تراجم بعض روّاد مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال (4-12)

الحبيب محمد بن عَلَوِي:

الحبيب محمد بن علوي بن أحمد ابن الأستاذ الأعظم الفقيه المقدّم  إمام العلماء، وشيخ الأئمة المجتهدين، وحامل لواء المتأخرين، سبح فى بحار العلوم مع تلاطم أمواجها، وسرى فى ليالي الفهوم مع غياهب أدلاجها. والحبيب محمد علوي رغم أنه يمني الجنسية أضفنا ترجمته في قائمة رواد المدرسة من الصوماليين؛ لأنه نهل العلم من حلقات مقديشو.

مولد وتربته:

يقول محمد بن ابي بكر الشلبي : ” ولد محمد بن علوي بن أحمد بــ (تريم)([1]) وحفظ القرآن العظيم وكتاب “التنبيه” وأكثر “المهذب،” وتفقه على عبد الله بن فضل، وأخذ العلوم الشرعية والتصوف عن الشيخ الإمام عبد الله با علوي، وتربى على يديه، وألبسه الخرقة الشريفة، وحكمه التحكيم الشريف، وأذن له في التحكيم، وأخذ الطبّ والفلك والحساب عن الشيخ سعد الفقيه بن محمد بافضل، ثم رحل إلى اليمن فأخذ عن جماعة من علماء زبيد وتعز وعدن، ثم حجّ بيت الله الحرام وزار جدّه رضي الله عنه، وظلّ بالحرمين، وأخذ عن علمائها المستوطنين والوافدين، وأكثر من السماع فى هذه الأقطار والأخذ عن الشيوخ الكبار ممن يطول ذكرهم ويعسر حصرهم “( [2])

صفات محمد بن علوي:

يضيف محمد بن أبي بكر الشلبي” وكان كثير الصمت، قليل النوم زاهداً فى الدنيا ورئاستها ومناصبها، وكان يرى حلال الدنيا كالميتة، لا يأخذ منها إلا ما اضطر إليه، وكان كريماً جواداً، وكان ينفق على من تلزمه مؤنته النفقة الطيبة، وكان ينفق على ثلاثة بيوت تبرعاً واحتساباً، وكان يكرم الضيف ويفرح به، وكان كثير الاعتناء بجيرانه، كثير التعهد لأصحابه وأعوانه، وكان يقول لهم: “من لم يكن عنده نفقه فليأت إلينا”، وما طلب منه أحد إلا أعطاه ما طلبه، فإن لم يكن عنده أعطى ثمنه أو استبصره ثم اجتهد فيه حتى يحصله، وأكثر أعماله متعدية إلى غيره مع حسن النية، وأكثر طاعاته قلبية، وكان ممن يحيي العشاءين، وكان يكثر من قراءة “إذا زلزلت”، وقيل أنه كان يقرؤها مرتين بختمة، وكان يكثر من زيارة القبور، ويكثر المكث عندها، لا سيما ضريح الأستاذ الأعظم الفقيه المقدم لكثرة ما يحصل له من مزيد الفضل، وكان كثير الاعتناء بالأذكار النبوية والأخلاق المحمدية، وكان يقول:- “لو نظرنا الاعتقاد زال الانتقاد” ومن علامات المحب أن يجعل لما يفعل المحبوب تأويلاً كم مشهور فى بركة مستور، أؤلئك قوم أحبهم الله فسترهم. وكان له صبر على الأمراض والأسقام، وكانت تعتريه فى كل عام، ولما انكسرت رجله جيء له بمن يعالجه فقال للشيخ: لا يمكن إصلاحها إلا بعد تمام كسرها، فإن كان لك صبر فعلت فقال: إفعلها فكسرها، ولم يتأوه ولم يتألم، فسئل عن ذلك، فقال: تفكرت عذاب أهل النار فأذهلني عن هذا الألم وأنشد قائلا:-

لذكر البان أذهلني إلى أن  *  فنى كلي عن الإحساس طُراً” ([3])

ارتحاله إلى مقديشو :

” ثم رحل إلى بندر مقديشو الشهير، وكان بها إذ ذاك من العلماء كثيرون، فأخذ عن علمائها عدة علوم، ولازم بها الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الصمد الجهوي،( [4] ) واعتنى به الشيخ وقرأ التفسير والحديث والفقه والتصوف وعلوم العربية، وتقدم فى هذه العلوم وبرع وجمع فيها ما جمع، وشارك فى الأصلين والمعاني والبيان والمنطق، وكان يقرأ عليه المهذب فى سنة، والتنبيه والوسيط والوجيز فى سنة، وكان قد سمع أن علي بن أحمد بامروان كان يقرأ كل واحد منها فى سنة، فطلب من الله تعالى أن يرزقه ذلك، فاستجاب الله دعاءه وأعطاه ما تمناه، وكانت قراءته عليه قراءة تحقيق مع بحث وتدقيق، وكان يطالع قراءته بالليل، فيستغرق نصفه أو جله وربما استغرق الليل كله، وحكي أن سراجه احرق 13 عمامة له أثناء مطالعته، لشدة استغراقه فيها، وكان إذا أحسّ بالنوم خرج إلى ساحل البحر يكرّر محفوظاته وليحفظ أوقاته، ولم يزل على ذلك حتى حاز علوما فاق بها أهل زمانه، وتقدم بها على أقرانه “.([5])

عودته إلى تريم:

” ولما نهل من حلقات مساجد مقديشو رجع إلى بلده تريم – اليمن – متضلعاً من كل فنّ عظيم، فسطع بها بدره وعلا صيته وارتفع قدره، ثم جلس للإقراء وتعليم الناس، وأحيا العلوم بعد الاندراس، فرحلت الطلبة إليه، وتمثلت بين يديه وقصد من كل ناد وواد، وألحق الأحفاد بالأجداد.

تلاميذ الحبيب:

فمن أخذ عنه وتخرج على الحبيب.

1)   عبد الرحمن السقاف.

2)   الشيخ محمد بن أبى بكر باعباد، وأجاز هذين إجازة عامة فى جميع مروياته.

3)  الإمام الكبير محمد المعلم بن عمر ابن محمد ابن أحمد بن الأستاذ الأعظم الفقيه المقدم.

4) والسيّد الجليل أحمد بن محمد أسد الله.

5)  والشيخ الفقيه سعد المعلم باعبيد

6)  والشيخ فضل بن عبد الله بافضل.

7) والشيخ محمد بن أبي بكر باعباد، وغيرهم من آل بافضل والخطباء وآل باحرمي، وآل باقشير وآل باعباد والعموديين، وغيرهم من سائر الآفاق ممن تضيق عن حصرهم بطون الأوراق، وكان محمد بن علوي أفصح أهل وقته قلماً، وأمكنهم فى دقائق العلوم قدماً، وأسرعهم بياناً وأثبتهم جناناً وأعلاهم إسناداً، وأرفعهم عمادا، وكان فى طريق القوم قطب رحاها وشمس ضحاها، وكان متواضعاً لم تسمع منه دعوى فى شيء من العلوم”.( [6])

وفاة الحبيب:

“كانت وفاته يوم الأربعاء فى ذي الحجة سنة سبع وستين وسبعمائة، وشيع جنازته من الخلق من لا يحصى، حتى ضاق بهم الفضاء، ودفن بمقبرة (زنبل) ( [7])وقبره بها معروف، يزار ويتبرك به رحمه الله رحمة الأبرار” .( [8])

الهوامش


[1] – مدينة بحضرموت- اليمن

[2] – محمد بن أبي بكر الشلبي الباعلوي، المشروع الروي في مناقب السادة الكرام آل باعلوي ، ص، 373

[3] – المرجع السابق ، ص، 374

[4] – توفي محمد عبد الصمد في تاريخ 670هجرية في مقديشو ويزار قبره هناك.

[5] – محمد بن ابي بكر الشلبي الباعلوي، المشروع الروي في مناقب السادة الكرام آل باعلوي ، ص 374

[6] – محمد بن ابي بكر الشلبي الباعلوي ، المشروع الروي في مناقب السادة الكرام آل باعلوي ، 374

[7] – مقبرة زنبل :- بفتح الزاي وسكون النون وفتح الموحدة آخرها لام، تقع بتريم – حضرموت اليمن – وهي مقبرة السادة الأشراف، وفيها من العلماء العاملين والأولياء والصالحين ما لا يحصى، فهي بقعة تاريخية فيها من أكبر الأولياء أكثر من عشرة آلاف، ويقال أن فيها عصبة من الصحابة.

[8] – محمد بن ابي بكر الشلبي، المشروع الروي في مناقب السادة الكرام آل باعلوي، ص 375

%d مدونون معجبون بهذه: