أسباب تراجع الصحوة الإسلامية في الصومال 2

إن الدراسات العلمية المتعلقة بالحركات الإسلامية في الصومال ما زالت سطحية إلى حد كبير، قائمة على التغطية الإعلامية المثيرة، والدراسات المتصلة بالأمن في الفترة التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، علاوة على ذلك لوحظ مزيد من الاهتمام بالحركات الإسلامية في الصومال عقب ظهور اتحاد المحاكم الإسلامية في عام 2006 م والتدخل الأثيوبي بعد ذلك، وزادت فضول الناس فيما يسمى من قبل بعض بالإسلام السياسي في العالم الإسلامي، وأصبحت قضية متداولة في أوساط العسكريين والسياسيين والمحللين وفي الغرب بصفة خاصة.

ومن هنا نبرز أسباب تراجع الصحوة الإسلامية في الصومال -لا نقول أسباب الفشل لأنني لا أرسل رسالة سلبية إلى مخ القاري – رغم أن الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي يشتركون فيها:

أولاً: الظروف والأحوال التي نشأت فيها الحركات الإسلامية في الصومال:

 فقد قام كثير من الدعوات أو جماعات الدعوة ف‍ي ظل ظروف تلقائية دون تخطيط مسبق، وبعض آخر في ظروف جهادية وردود فعل حماسية متوترة ضد الهجمة الاستعمارية التي عمت وطمست على العالم الإسلامي بأسره منذ قرن الثامن عشر إلى قرن العشرين، وبصفة خاصة الصومال، وكادت هذه الهجمة الاستعمارية الشرسة أن تطمس معالم الدين الإسلامي ف‍ي المجتمع  الصومالي خاصة، وإن الفترة الزمنية التي سبقت هجمة الاستعمار كانت فترة ركود علمي شاع فيها الجهل عن الإسلام- وبصفة خاصة من جانب الاعتقاد- وانتشرت الأمية فيها ف‍ي أصقاع البلاد، وتفشت الضلالات والبدع وغيرها حتى أصبح حال المسلمين في الصومال مزرياً ومضحكاً، وشر البلية ما يبكي، ويموت القلب إن كان فيه إيمان وإحسان، بل لقد تحولت قرى ومقاطعات ف‍ي البلاد إلى أماكن خرافية.

فلما جاء الاستعمار إلى هذه البلاد، وضع أنظمته، ودساتيره، ووجه الحياة الاجتماعية إلى الوجهة الغربية ف‍ي الانحلال والتفسخ  ف‍ي الوقت الذي لم يكن ف‍ي المجتمع من الوعي بدينهم والعلم به،ما يتدرعون به أمام هذه الهجمة الخبيثة الماكرة، بل إن كثيراً من أبنائه تفتحت أعينهم على بريق المادية الاستعمارية من جهة، وعلى الأمية والجهل والفقر في البلاد من جهة أخرى انحازوا إلى صفوف الاستعمار، وتبنوا مبادئه وأفكاره، وتاهوا فخراً بما أحرزوه من تشبث بأذيال المستعمرين، وما أحرزوه من فتات موائد أفكارهم، وزبالات عاداتهم وتقاليدهم هكذا أصبح حال المجتمع الصومالي وحال أبنائه.

عند ذلك هبّ رجال غيورون، حميت ف‍ي رؤوسهم الغيرة على دين الله، وعظمت ف‍ي نفوسهم أقاويل وأفاعيل أعداء الله، وأدركوا الخطر الاستعمار الذي يهدد المجتمع الصومالي المسلم بطمس معالم دينه وحضارته، فقاموا في الناس ينادون ويدعون إلى دين الله، وينذرون ويحذرون من أخطار المستعمرين، ومن شايعهم واقتفى أثرهم من المسلمين المغرورين، ولما كان الخطر داهماً والهجمة متواصلة، أخذوا يحرضون العامة، ويدعونهم إلى أن يقوموا مقام العلماء المنشغلين بمسائل العلم، وبتلقين ثلة قليلة بين أيديهم من المتعلمين، عن مواجهة الأخطار الداهمة، والهجمة الاستعمارية الماكرة، ومن أمثلة ذلك شيخ سيد محمد عبد الله حسن الذي أسس حركة الدراويش ف‍ي شمال البلاد، واستمرت تقارع العدو ما يقارب 20سنة، حتى حوصرت ف‍ي جميع الجهات بالقتال والشائعات واتهامها بأباطيل كاذبة مصطنعة من قبل  الاستعمار، وبعض وجهاء القبائل الخائنين القاصرين عن الواجبات الدينة والوطنية، المدعومين من الاستعمار.

وبعد خروج الاستعمار من البلاد سنة 1960م، وبدله استعمار جديد من أبناء جلدهم ويمكن أن نقول (خرج الاستعمار من الباب ودخل من النافذة) قامت جماعات  ومجموعات من الدعاة في مناطق متعددة من البلاد، وأصقاع مترامية من البلاد، كالحركة النهضة في مقديشو عام1967م، وبعدها توالت الحركات واحدة تلو الأخرى مثل حركة الأهلية 1971م، والإخوان المسلمون ( الإصلاح) 1978م، والاتحاد الإسلامي 1980م وغيرها، هذه الجماعات قامت كما وصفها أحد الكتاب الإسلاميين المعاصرين هو: وحيد الدين خان، بأنها أشبه ما تكون بفرق الإطفاء، هبت من كل جانب لإطفاء هذه النار الاستعمارية التي لا تصل إلى شيء من مقدرات الأمة وحضارتها إلاّ دمرته، والدين الإسلامي هو أول ما تسعى لإطفاء نوره، وتقويض بنيانه، ولقد اصطلت بهذا الحريق الاستعماري الهائل الذي أصاب الشعب الصومالي من شرقه إلى غرب‍ه  ومن جنوبه إلى شماله ف‍ي فترة ليست بالقصيرة.

لقد قامت هذه الجماعات الإسلامية لنجدات الإغاثة لمجتمع يكاد يطفأ فيه نور الله بأفواه أعدائه، وتكاد تطمس فيها معالم الدين، وتندثر فيها صروح أمجاده، بما أجلبوا عليها من خيلٍ ورجلٍ، وعدة وعتاد وهي ولاشك كأي نجدة طارئة، وهبّة سريعة، لابد أن يكون ف‍ي جهودها الغث والسمين، والخطأ والصواب، ولابد أن تتأثر بالظروف العاجلة التي أحاطتها، والبيئات الثقافية والاجتماعية التي تكونت فيها، خصوصاً أن الانطلاقة لهذه الجماعات لم تكن من مجالس العلم، وبقيادة العلماء – وهذا القصور يسأل عنه العلماء ف‍ي ذلك الوقت ـ بل كانت الانطلاقة من الشباب المتخرجين من الجامعات العربية المتأثرين بالحركات الإسلامية في العالم الإسلامي وبصفة خاصة مصر والسعودية والسودان، على أيدي رجالٍ كانوا غيورين على دينهم قد عُرفوا بمتانة التدين، وصدق العزائم، وسلامة النوايا، مع حظ في العلم بمقاصد الدين، وحدود الشريعة، واطلاع على بعض العلوم والمعارف القديمة والمعاصرة، بيد أنهم لم يكونوا من العلماء الراسخين، ذوي التخصص والتفنن في العلوم الشرعية، المتعمقين في مسائل هذه العلوم ودقائقها، فكان في هذه الزعامات المخلصة افتقار إلى العلم الشرعي المتخصص اللهم إلا قليلاً منهم مثل حركة النهضة وحركة الأهلية، مما فوّت عليها كثيراً من التأصيل الصحيح لمناهجها، وعمّى عليها كثيراً من معالم الطريق في دعوتها، فاتخذت الاجتهادات والآراء الشخصية التي تمليها التجارب والظروف المحيطة بها أصولاً لدعوتها، ومعالم لمناهجها، في غياب النصوص الشرعية، والأدلة النقلية التي يعلمها، ويتقن الاستدلال ب‍ها علماء الشريعة المتخصصون.

إن هذا النقص البيّن في المناهج الدعوية لهذه الجماعات، ما كان ليؤخذ عليها في أول أمرها، حينما قام زعماؤها ومؤسسوها باجتهادهم، يوقظون النيام، ويشعلون فتيل الهمم، ويجمعون حولهم فئات الناس الذين شرح الله صدورهم لهذه الدعوات، وتحركت في نفوسهم الغيرة لدين الله، واتقدت عزائمهم بدواعي البذل والتضحيات، وذلك لأن القيادات العلمية لم تكن حاضرة بارزة وقت ذاك وحتى اليوم مع الأسف الشديد، ولأن الواجب الشرعي يحتم على هؤلاء الغيورين أن يسدوا هذه الثغرة التي يتسلل منها الغزو الاستعماري إلى أبناء المجتمع، ويقوموا بواجب النصيحة والدعوة، واستنهاض الهمم، والعودة الصحيحة إلى دين رب العالمين.

أما وقد انقشع القيام عن المجتمع، وتحركت جهود العلماء الراسخين في العلم الشرعي، المتخذين الكتاب والسنة منهجاً، المقتفين لأثر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، والسلف الصالح من علماء الأمة، في قرونها المفضلة.

وأصبح هؤلاء العلماء موضع ثقة المجتمع، ومرجع فتواها، فحريّ بزعامات هذه الجماعات الدعوية الإسلامية وقياداتها أن يتخذوا من هؤلاء العلماء المصحلين أهل العلم، مرجعاً لفتواهم وشوراهم، وأن يعرضوا عليهم أصولهم ومناهجهم، ويستنصحوهم ف‍ي مسيرة دعوتهم، لكي يستقيم بهم الطريق على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وسلف هذه الأمة الصالح، لما ورد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النب‍ي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “وفَضل العَالم على العابد كَفضل القمر على سائرِ الكَواكب، وإنّ العلماء ورثَة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولادرهماً وإنّما ورَّثوا العلم، فمن أخَذه أخذ بحظٍ وافِر “(1).

ويا حبذا لو أن هذه الدعوات والجماعات الإسلامية المعاصرة في الساحة الصومالية، تنادي من أول أمرها على العودة إلى القرآن الكريم، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره وأصحابه وجعلت ذلك في الغالب شعاراً لها؟، كما فعل شيخ محمد معلم حسن -رحمه الله-،  فأولى لها ثم أولى أن توحد صفوفها، وتجمع قياداتها، وتؤلف بين أتباعها على طريق واحد، ومنهج واحد- منهج الكتاب والسنة-  وطريق السلف الصالح، وأهل العلم وبمشورة العلماء ونصحهم بل وقيادتهم، واتباع الدليل الشرعي المأخوذ عن فتواهم، بعيداً عن الاجتهادات المبنية على آراء شخصية، وتجارب ومواقف فردية أو جماعية، لكي يتجنب الحركات الإسلامية هذه الخلافات والصراعات، والتناقضات التي تفرزها الآراء المتباينة، والاجتهادات المتعارضة بعيداً عن النصوص الشرعية والقدوة النبوية .

ورب قائل يقول: كيف تُسلّم القيادات والزعامات في الجماعات الإسلامية أمر الدعوة إلى العلماء، وقد قامت هذه الجماعات بتضحيات وجهود، لم يكن لهم (أي: العلماء) فيها يد ولا نصيب؟ فنقول: إن هذا القول يدل على أن حظوظ النفوس تعكر على القائلين به صفاء إخلاصهم، وصدق جهادهم، وإلاّ فأيّ ضير أن يلتمس الداعية المجاهد من هو أرسخ منه علماً وفهماً لنصوص الشريعة، ثم يجعله مرجع فتواه، وموضع نصحه ومشورته؟، أليست الغاية إنقاذ المجتمع الصومالي من الجهل والضلال والزيغ والانحراف، ونشر الإسلام، وإعلاء كلمة الله ف‍ي الأرض على هدى من الله وبرهان؟، إن كان الجواب: بلى هي الغاية فلماذا لا يُرجَع إلى العلماء فيما عمي على غيرهم، وتفرقت فيه الكلمة، وكثرت فيه الاجتهادات الخاطئة حتى يتوحد الصف، وتكون المسيرة على صراط مستقيم؟ (2).

إنها دعوة أرجو أن يتفهمها ويعيها الدعاة المخلصون لكي تتوحد الكلمة ويقوى الصف، ويتحقق فينا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً “(3).

المصادر والمراجع:

(1) سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ج 5ص48رقم الحديث 2682)تحقيق وتعليق: إبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية، 1395 هـ – 1975 م.

(2) الدعوة إلى الله في ميادينها الثلاثة، لحمد بن حامد آل عثمان الغامدي، الطبعة: الثانية  (ص 1-5).

 (3)  صحيح البخاري، إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، (كتاب الصلاة ، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ج1ص489 رقم الحديث 481). لمحمد بن المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422هـ.

%d مدونون معجبون بهذه: