وحدة الشباب الإسلامي

ومن التنظيمات التي ظهرت في عهد الجيل الثاني حركة وحدة الشباب الإسلامي. بدأت هذه الحركة كرد فعل لأنشطة منظمة كتائب السلام (Peace Corps) الأمريكية التي بدأت تنشط في شمال الصومال بداية الستينات. واستشعر المدرسون والمثقفون الخطر من أنشطتها الثقافية والتبشيرية ووجدوا أنها تمارس غزوا ثقافيا في الصومال، فاجتمع عـشرة من مدرسي الثانوية وبعض خريجي الأزهر ذوو الثقافة العربية في ١٩٦٨م واتفقوا على إنشاء جمعية باسم “وحدة الشباب الإسلامي”. ومن أبرزهم الشيخ عمر عيش، الذي اقترح الاسم، والشيخ عبد الرحمن حاشي، وسعيد شيخ، الذي أصبح فيما بعد دكتورا وبروفيسورا، والزيلعي، وسعيد.

وقاموا بتسجيل “الوحدة” عام ١٩٦٩م كجمعية اجتماعية في عهد رئيس الوزراء محمد حاج إبراهيم عقال الذي تعاطف معهم.  ولم تعلن الحركة آنذاك توجهها الإخواني. وترأس الجمعية الشيخ عبد الرحمن حاشي. ونشطت في الجانب الفكري والثقافي والاجتماعي والدعوي مركزة على طلبة الثانوية والمدرسين والمثقفين في المجتمع، فانتمى إليها مئات من الشباب. وقد ساعدهم توظف أحد المؤسسين وهو د. سعيد بعد الثورة في دولة الكويت حيث قويت علاقته مع التيار الإسلامي الإخواني في الكويت فساعدوه على إنشاء مكتبة إسلامية في هرجيسا وبعدها أصبحت الجمعية عضوا في الاتحاد الدولي للطلاب المسلمين.

وبعد الانقلاب العسكري عام ١٩٦٩م وتبني القيادة العسكرية في البلاد التوجه الشيوعي بدأت تراقب هذه الحركة وتتوجس منها خيفة وتترصدها وتتحين الفرصة للانقضاض عليها. ولكن بدلا من أن تنكمش أخذت الحركة تتوسع وتتغلغل في الأوساط الشعبية.

وعلمت حركة الوحدة بوجود حركة مماثلة لها في الفكر والدعوة في الجنوب وهي “حركة الأهل” فاتفقتا على أن تتحدا وتندمجا تدريجيا. وعلى هذا الأساس سجلت الحركتان في لائحتيهما ما يشير إلى أن من كان عضوا في إحدى الحركتين وينتقل من الشمال إلى الجنوب أو العكس فإنه يصبح تلقائيا عضوا في الحركة الموجودة في الطرف الآخر.

وفي ١٩٧٥م عندما أصدرت الثورة قانون الأحوال الشخصية الذي ساوى بين الذكر والأنثى في الميراث وقع المحظور وحدثت مواجهات بين الإسلاميين والنظام قتل على إثرها بعض العلماء واعتقل عدد كبير منهم وحظرت حركتا “الأهل” في الجنوب و”الوحدة” في الشمال واعتقل بعض قياداتها. وهنا حدث خلاف في كيفية التعاطي مع الحدث فانسحب بعض المؤسسين من حركة الوحدة بدعوى أنها لم تكن أصلا سياسية بل ثقافية اجتماعية فإذا وصل الحد إلى مواجهة النظام فلا داعي للاستمرار فيها، ومن الذين انسحبوا د. سعيد  وبعض العلماء التقليديين، وبعضهم هاجر البلاد إيثارا للسلامة، واعتقل الزيلعي لانتقاده العلني والشديد للنظام الشيوعي.

وانكمش دور الحركة بهذا الانقسام. ولكن برز من بين الشباب من رفض فكرة التسليم والهجرة وبادرت بتسلم قيادة الحركة وقادتها إلى تغيير جذري لوجهة معظم مؤسسيها، ومن هذه القيادات الشابة عبد القادر حاج جامع الذي أصبح الرئيس الجديد لتنظيم الوحدة، وإلى جانبه مجموعة من الشباب وبعض الشيوخ المثقفين من غير الصف القيادي الأول، واتهم هذا الجناح القيادة القديمة بالخذلان والفرار يوم الزحف.

واعتمدت القيادة الجديدة سياسة ذات اتجاهين؛ أولها يقضـي بتبني منهج الإخوان كاملا ونسخه للحركة وغلب عليه منهج القطبيين (سيد قطب ومحمد قطب) وانتـشرت أدبياته في أوساط “الوحدة”، وكانت كتب سيد قطب مثل “معالم في الطريق” من أكثر الكتب تأثيرا على الشباب، وغذّا هذا الاتجاه منهج الطرف المقابل في النظام الحاكم المتمثل في الشيوعية. وثانيها، وضع استراتيجية للمواجهة، ومن هذه الاستراتيجية منع هجرة المثقفين والشباب المنتمين للجماعة خارج الصومال حتى لا يحدث نضوب فكري أو نزيف لطاقة الحركة، وكان من بين البنود التي أقرت حينها أن كل من يسافر خارج الصومال يكون مفصولا تلقائيا من الحركة. ومنع أعضاء الحركة فترةً من الزمن الالتحاق بجامعة أخرى غير كلية التربية في “لفولي”3 ، لأنهم كانوا يريدون أن يركزوا على شباب المدارس والجامعات. ومنعوا الزواج لغير العاملين الذين لا يستطيعون تدبير معيشتهم حتى لا يكونوا عبئا على الحركة. وأبقوا على مركزهم في وسط هرجيسا مقرا للحركة وكان معروفا باسم “مركز وحدة الشباب الإسلامي”.

وكان ظاهرا أن الحركة تستعد للتصعيد والمواجهة، ولكن من حسن الحظ أن محافظ محافظة الشمال الغربي كان السيد بلي رفلي جوليد، وهو ذو خلفية ثقافية عربية حيث أخذ جزء من دراسته في مصـر. فاجتمع مع قيادات الوحدة ونصحها  بعدم التصعيد وعدم التسـرع في المواجهة وأخبرهم بأن الثورة تترصدهم وتتحين الفرصة لهم وأنه تحت ضغط لإغلاق مركزهم ولكنه وعدهم بأنه لن يغلق المركز في عهده، وقد وفى بما وعد.

وبعد تغيير محافظ الشمال الغربي من بلي رفلي جوليد إلى عمر صلاد الرجل الشيوعي. وأسند مكتب المخابرات الشمالية إلى أحمد حندلي الذي تدرب في مـصر على مواجهة الحركات الإسلامية، بدأت المواجهة مع الثورة واشتدت في عامي ٧٦-٧٨م  وكانت الدعوة تمر في أوج قوتها وقد انتشـرت من مدينة عيريجابو إلى جيبوتي، وكان لها عدد من الأعضاء في كلية لفولي، والمعهد الفني في مقديشو. ومن هنا اشتدت القبضة الحكومية على الوحدة وأغلق مركز ها في هرجيسا وأحرقت مكتبتها التي كانت تضم الكثير من الكتب الإسلامية واعتقلت قيادات وأعضاء من الصف الرابع أو الخامس في وقت مازالت قيادات الحركة قابعة في السجن.

وبعد الانشقاقات التي شهدتها صفوف حركة الأهل  في الجنوب تسـربت أفكار التشدد والتكفير إلى شباب الوحدة في الشمال أيضا. ولمواجهة هذا التوجه قرر أمير حركة الوحدة عبد القادر حاج جامع فصل الأعضاء الذين اقتنعوا بالتكفير، ونتيجة لذلك فصل ٤٠ عضوا من الوحدة وانفصمت العلاقة التنظيمية بينهم وبين جماعة الأهل.

وفي هذه الأثناء وبعد تأسيس التنظيم الدولي للإخوان المسلمين عام 1982م انضم أعضاء من الوحدة إلي التنظيم الدولي وأرادوا إقناع التنظيم بالاعتراف بها كحركة إخوانية، ولكن بسبب عدم قدرة التنظيم الدولي على زيارة الصومال والاطلاع عن كثب على نشاط الحركة وقوتها ومناهجها اكتفت حينها بدعمها عبر المؤسسات الخيرية الخليجية وكان الدعم يأتي على شكل توفير الكتاب الإسلامي وفتح المكتبات وتوفير منح دراسية.

وفي ١٩٧٩م بدأ خلاف داخلي يدب بين القيادات الخارجية الموجودة في الخليج ومنهم من أصبحوا أساتذة جامعات، وبين القيادات الموجودة في الداخل التي تمكنت من قيادة الحركة وإبقائها في الداخل. وكانت حجة قيادة الداخل أن هذه القيادة القديمة تخلت عن الساحة وخذلت الناس وآثرت الهجرة والسلامة، بينما “نحن اعتقلنا وامتحنا وبعد أن حققنا ما حققنا يريدون جني الثمار”. ولكن هذا الخلاف كان منحـصرا في الصف الأول من القيادات ولم يتسلل إلى الصف الثاني والثالث فلم يتأثروا به.

وفي بداية الثمانينات اشتدت الصـراعات داخل “الوحدة” وتم عزل عبد القادر حاج جامع. وفي هذا الأثناء تمكنت القيادة الجديدة من تجنيد أعضاء جددا من العائدين من الخليج والذين درسوا في الجامعات الإسلامية. ومن بينهم أشخاص تركوا حركة “الإصلاح” ومنهم الشيخ علي ورسمي، وهو من مدينة برعو فاتصلوا به واقنعوه بالانضمام إلى الوحدة. ولحل الخلاف بين المجموعتين برز فريق وسط قرّر إبعاد القيادتين السابقة واللاحقة إنقاذا للحركة واتفقوا على أن تسند القيادة إلى شخص محايد من برعو وليس من هرجيسا،  فوجدوا ضالتهم في الشيخ علي ورسمي، ولكن واجهتهم مشكلة أنه لم يكمل عامين في داخل الحركة كما تنص اللائحة، وهنا كان لا بد من تعديل اللائحة فعدلت  لكي تناسبه وأصبح على إثرها قائدا لحركة “وحدة الشباب الإسلامي”.

وعمدت القيادة الجديدة في “الوحدة” بين عامي ١٩٨٢-١٩٨٤م إلى مغازلة “الجماعة الإسلامية” في الجنوب، وبعد مفاوضات اندمج الإثنان تحت اسم “الاتحاد الإسلامي” وذلك عام 1983م . وبدأ “الاتحاد الإسلامي” يمد علاقاته بالحركات الإسلامية في الخارج وحصل على منح دراسية وتمويل من الحركة الإسلامية السودانية بقيادة الدكتور حسن الترابي. ولكن الشيخ حسن طاهر أويس الذي يحمل الفكر السلفي ومجموعة أخرى تحمل نفس الفكر داخل الإتحاد الإسلامي منهم الشيخ عبد القادر نور فارح ” جعمي”، والشيخ يوسف أذن، والشيخ علي ورسمي، والشيخ عثمان “لانجري” كانوا رافضين لأفكار الترابي ومنهج الإخوان.

ولأن الاندماج بين الحركتين كان “زواج مصلحة”  فشل في الاستمرار بعد ستة أشهر، وأعلنت الوحدة انسحابها بعد أن اكتشف قادتها أنهم انخدعوا وتوحدوا مع حركة غير إخوانية الفكر. ومن ناحية أخرى خسـرت حركة الوحدة جراء اندماجها مع الجماعة الإسلامية أتباعا كثرا وخاصة من أقاليم لها وزنها منها إقليم بورما في الشمال وأتباعهم في جمهورية جيبوتي وانتسب هؤلاء كلهم إلى الحركة الجديدة “الإصلاح” التي أعلنت في المنفى. كما خسرت الوحدة عندما انسحبوا من “الاتحاد” خـسروا شبابا كثرا آثروا البقاء مع الاتحاد الذي استأثر به السلفيون ومنهم الشيخ علي ورسمي الذي أصبح أميرا للاتحاد الإسلامي بعدما كان أميراً للوحدة.

وأصبح للوحدة أمير جديد اسمه حسن عبد السلام  وكان ميالا إلى الفكر الإخواني وكان يشجع الاتصال بالخارج وكان دبلوماسيا استطاع توحيد الجبهتين الخارجية والداخلية عام ٨٦م.

استطاعت حركة الوحدة في تأسيس واجهات عمل وسط الجمهور في الإقليم الشمالي، وكان من أبرزها منظمة أفو “UFO” التي كانت منظمة تطوعية تعمل في تحسين الخدمات في المنطقة إلا أن الحكومة العسكرية عاملتها بقسوة واعتقلت أعضاءها. وكان للحركة إسهامات في تحريك الاحتجاجات  الشعبية التي قادها الطلبة في مدارس هرجيسا، وكذلك الثورة المسلحة التي قادتها الحركة الوطنية الصومالية “SNM ” التي واجهت الحكومة المركزية، كما نشطت في أوساط معسكرات اللاجئين في شرق إثيوبيا، حيث لجأ إليها أهالي الأقاليم الشمالية إثر الحرب الأهلية التي نشبت في المنطقة بين القوات الحكومية وقوات الحركة الوطنية الصومالية، فأسست مدارس، ومراكز دعوية ومستوصفات، بجانب الجهود الإغاثية.

وعندما ضعفت سيطرة الحكومة في الأقاليم الشمالية من البلاد نتيجة تصاعد التأييد الشعبي للحركة الوطنية المناوئة للحكومة نجحت حركة وحدة الشباب الإسلامي في تأسيس مجلس يجمع شيوخ عشائر قبيلة الإسحاق ذات الأغلبية في المنطقة ليشكلوا مرجعاً للكيان السياسي والعسكري للعشيرة المتمثل بالحركة الوطنية الصومالية. وعقب انهيار السلطة المركزية في الصومال وإعلان الحركة الوطنية الصومالية انفصال الإقليم من بقية الأراضي الصومالية تم توسيع مجلس شيوخ العشيرة وضم ممثلين من كافة القيادات العشائرية في المنطقة فأصبح مرجعاً للترتيبات السياسية التي تمت في الإقليم منذ عام ١٩٩١م وما زال يعمل حتى اليوم. وكان لهذا المجلس الفضل في التعايش السلمي الذي ساد في الإقليم طوال سنوات الأزمة في الصومال.

عادت حركة الوحدة مرة أخرى في عام ١٩٩٤م إلي تجربتها السابقة فتوحد مع حركة الاتحاد الإسلامي بعد 10 سنوات من التجربة الأولى التي انتهت بالفشل، لكن كان هذه المرة في إطار إقليمي ( الشمال / صوماليلاند)، وسمي الكيان الجديد بـ ” التجمع الإسلامي” وكانت التبريرات وراء هذه الخطوة مواجهة الحرب الأهلية التي شهدتها المنطقة الشمالية بين عشائر قبيلة الإسحاق في الأعوام ١٩٩٤-١٩٩٦م، من خلال توحيد الصف الإسلامي وتمكينه من مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة. لكن التجربة لم تصمد طويلاً فانفرط عقد التجمع الإسلامي  كذلك عام ١٩٩٧م، وخسرت الوحدة مرة أخرى أعضاء لها آثروا البقاء في الاتحاد الإسلامي. وفي عام ١٩٩٨م انضمت مجموعتان  وأفرادٌ من بقايا حركة الوحدة إلى حركة الإصلاح، فانتهت حركة الوحدة ككيان حركي بعد أكثر من ثلاثين عاماً كانت فاعلة في الساحتين الدعوية والسياسية.

%d مدونون معجبون بهذه: