركات التحرر الوطني، والتي قاد معظمها علماء مسلمون تصدَّروا الجهاد ضد المحتلّ الغربي.[1]

والمصطلح شاع بعد صعود التيَّار العلماني في العالم الإسلامي إثر انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، وقيام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس جمهورية تركيا على النمط الأوروبي، وإلغائه لمفهوم الخلافة الإسلامية في الثالث من مارس عام 1924م، وعدم الاعتماد على الشريعة الإسلامية من المؤسسة التشريعية، وهيمنة القوى الغربية الاستعمارية على البلدان الإسلامية.

يقول حسن محمود عبد الله: ” وبفضل الاتصالات المباشرة والدائمة بين الصومال وبقيَّة الأقطار الإسلامية كانت الصومال دوما تتأثَّر بالحركات الإصلاحية التي كانت تظهر في العالم الإسلامي من حين لآخر، وأخذَت حظًّا وافرًا من حركتي أبي حامد الغزالي والشيخ عبد القادر الجيلاني، حيث تكثر في الصومال الطرق الصوفية القادرية، وتأثرت الصومال أيضا بالحركة الإصلاحية التي ظهرت في نجد في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي”.

أقول: وهذه الحركة الإصلاحية هي السلفية التي أثرَّت تأثيرا كبيرا في المجتمع الصومالي.

قال: ” كما تأثرت بالحركات المهديَّة الجهادية في السودان، والجدير أن المجاهد الكبير السيد محمد عبد الله حسن كان من أتباع الطريقة الصالحية في السودان، وكان الصومال عبر التاريخ بمثابة مرآة تعكس أحوال المسلمين من شتى الأقطار الإسلامية فعندما ظهرت الإخوان المسلمون في مصر أوائل عشرينيات القرن العشرين الميلادي في أرض الكنانة ونادت بالعودة إلى الإسلام، وأحدثت صحوة إسلاميَّة عارمة في جميع الأقطار الإسلامية، وصل دوي صوت الحركة الإسلامية المعاصرة إلى الصومال”.[2]

أقول: وفي فترة تقلُّ عن أربعة عقود من الزمن سيطر التيار الإسلامي على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الصومال بصورة فاق كل التوقُّعات، وقد استفاد من انهيار الدولة المركزية والمؤسسات الخدمية بأسرها، ففي التعليم سيطر على المناهج والمدارس والجامعات، وفي التجارة سيطر على الاتصالات والصرافات والحوالات، وفي السياسة سيطر على المشهد السياسي بعد ثورة المحاكم الإسلامية في عام 2006م.

وهذه الوقائع التاريخية جزءٌ مهم من تاريخ المجتمع الصومالي، ولا بدَّ من تسجليها بشكل مستفيض، وعندما رأيتُ أن الحديث عن الحركات الإسلامية في الصومال مبَعْثَر بين الكتب والبحوث والورقات والمذكَّرات والمقابلات والحوارات عزمتُ على جمعها وتهذيبها ليكون مرجعا غنيًّا يثري المكتبة، ويُروي الباحث العاطش إلى كشف حقائق الأمور بما في ذلك مراحل نموِّها وتطورها وازدهارها وانتكاساتها، لأن التاريخ معلِّم يعلمُّك الاستفادة من التجارب والممارسات والثغرات والإنجازات.

تصنيف فترة التيار الإسلامي في الصومال:

يرى الأستاذ محمد الأمين الهادي أنه يمكن تصنيف الإسلاميين الصوماليين من حيث التسلسل التاريخي إلى ثلاثة أجيال:

الجيل الأول: هو جيل الرُّوَّاد الذي تخرج من الأزهر الشريف أو درس في الحجاز وخاصة في الحرم المكي في الفترة التي سبقت الاستقلال، ثم عاد إلى الصومال وعمل في التعليم أو ساهم في النضال السياسي والكفاح الوطني، ومن روَّاد هذا الجيل شريف محمود عبد الرحمن رئيس الرابطة الإسلامية الذي شارك في النضال، والشيخ نور الدين عليّ علو مؤسس (أنصار السنة المحمدية)، وإبراهيم حاشي محمود الذي سعى إلى جعل اللغة العربية لغة الكتابة في الصومال من أجل الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للشعب الصومالي.

أقول: ويعدُّ الشيخ علي عبد الرحمن الصوفي المقرئ من روَّاد هذا الجيل لكونه من أوائل مَن أدخل الصحوة الإسلامية في الصومال وقام لأول مرة في نشر علوم القرآن وعلى رأسها علم التجويد وعلم القراءات، حيث أقام في مسجده المشهور في مقديشو دراسة متواصلة في حفظ القرآن المجوَّد، ويعتبر الشيخ عليّ الصوفي أول من بدأ بتعليم القرآن المجوَّد في شرق إثيوبيا والصومال بلا منازع.

كما أن الحركات التحرُّرية ذات الصبغة الإسلامية في الصومال كانت لبنة كبيرة للصحوة الإسلامية في الصومال مثل حركة الدراويش التي تزعَّمها السيد محمد عبد الله حسن، وحركة التحرُّر التي تزعَّمها الشيخ حسن برسني، وسنفرد لذلك حلقة قادمة بإذن الله.

قال محمد الأمين الهادي: ” واقتصر دور الجيل الأوَّل من الإسلاميين سواء في جنوب الصومال وشماله على اتّباع الطرق السلمية لمواجهة المخططات الاستعمارية من طمس الهوية العربية والإسلامية للمجتمع الصومالي، وذلك من خلال الدروس العلمية والمحاضرات وخطب الجمعة، .. ومثَّل جيل الروَّاد النواة الأولى للمشروع الإسلامي المعاصر في الصومال، حيث تركت تحركاتهم وجهودهم صدى للأجيال القادمة، وتركوا منظومة ثقافية فكرية”.[3]

الجيل الثاني: ظهر جهوده علنا في أواخر الستينيات، وثمثَّل ظهوره في الطابع التنظيمي، وبرزت أسماء مجموعة تنتمي إلى هذه التنظيمات، ومن أبرز تلك التنظيمات (منظمة النهضة)، و(جماعة الأهل)، و(حدة الشباب الإسلامي)، (وحركة الإصلاح)، و(الجماعة الإسلامية)، و(الاتحاد الإسلامي).

قال محمد الأمين: ” الجيل الثاني من الإسلاميين الصوماليين واجه تحدِّيات مختلفة عن الجيل الأول كما وجد فرصا كبيرة، فقد واجه في غالب أوقاته حكومة عسكرية ديكتاتورية اعتقلت الكثير من قياداته، وأجبرات الآخرين على الفرار، الأمر الذي اضطرهم إلى اللجوء إلى طرق سرية، .. وبالرغم من هذا التحدّي فإن الجيل الثاني وجد تعاطفا من الحركات الإسلامية والمؤسسات التعليمية في الوطن العربي حيث كسب معرفة وخبرة في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية”.

الجيل الثالث: ذكر الأستاذ محمد الأمين الهادي أن المحاكم الإسلامية أمسكت بزمام الأمور في العاصمة الصومالية مقديشو، وتباينت مواقف التنظيمات الإسلامية ما بين مؤيِّد ومعارض لها في ظلّ مرحلة الجيل الثاني من الإسلاميين الصوماليين، غير أنه في خلال هذه الحقبة تشكَّل الجيل الثالث في فترة حكمها، وقيادة المقاومة، وتحالف إعادة تحرير الصومال، وأخيرا قيادة الدولة الصومالية، قال: “والحديث عن هذا الجيل ودوره يحتاج إلى فترة من الزمن لإجراء دراسة أو إعداد تقرير خاص به”.[4]

أقول: وأختلف معه في تحديده لهذا الجيل، فالجيل الثالث يبدأ بعد صعود الحركات الإسلامية السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبداية تصدُّعاته وخلافاته الداخلية، وهذه الفترة تبدأ من نهايات التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ويمثّل ظهور المحاكم الإسلامية من صُلب فترة الجيل الثالث، وكذلك النزاعات المسلَّحة وغير المسلَّحة من الانشقاقات والصراعات الداخلية بين الحركات الإسلامية التي أعقبت التدخل العسكري الإثيوبي في الصومال وانسحابه، والممارسة السياسية التي اتُّبعت بعد ذلك كلها تدخل في دَور الجيل الثالث من الإسلاميين الصوماليين، وهو ما سنتحدَّث عنه إن شاء الله في دراستنا هذه.

---------------- هوامش -----------------------
  1. محمد الأمين الهادي، ” الإسلاميون الصوماليون من الهامش إلى مركز الأحداث”، الشاهد الدوري، العدد الأول، يناير، 2010م ص:23. []
  2. ” تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية” ص: 18. []
  3. الإسلاميون الصوماليون ص: 26-27. []
  4. المصدر نفسه []

تعليق واحد

  1. ما شاء الله يا ااستاذ انور موفق ان شاء الله، وارجو ان يتم الكتاب ، وحبذا لا كتب مقدمة او تعريف المصطلحات، فكثير من القراء لا يفرقون بين مصطلح الحركة، والجماعة، والفرقةأ الطريقة ،ووو و

%d مدونون معجبون بهذه: