التعامل مع المخالف في الصومال وتوجيهه على ضوء الشريعة الإسلامية [1]

المقدمة:

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبدُه ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم أجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، فسلك السعداء على نهجه القويم وضلّ عنها المبطلون اللهم صلّ وسلّم على نبيّنا محمد كلما ذكره الذّاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، وصلّ اللهم ّوسلّم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفي أثره إلى يوم الدين.

وبعد: فقد قال تعالى: { وَأَطيعُوا اللَّـهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصّابِرينَ}[الأنفال آية ﴿٤٦﴾]، ولقد حذرنا الله تعالى من السقوط في علل أهل الأديان السابقة، وقص علينا تاريخهم، واعتبر الاختلاف الذي يسبب الافتراق والتمزق ابتعادا عن أي هدي للنبوة أو انتساب لرسولها صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذينَ فَرَّقوا دينَهُم وَكانوا شِيَعًا لَستَ مِنهُم في شَيءٍ إِنَّما أَمرُهُم إِلَى اللَّـهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِما كانوا يَفعَلونَ} [الأنعام ﴿١٥٩﴾].

فقد كثر في الشعب الصومالي الاختلاف ولكنّه لا يعرف كيف يتأدب عند الاختلاف غالبا، لأن الاختلاف بين أفراد الأُمّة وعلمائها من الأمور الطبيعية التي خُلق الناس عليها وجُبلوا عليها، لأنّ البشر يختلفون – حسب الفروق الفردية بينهم – في أفهامهم وقدراتهم ، وإمكاناتهم ، ويتباينون في مواقفهم وأفكارهم وآرائهم ، كما يتفاوتون في مقاماتهم وأقدارهم، وقد أدرك سلفنا الصالح تلك الحقيقة ، فكانوا يضعون العلماء – وقد اختلفوا معهم _في المواقع التي تحفظ لهم أقدارهم وتحميهم من توغُل أصحاب الألسنة والأغراض عليهم، قَالَ عبد الله ابن الإمام أحمد: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له، فقال: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، هل الذين من خلف أو عنهما من عوض؟.[1]

هؤلاء الأئمة أرادوا تعليمنا كيف نتأدب مع علمائنا ، وكيف نعاملهم ونُثني عليهم ، ولا نذكرهم إلا بالخير ، لأن الأدب وحُسن الخُلق وإحسان الظنِّ هو الذي حفظ لنا تراث علمائنا وصان لنا أعراضهم وعلومهم من أصحاب الضغائن والأهواء والأغراض. إنّ بعض المقلِّدين من المتأخرين – وإنْ ادعوا التجديد لأنفسهم – قد أُشربوا روح التعصب وجانب بعضهم روح الإنصاف، وافتقدوا الآداب التي تدل على صفاء النـيِّة وصدق المقصد، وسلامة القلب ، والتجرُّد للحق مهما كان الاختلاف، لأنَّهم إذا اختلفوا في سبيل الحق – حقيقةً – لتحرُّوا الموضوعية، واعتبروا أنّ الجميع مجتهد ، بعضهم يصيب فله أجران وبعضهم يخطئ في اجتهاده – مع صدقه فله أجر ، إنّ تحوُّل الاختلاف إلى جدل عقيم ، وتنابز الطعن في العلماء، وتسفيه لأقدارهم ومقاماتهم، وادعاء المعرفة ببواطن نيَّاتهم كل يؤدي إلى التناحر والتشتت والفُرقة والبُعد عن منهج الإسلام المعتدل، فما من فردٍ مهما بلغ من موازين الدنيا إلا وهو معروض على ميزان التقوى، وصلاح العمل، وكل البشر يخطؤن ويصيبون، ويُؤخذ من كلامهم، ويُردّ، إلا المعصوم صلّى الله عليه وسلّم، قد وصل بعض الصومالييّن في تقديس الأشخاص إلى مرحلة العصمة عن الخطأ ، فإذا تكشّف لهم شيء من الخطأ أنـزلوه إلى منـزلة الشياطين، بل يقتصر التعامل عندهم إما مع ملائكة لا تخطئ أو مع شياطين جُبلت على الخطأ والخطيئة!!، أما التعامل مع البشر الذين يخطئون ويصيبون والقدرة على إبصار الصواب والخطأ، وإعطاء كل أمر ما يستحقه وعدم بخس الناس أشياءهم ، فهذا لا يزال غائباً عن حياة بعض الإخوة في الصومال.[2]

وآداب التعامل مع المخالف قيمة خلقيّة مفقودة لدى كثير من الجماعات الإسلاميّة في الصومال، فالبعض منهم إذا خالف غيره في المذهب والرأي سرعان مايتهمه بالضلال في عقيدته والفساد في عمله.وهذا ما يؤدي إلى إيغار الصدور وتحريك القلوب نحو الثأر والانتقام والبطش ؛ ومن أجل ذلك أردت أن أكتب هذا البحث سدّا للذريعة المؤدّية إلى الاقتتال والتطاول على الآخرين لما في الكلام الطيّب من قوّة الإقناع وإيضاح الحق وتقريب المخالف إلى الصواب، مصداقا لقوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين. ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} فصلت 33-34.

تمّت الحلقة الأولى بحمد الله وتوفيقه ، وتليه الحلقة الثانية بإذن الله تعالى.

---------------- هوامش -----------------------
  1. لوامع الأنوار البهية، باب ذكر أئمة المذاهب الأربعة لشمس الدين أبي العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي المتوفي: 1188هـ ، ج2ص461 []
  2. انظر: أدب الحلاف لأستاذ عباس محجوب- محاضر قسم دراسات العليا_ في جامعة النيلين- السودان نشرته meshkat.net مع التصرف تاريخ التصفح 2/5 /2013م. []

تعليق واحد

  1. سلسة جميلة ننتظر من الكاتب اكثر

%d مدونون معجبون بهذه: