تراجم بعض روّاد مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال (6-12)

الشيخ عبد الواحد الأبغَاليّ:

  يقول عثمان حدج: ” ولد الشيخ عبد الواحد بقرية ” افْجَوْي ” تتسمي ” أرامَوغْ” ورحل الشيخ لطلب العلم من الأراضي الصومالية إلى اليمن؛فمكث فيها مدة حتى برع وفاق على الأقران، واعترف بعلو منزله الإخوا،ن و أقرّ بسمو مرتبته الأعداء والأخدان حتى لقبوه لثاقب فكره وغزارة علومه “بالشافعي الصغير “.. فارتحل ثانياً إلى قطب الأقطاب سيدي أحمد بن إدريس، وكان إذ ذاك بمكة المكرمة فعاد بعد ما ارتوى من شراب أهل الله، وكان يرتب الأوراد وحلق مدرسة الأحمدية في الصومال، وكان أول من أقام حلق الذكر والحضرة([1]) في الصومال [2]) وهو الذي أدخل المدرسة الأدريسية إلى بلاد الصومال، وله ذرية موجودون في أرض “عين” بقرب قلنقول، وبعضهم ساكنون في ار موغ ” بين “جنَبْلُول وجِلي”، وقد أخذ- الطريقة – عن ابن إدريس بمكة التي توفي بها؛ حيث يوجد ضريحه هناك”.([3])

 الشيخ نُوْر كَلْطَيْرَي:

ميلاده ونشأته:”

ولد السيد أحمد نور عبد الله عبد المعروف بـ ” سيد نور كلطيري”([4]) في ناحية ” مَلِيْكَو” من محافظة ” نَجَبْ ” في الإقليم الصومالي الإثيوبي (أوجادينيا) عام 1320هـ – الموافق 1902م، ونشأ هناك في حجر والده.

 و كان والده ” عبدالله عبدي جُولَيْدْ” من صلحاء العامة، ومن مريدي السيد محمد بن يوسف” الوَيتِينِيِّ” وخدامه البارزين، وهو الذي دعي له بالذرية الصالحة والنور الدائم … ثم التحق بالكتاب في عهد مبكر وحفظ القرآن قبل العاشر من عمره في خلوة شقيقه الفقيه الأستاذ الشيخ آدم كلطيري، أحد الفقهاء المعروفين في المنطقة، وفي جنوب الصومال، وتلقى منه مبادئ الدين الرئيسية، وظهر نبوغه وتفوقه على أقرانه في الفهم والسلوك، في سن مبكره حتى عيّن أستاذه معلماً للقران لإحدى الأحياء وهو لم يجاوز الحادي عشر من عمره، وقضى في تعليمهم سنتين” .([5])

رحلته لطلب العلم:

” وحين بلغ الثالث عشر من عمره عام 1331هـ عزم على السفر لطلب العلم في مراكز العلم الشهيرة في بلاد الصومال، فانطلق من ناحية ” فِيْقْ ” راحلاً إلى الصومال الجنوبي، فوصل إلي منطقة ” بيداوا” ([6]) فالتحق بشيخ المقارئ الصومالية آنذاك المعلم “مُرْسَلْ دِيْسَوْ” الأنصاري رحمه الله تعالى، فأتقن على يديه القران قراءة وتجويداَ، ودرس عليه علومه وتلقى منه الإجازة، ثُمّ وصل إلى ” مَرْكَهْ ” واتصل بحضرة شيخ الطريقة الأحمدية الشيخ ” علي مَيَهْ” العقيبي، وأخذ عنه تعاليم الطريقة في آخر أيام ذلك الشيخ، ودرس هنالك العلوم الشرعية فترة وجيزة، ومارس الرياضة الروحية على منهج السادة الصوفية. ثم انتقل إلى ” مقديشو” ودرس العلوم الدينية بشكل واسع، وأتقن في أهمّ حلقاتها العلمية على مشاهير علمائها أمثال الشيخ آدم “محمود العَولْيَهَنِيَ”، و الشيخ محي الدين معلم مكرم مفتي بنادر، والشيخ أحمد ” مَذَوْبي البِيَمَالِي” وغيرهم، واتصل بشيوخ الطرق الصوفية، وأخذ منهم تعاليم الطرق، وأجازوا له، وأخذ تعاليم الطريقة الأحمدية عن شيخ طريقة الأحمدية الشيخ علي ” ميه” عن الشيخ حسن معلم البصراوي عن الشيخ مولانا عبد الواحد عبد الرحمن بن محمود الابغالي عن الإمام السيد أحمد بن إدريس الحسني الفاسي، مع انه أخذ تعاليم الطريقة الأُوَيْسية القادرية عن شيخ الطريقة الأويسية القادرية الشيخ محمد بن عثمان بن ” حِلْتَرْ” المعروف بشيخ ” أويَايَ” عن العارف بالله الشيخ أويس البراوي، عن صاحب السجادة الكلاينية في بغداد السيد مصطفي بن السيد سلمان الكيلاني. كما أخذ الطريقة الرُفاعية عن السيد سالم بن أحمد الدَوْعَني ([7])كما أخذ عن إمام الصوفية في العالم السيد أبي الهدي الصيادي الرفاعي. وأخذ الطريقة الزيلعية القادرية عن صديقه الشيخ محمد نور الدين القطبي عن الشيخ الإمام عبد الرحمن الزيلعي، كما أخذها فيما بعد عن شيخها العالم الشيخ محمود معلم عمر البَكري، عن الشيخ عبد السلام بن حاج جامع القطبي، عن الإمام الشيخ عبد الرحمن الزيلعي القلنقولي. وانتقل أخيرا إلى مدينة بارطيري الشهيرة بمعهدها الفقهي المتميزة، فدرس فيها مطولات الفقه، وحفظ هناك عدة متون في الفقه كالمنهاج للنووي والإرشاد لابن المقري، وقضى في جنوب الصومال قرابة عقد من الزمن منقطعا لدراسة العلم مع ما وهبه الله له من الفهم الخارق والعلم اللدني، رحل خلال تلك الفترة مرة في جولة سياحية، صوفية زار خلالها عدداً من المراكز الدينية، في بعض البلدان العربية وأدّي فيها فريضة الحج، والزيارة النبوية”.([8])

عودته إلى منطقته :

        ” ثم عاد إلى “أوغادين” ونزل ضيفاً على رباط شيخ الطريقة الرشيدية أو الصالحية المجاهد الشيخ عبد الرحمن مرسل العويليهني في ناحية ( لَمَشِيْنِلدَي) في محافظة ” أفْطَيرَي” فلقى منه ترحيباً حاراً، وتعلق كل منهما بصاحبه، وأصبح السيد شخصية مرموقة في ذلك الرباط الثقافي الجهادي، الذي اشتهر بالتطبيق الصارم، لأحكام الشريعة الإسلامية ومقاومة الاستعمار الأوربي، وصار معلم القران في الرباط وخارجه، وربّي في” أفْطَيرَي” جيلاً من حفاظ القران وتزوج هناك لأول مرة بسيدة من بنات أهل هذه الناحية، فأنجبت له نجله الأول محمد سيد نور، ثم انتقل إلى محافظة ” نَجَبْ ” مسقط رأسه ومنازل عشيرته، ونزل ضيفا على رباط المدرس الشيخ محمد هامين بن الشيخ الحاج محمد نور العافي، في قرية ” كُويا” على الضفة الغربية من نهر ” الشَبيَلي ” التابعة لناحية ” إِيْمَي” فلقى هناك ترحيباً كبيراً، أيضا، وبقي هناك فترة وزوّجه الشيخ بابنة أخته. وتعرف خلال إقامته في ” نجب ” على عدد من كبار العلماء والصالحين في المنطقة، وحسنت بينهم وبينه العلاقات، ومن هؤلاء السيد أحمد بن السيد عبد الرحمن الكرنلي صاحب ” رباط معروف” في ناحية ( إيمي) شيخ الطريقة الأحمدية الرشيدية، الصالحية هناك، ومنهم الولي الشهير الشريف إبراهيم بن الشريف مقبول العيدروسي نقيب السادة الأشراف([9]) في المنطقة.، ومنهم : السيّد عبد الله بن السيد حسن الويتينيّ شيخ الطريقة الأحمدية في أوغادين، وصاحب رباط ” عَيْن ” الشهير. كما قام بجولات في سياحية صوفية لقي خلالها عدد من أعيان العلماء من الفقهاء والعارفين استفاد منهم.

 ومن هؤلاء :- العارف بالله شيخ الطريقة القادرية الزيلعية ومرشدها العام الشيخ محمود يس بن المعلم عمر البكري القطبي، الذي أجازه في الطريقة الزيلعية. ومنهم الفقيه الذائع الصيت الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ أحمد غولي الملقب ( اَفْغَوطِيه ) المفخم وأقرانه من مشاهير فقهاء المنطقة، أمثال الشيخ حسين فري، الأبسغولي والشيخ “الحاج علي تِمَوعَسَي” ..كما قام بزيارة المراكز الروحيّة والمراكز الشهيرة في المنطقة، كتربة الشيخ حسين البالي نور حسين، والشيخ يوسف الكونين والشيخ أبادر الهرريّ، وزار (عين ) معقل الطريقة الأحمدية و”قَلَنْقُولْ” معقل الطريقة الزيلعية، ولقي في الأخيرة الشيخ عبد الله القطبي القادري ّ، وتفاهم مع سكان تلك البقاع المباركة. وبذلك حصل على ثقة العلماء والصالحين، في المنطقة ومباركتهم ورغم ذلك بقيت معرفة مكانته محصورة في أوساط العارفين بالله ونبغاء الفقهاء، وخواص الأصدقاء فحسب، ولم تخرج إلى حيزة الشهرة لدى جماهير الشعب إلا بعد حين”.([10])

كمال ولايته وظهور شأنه :

      ” وبعد وصول الصوفي العجيب السيد سليمان القادري الحاتمي المالميتي إلى منطقة أوغادين كانت محافظة “نجب” هي البوابة التى منها دخل، وكان مشتهرا بالخوارق وصدق الفراسة فكان مما لهج به منذ وقع نظره على صاحب الترجمة، أن قال هذا ابن كلطيري :-” )(ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ) ([11]) وقال:” ستكون له الولاية العظمى”، ثم إن صاحب الترجمة تعلق بهذا السيد وتلقى منه طريقته الخاصة، في المعارف الروحية، والإرشادات السريّة، ولم تمض مدة طويلة، حتى ظهرت ولاية السيد وكراماته ولهج العارفون ([12])بالله بذكره وإشادته، وعلّقوا الآمال عليه، وتفرسوا فيه القطبانية، وكإخلاء له للساحة، سرعان ما توفي مشاهير أولياء المنطقة، خلال فترة قصيرة من الزمان بعد ما أشار معظمهم إليه كخليفة عام ومرشد أعلى لأهل الطرق في الحقبة التالية”. ([13])

إمامته الرّوحيّة ودوره التجديديّ :

    ” ثم جاء دوره كمجدد دينيّ وزعيم روحيّ برز في الساحة، يحتلّ قمّة الولاية الربانيّة ويتمتّع بالتأييد الإلهيّ المتمثل بالتأثير الروحيّ والكرامات الباهرة، والقبول التام لدى الخواص والعوام، فكانت معالم تجديد الإمام الجديد تتمثل في النقاط التالية:-

   أولا :- صهر جميع الطرق الصوفية السابقة في بقعة واحدة، وأزال كل الفوارق ومظاهر التعصب، ودعا إلى رفع الحواجز بين طوائف العلماء ونبذ العصبية القبلية والطائفية. ومظهر من مظاهر التجديد وتوحيد الصفوف ابتكر ألحاناً جديدة للأناشيد الدينية اقتبس بعضها من سابقيه، وأضاف إليها ألواناً حديثة، أكثر جاذبية، وتتشرف بالانتساب إلى كل الطرق مع التحلي بأرقى مستوى علمي في معرفة الكتاب والسنة والفقه، والاستقامة على تطبيق الشريعة إلى جانب الولاية والكرامات التى تواترت عنه، وشهد له بها العام والخاص، والمؤمنون شهداء الله في أرضه كما في الحديث الشريف.

      ثانيا:– شجّع التعليم والثقافة الإسلامية، ودعي إلى محو الأمية وإزالة الرواسب السلبية التي انتشرت في أذهان كثير من العوام من أن الاهتمام بالتعليم من شؤون فقهاء القشور، وليست من منهج الأولياء العارفين بالله، ونبه على أن هذه الفكرة من وحي الشيطان، التي لقنها للدجالين والمشعوذين أصحاب الخزعبلات، وأن مروجيها المدعين للتصوف والعرفان دجّالون لا علاقة لهم بالتصوف الإسلامي القائم على العلم والعمل، وكان شعاره ( إذا لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي)

   ثالثا :– شجّع الكسب والإنتاج وحارب ظاهرة التكاسل التي دبّت في كثير من الأوساط الصوفية، وفتح باب الإحسان علي مصراعيه، وأصبح سخاؤه وإحسانه مضرب الأمثال وذاع صيته فأحبه كافة أهل الخير، وعشاق أهل الإصلاح، وانضووا تحت رايته، ولهج بمدحه العامة والخاص، وانتهت إليه الإمامة الدينية والزعامة الروحية في منطقة القرن الأفريقي بأسرها بلا منافس بل وسائر الشرق الأفريقية. وانتشر مريدوه وحملة رسالته في الأفاق ناشرين عبق الرسالة التجديدية النورانية، وصارت مواعظه وحكمه حديث العلماء وأناشيده ديدن الجمهور، وراجت طريقته لدى العلماء وأوساط طلبة العلوم الشرعية والعامة علي حد سواء.
“.([14])

وفاته:-

      ” وبعد عمر جاوز التسعين قضاه في خدمة الله وخدمة الإسلام والمسلمين والبشرية جميعا انتقل نور كلطيره إلى رحمة الله تعالى في موطنه، في ضحي يوم عاشور 101، سنة 1411هـ، أغسطس 1990م، ودفن في تربة ( حقل ) التى أوصي بأن تكون مثواه الأخيرة لتكون روضته السعيدة ومقر طريقته الرشيدة. وقد صار ضريحه هناك أكبر مزار في الإقليم الصومالي (الأوغاديني) تقصده جميع الزوار من كافة بلاد القرن الأفريقي، في أيام عاشوراء المجيدة من كل عام. ولا تزال المدرسة السيد نورية الجامعة لشمل كل المدارس الصوفية الإيجابية تحمل لواء المرجعية الروحية الأعلى صوتا والأكثر شعبية في المنطق ” .( [15])

الهوامش


[1] – الحضرة لغة القرب والفناء ومكان الحضور ذاته، ومفهومها الشائع في الصومال هي نوع من الذكر تقام في خلوة أو عند حوليات بعض الأولياء أو في صوامع خاصة لها، ولها منشدون يبدلون من صيغة إلى صيغة كما أن لها أصوات يستعذب أهلها، ولكل مدرسة من مدارس التصوف الإسلامي في الصومال لها حضرة خاصة، فمثلا تسمع الحضرة الزيلعية أو الحضرة الأويسية أو الحضرة الأحمدية وهلم جرا.

[2] – نسبة الشيخ إلي أبغال: وهي اسم لإحدى القبائل الصوماليّة الساكنة في مقديشو وضواحيها،. الشيخ عثمان حدج، المنتخب في شرح أوراد مرحب ص، 4

[3] – شريف عيدروس، بغية الآمال في تاريخ الصومال، ص، 223

[4] – أطلق عليه لقب ” كلْطَيْرَي” وهو مظهر من مظاهر العبادة وهي كلمة صومالية معناها ( صاحب الفروة الصغيرة) إشارة إلى سجادته الدائمة للصلاة.

[5] – مجلة أعمال ملتقي التصوف الإسلامي العالمي، ص، 524

[6] – بيداوا: هي من بلاد رحنوين”في الصومال الشهيرة بدراسة القرآن وعلومه.

[7] – صاحب مسجد مَرْوَاسْ في مقديشو المتوفى 1355هـ

[8] – مجلة أعمال ملتقى التصوف الإسلامي العالمي، ص، 524

[9] – قبيلة الأشراف منحدرة من الحسنيين من ذرية السيد يحي بن الشيخ عبد القادر الجيلاني (الولد الأصغر للسيد عبد القادر) وهما حلفاء لقبائل الرحوين، وبينهم مصاهرة ورحم. وجزء منهم قاطنون في هرر المدينة الصومالية المحتلة من قبل الحبشة، ولأفراد هذه القبيلة احترام خاص في أوساط المجتمع الصومالي، ويهدى إليهم الأنعام والأموال، ويطلب منهم البركة والدعاء

 [10] – مجلة أعمال ملتقي التصوف الإسلامي العالمي، ص، 524

[11] – ص آية 88

[12] – العارفون: هم الذين شغلهم الله تعالى بمحبته

[13] – مجلة أعمال ملتقى التصوف الإسلامي العالمي،  ص، 527

[14] – مجلة أعمال ملتقي التصوف الإسلامي العالمي، ص، 524

[15]– المرجع السابق، ص، 524)

تعليق واحد

  1. حقاً يا فضيلة الاستاذ. هؤلاء علماء الربانيون عرفو مقصد حياتهم. جعلن الله واياهم في مستقر رحمته، يوم لاينفع مال ولابنون الا من اتي الله بقلب سليم. ءامين، ءامين.

%d مدونون معجبون بهذه: