تراجم بعض روّاد مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال (2-12)

 ترجمة الشيخ عبد الرحمن الزَيْلَعيّ

 حياة مؤسّس المدرسة الزّيلعية:

    يقول علوي شريف علي : ” هو العالم الكبير، الشيخ عبد الرحمن بن أحمد نورية الزيلعي الكَدْلِي المقدشي، وينتمي هذا العالم إلى قبيلة”دَسَوُو”إحدى الفروع الرئيسة لقبائل”رَحَنْوَيْن”القاطنة في حوض نهر جوبا.

والواقع إن المعلومات التاريخية عن خلفيات أسرته شحيحة إلى حد ما؛ فلم يذكر أحد حتى الآن اسم أمه، ولا اسم أحد من أقاربه من عم، أو خال ممن يمكن أن يكون له تأثير في البيئة التي نشأ فيها هذا العالم، وأن الأسماء في سيرته الذاتية وردت باضطراب شديد، فقد ورد اسمه في كتابه المطبوع، حديقة التصريف، وشرحها فتح اللطيف: الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الكَدَلِي ([1]) المقدشي الكسلان؛ فلم يذكر مثلاً: الزيلعي، ولا نورية كما ورد اسمه في كتابه الآخر المطبوع أيضاً، النجم الوهاج: عبد الرحمن بن أحمد الزيلعي؛ فلم يذكر المقدشي، ولا نورية ولا دَسَوُو، وورد اسمه في كتابه المخطوط توضيح لباب المعاني: عبد الرحمن بن أحمد الدّسَوَوي الكدلي؛ فلم يذكر المقدشي، ولا نورية، ولا الزيلعي،([2]) وورد اسمه في بعض قصائده: عبد الرحمن بن أحمد نورية الزيلعي؛ فلا تذكر الدسووي، ولا الكدلي، ولا المقدشي. وأحسن كتاب عن سيرته الذاتية هو كتاب”جلاء العينين”تأليف الشيخ عبد الرحمن بن شيخ عمر العلي”.[3])

       ويضيف علوي شريف علي ” وأغلب الظن أنه ينتسب إلى مدينة”زيلع”، عاصمة مملكة “أودل”الصومالية سابقاً، وإحدى الموانئ الرئيسة الصومالية على البحر الأحمر حالياً؛([4]) ذلك أن الشيخ عبد الرحمن الزيلعي كان يقضى معظم أيامه الأخيرة في المدن الرئيسة في غرب الصومال كهرر وجكجكا وقلنقول، وكان يؤدي مناسك الحج والعمرة بين الفينة والفينة، وأنه كان يمرّ بأحد الطريقين الرئيسين اللذين كانت القوافل التجارية، وقوافل الحجيج تستخدمهما بين مدينة “هرر” و”زيلع”، أو بين هرر وجكجكا” وبربرة؛ فليس ببعيد إذن أن يكون الشيخ عبد الرحمن قد استقرّ في إحدى هذه الرحلات في مدينة زيلع، وأن يكون قد قضى فيها فترة من الزمن قد تطول أو تقصر انتظاراً لموسم الحج، أو طلباً للعلم والمعرفة تماماً كما فعل في ريعان شبابه حينما اتجه إلى مقديشو لتحقيق تلك الغاية، ومن هنا نسبت إليه مدينة زيلع كما نسبت إليه مدينة مقديشو في بعض مؤلفاته [5]) وهناك احتمال آخر، وهو أن تكون أصول الشيخ عبد الرحمن الزيلعي تعود إلى هذه المدينة، زيلع. وفي كتاباته ما يؤيد هذا الاحتمال ويقويه؛ فقد جاءت، في كتابه فتح اللطيف أمثلة تدل على ولاء الشيخ الشديد إلى أولئك الذين حكموا هذه المدينة إبان عزها ومجدها وازدهارها مثل: الإمام: سعد الدين([6])، والإمام: جمال الدين([7])، وهما من أعظم ملوك مملكة”أودل”([8]) التي كانت مدينة زيلع عاصمتها الرئيسية لعدة قرون؛ فلا زيد ولا عمرو في ضرب أمثلة الكتاب على عادة النحاة في اختيار أمثلة النحو والصرف، بل سعد الدين وجمال الدين بدلاً منهما مما يعكس وجود علاقة قوية، و ولاء شديد بين الشيخ عبد الرحمن، وبين تلك المدينة وأشهر حكامها، وهذا يقوى احتمال أن تكون زيلع التي ينتسب إليها الشيخ عبد الرحمن: زيلع الصومالية، وليست زيلع اليمنية كما ذكر كتاب”جلاء العينين”على فرض أن تكون هناك مدينة أو قرية يمنية اسمها”زيلع“.( [9])، أما أبوه، أحمد، فلم يتحدث عنه أحد، ولكنّ الذي لا شك فيه أنه كان رجلاً يُقدِّرُ العلم، ويدرك قيمة المعرفة؛ ولذلك أرسل ابنه عبد الرحمن إلى المدارس القرآنية أو الكتاتيب في سنّ مبكرة من عمره لربما كان في السادسة أو السابعة من العمر على عادة الأسر الدينية في الصومال؛ حيث الحرص شديد على تلقين الناشئة لكتاب الله الكريم، وتحفيظه وتجويده. ويبدو أن عبد الرحمن الزيلعي تمكن من حفظ القرآن الكريم، وهو بعد لم يكمل عقده الأول من عمره كما تشير إليه بعض المصادر التاريخية.” ([10])

           أما تعليم الشيخ الزيلعي وتجوله في حلقات العلم فيقول علوي شريف علي:” انتقل الزيلعي، بعد حفظه القرآن الكريم، إلى مرحلة أخرى من مراحل التعليم في الصومال، وهي مرحلة الحلقات الدراسية أو المدارس التقليدية التي كانت تنتشر في هذه البلاد لدراسة العلوم العربية والإسلامية. التحق الزيلعي بهذه المدرسة، وهو ما يزال في مقتبل العمر، وأخذ يحفظ المتون اللغوية والفقهية كعادة القوم في هذه المؤسسة التعليمية التقليدية حتى أتقنها، وأجاد في حفظها، لكنّ ما وهبه الله لهذا العالم من قلب واعٍ، وذاكرة قوية، ونفس طموحة، وهمة تسمو إلى المعالي، جعلته يفكر في السفر إلى مركز الحضارة، والثقافة العربية الإسلامية في جنوب البلاد، مقديشو؛ لمواصلة تعليمه ودراسته هناك. ([11])وسافر عبد الرحمن الشاب إلى هذه المدينة لتحقيق ذلك المأرب؛ فاستضافه فيها أحد أبنائها، وأكبر شعرائها المجيدين، الشيخ عبد الرحمن بن شيخ عبد الله الشاشي، المعروف”بحاج صوفي”، وأصبح الاثنان زميلين ورفيقين ليس فقط في السكن والإعاشة فحسب، بل وفي الدراسة وطلب العلم والمعرفة. انضمّ الاثنان إلى الحلقة الدراسيّة التي كان يديرها، ويدرّس فيها أحد جهابذة العلم والمعرفة في مدينة مقديشو، وهو الشيخ أبو بكر محِضار، وبقيا في حلقته فترة لم تحدّد المصادر التاريخية مداها، ولكنّ الذي يظهر أنها لم تكن بأطول من أربع سنوات. وحينئذ وصل إلى مدينة مقديشو العالم الزاهد الشيخ إسماعيل بن عمر المقدشي، ومعه عدد كبير من طلبة العلم، فانتقل الشيخ عبد الرحمن الزيلعي إلى مدرسته لأسباب لم تعرف بعد، ثم خرجا، ومن معهما، من الطلبة إلى البادية، وأخذ الجميع يتجوّلون في سُهول الصومال ورُباها يقضون ليلة هنا، وأخرى هناك، تستقبلهم القرى البدوية بالترحيب، وذِكرُ السلام [12])ويبدو أن الزيلعي كان يتلقى من شيخه، إسماعيل المقدشي، التدريب التربويّ والتعليميّ، وأنه قضى في مدرسته فترة تمكّن من خلالها إكمال آخر المراحل التعليمية التقليدية بحيث اعتبر بعدها خريجاً مؤهلاً للقيام بالأعباء التعليمية والتربوية بنفسه. رجع الزيلعي إلى مسقط رأسه، “جودلي”، بعد أن أكمل التعليم التقليدي، وهنا واجهته بعض الصعوبات والمشكلات الاجتماعية [13])التي لم يتوقعها أبداً؛ فقد فوجئ بفسخ زوجته [14]) الأولى بناءً على حكم أصدره علماء بلده، وبوفاة ابنته الصغرى في فترة غيابه. وعندئذٍ نوى الزيلعي أداء فريضة الحج. وتقول بعض المصادر التاريخية بأن شيخه إسماعيل المقدشي هو الذي أوصاه بذلك؛ فقد رأى فيه من النجابة والذكاء، وحسن الخلق والدين وغيرها من مواهب القيادة ما يبشر له بمستقبل زاهر مجيد؛ فأحبّ أن يكلّل ذلك بأداء الركن الخامس، وهو الحج“( [15])

    “وهناك احتمال قوي بأنه غادر مسقط رأسه احتجاجاً على تصرفات علماء بلده، أولئك الذين أصدروا الحكم الشرعي الذي أدى إلى فسخ زوجه. والذي يؤكد هذا الاحتمال هو أنه تحدث مع ابنته الكبرى قبل ذهابه، وكانت فيما يبدو متزوجة؛ فقال لها: إنك لن تستطيعي الذهاب معي؛ لأنك زوجة؛ فأوصيك بكذا وكذا. كانت هذه في الواقع وصية رجل لا يفكر في العودة إلى تلك البلدة احتجاجاً على ما اعتبره ظلماً وجوراً وإجحافاً في حقه؛ فنوى الهجرة منها نهائياً، ثم غادر الزيلعي مدينته، واتجه إلى شمال وغرب شبه الجزيرة الصومالية، وبدأها بمدينة هرر، وكانت إذ ذاك تحت إمرة الأمير أحمد بن أبي بكر، واتخذ الزيلعي من جامع هرر مركزاً لنشاطه التربوي والتعليمي، التحقق بحلقته الدراسية التي أنشأها حديثاً أعداد كبيرة من طلبة العلم من هذه المدينة، ومن حولها، وكان من بينهم أميرها، أحمد بن أبي بكر. ولم يكن عمل الزيلعي، فيما يظهر، محصوراً على التدريس فقط، بل وعلى إعداد المواد التعليمية، وتأليف المقررات الدراسية أيضاً؛ فقد روى أنه درّس طلابه كتاباً في الصرف بعنوان”اللآلي”؛ فوجده صعباً عليهم؛ فشرع يؤلف كتابه، حديقة التصريف، وشرحه، فتح اللطيف كمقرر بديل عن ذلك الكتاب في مادة الصرف” [16])

             ” هناك بعض الروايات المتداولة في الأوساط التعليمية، والبيئات الثقافية في الصومال، وهي أن علماء مدينة هرر كانوا يعتقدون بأنهم أوسع علماً، وأكثر معرفة من علماء الصومال في الشرق والجنوب، وذلك أثناء مجيء الزيلعي إلى مدينة هرر؛ لذلك انتقدوه نقداً لاذعاً حينما أنشد قصيدتيه: جوهرة الوسيلة، وكنـز الحقائق، فقالوا: إنه لم يأت بجديد، بل عدد أسماء العلماء والصالحين في المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ، وصل ذلك النقد المرّ إلى مسامع الزيلعي؛ فأراد أن يردّ على خصومه رداً علمياً؛ فألف أرجوزته المسماة: بحديقة التصريف، وتتكون من مئة واثنين وخمسين بيتاً، ثم أرسلها، دون شرح، إلى منتقديه، وطلب منهم، متحدياً أن يضعوا لها شرحاً؛ فلم يكن من هؤلاء النقاد، بعد فهم الكتاب، إلا الاعتراف بفضل هذا العالم، وسعة معرفته اللغوية والثقافية؛ ومن هنا غيروا نهجهم معه من النقد اللاذع إلى الإعجاب والثناء والتقدير، ويبدو أن الرواية الأولى أكثر وجاهة وقبولاً، وهي أن الزيلعي قد درّس كتاب اللآلي في علم الصرف لطلابه؛ فوجده، لضعف تأليفه، غير ملائم؛ فأخذ يفكر في وضع بديل عنه؛ فألف كتابه: حديقة التصريف، وبدأ تدريسه في الحال، ولكنّه بعد فترة من الزمن، أدرك أنه في حاجة إلى الشرح؛ فوضع شرحه: فتح اللطيف.( [17])

وقد أشار المؤلف إلى ذلك في مقدمة شرحه؛ فقال:”لما وضعت الأرجوزة المسماة بحديقة التصريف في علم الصرف؛ فجاءت بحمد الله كافية، ولمقاصد هذا الفن حاوية…، ولا يُعرف مقدار المدة التي قضاها الزيلعي في مدينة هرر، ولكنّ الذي ندركه جيداً أنها كانت مثمرة أكاديمياً؛ فقد ألف كتابه: حديقة التصريف، وشرحه: فتح اللطيف كما ذكرنا آنفاً، وأنشد قصيدتيه: جوهرة الوسيلة وكنز الحقائق في غرض الابتهالات والتوسل، وأنه واجه بعض الصعوبات والمتاعب من قبل بعض العلماء في مدينة هرر غيرة وحسداً على ما رأوه من استقطاب المجتمع الهرري حول هذا العالم، وحول مؤلفاته اللغوية والأدبية؛ وذلك أمر طبيعي فالنابغون معرضون غالباً لبعض الصدمات والانتقادات من قبل الكثيرين من شرائح المجتمع نتيجة الغيرة والتنافس، أو الخوف على مكانتهم الاجتماعية أو الثقافية. والشيخ عبد الرحمن يؤمن بالنقد البناء، البعيد عن الأهواء والتعصف، ويرى أنه عمل جيد إذا ما أحسن استخدامه؛ لتصويب الأخطاء، وتطوير الأداء، وتعويض النقص، ويرى أن النبوغ والتفوق والعبقرية منح ومواهب إلهية يهبها المعطى لمن يشاء من عباده؛ فلا تختص بمتقدم ولا بمتأخر؛ لأنها ليست ملكاً لجماعة أو فئة دون أخرى، ولا هي حكراً على أفراد دون الآخرين. ويظهر ذلك الرأي جلياً في عدد من مؤلفات الشيخ عبد الرحمن الزيلعي، وبخاصة تلك التي كتبها، على ما يبدو، في آخر أيامه، والتي ما زال معظمها مخطوطات تنتظر الأيدي الحانية التي تحرّرها وتعدها للنشر والطباعة”.( [18])

        ثقافة الزيلعي:

“كان شأنه مع الصومالي سهلاً وواضحاً؛ فقد اتفقا على العودة إلى بلدهما، وعلى خدمة الدين الإسلامي واللغة العربية فيه. أما شأنه مع السوداني فقد كان أكثر تعقيداً، وأشد حساسية حيث إنه كان يمسّ قضايا فكرية جوهرية، وروحية حساسة؛ فقد كان الزيلعي، على الرغم من علمه الغزير، ونشاطه الأكاديمي المثمر، من دعاة التقليد وتقبل الأمر الواقع على عكس ما قيل عن إبراهيم الرشيد الذي اعتبر من دعاة التجديد والإصلاح؛ فقد كان تلميذاً للشيخ أحمد بن إدريس، العالم المغربي الذي جال في عدد من المدن والعواصم الإسلامية، ومن بينها مكة المكرمة، ودعا إلى التجديد، وتحديث المجتمعات الإسلامية. [19]) وقد استقر به المقام في نهاية المطاف في مدينة”صَبْيَا”في جنوب الجزيرة العربية حتى وافته المنية هناك عام 1836م.

         ” ويبدو أن النقاش بين الزيلعي والرشيدي قد احتدم، ووصل في نهاية الأمر إلى تبادل الكلمات الساخنة والعبارات الجدلية؛ فقد حاول الرشيدي إقناع الزيلعي بترك الطرق التقليدية، والالتحاق بالحركات الإصلاحية حسب رأيه، وأن الزيلعي طلب منه مهلة كي يقرر من خلالها ماذا سيفعل. رجع الزيلعي، بعد أداء مناسك الحج، وبعد فترة لم تحدد مداها، إلى مدينة هرر، واستأنف نشاطه الأكاديمي في التدريس والتربية والتأليف، ولكنّه ترك هذه المدينة لأسباب غير معروفة، وانتقل إلى مدينة جكجكا التي تقع شرقي هرر، وتبعد عنها حوالي مئة كيلو متر. ويحتمل أن يكون عبد الرحمن الزيلعي قد ترك تلك المدينة نتيجة المضايقات التي واجهها من قبل بعض العلماء في هذه المدينة، أو استجابة لدعوة تلقاها من صديقه في الحج، الشيخ حاج جامع، أو من كليهما معاً”

شخصية الزيلعي:

  يقول علوي شريف علي: ” للزيلعي محبون ومعجبون، كما أن له مناوئين ومعادين؛ ولا غرابة في ذلك؛ فما اختلف الناس في العادة إلا في العظماء، أصحاب التأثير في تطوير المجتمعات، وتحقيق احتياجاتها الروحية والثقافية والاجتماعية. وقد بالغ المعجبون به في تقويمه؛ فأعطوه من الألقاب والأوصاف ما لا يعد ولا يحصى؛ فقالوا: إنه القطب الأجل، والإمام الأكمل، والمرشد الأمثل، والنحرير الأمجد، والبطل الشجاع الذي لا يخاف في الله لومة لائم. ([20])، وبالغ المعادون له في سوء تقديره وتقويمه؛ ففسخوا زوجه الأولى أثناء غيابه لطلب العلم؛ لأنه في رأيهم شخص غير متزن، وأنه؛ لذلك، لا يراعي حقوق الأسرة، ولا يقدر المسئولية الزوجية، وعاداه العلماء في مدينة هرر غيرة وحسداً على ما رأوه من التفاف المجتمع الهرري حوله، وحول مؤلفاته اللغوية والأدبية، ونرى أن الاثنين كليهما قد أجحفا في حق هذا العالم، وبالغا في سوء تقديره وتقويمه؛ فليس هناك في رأييهما أي اعتبار لمواهبه المتعددة في الشعر والنثر، وفي التأليف والكتابة، وفي قدراته العجيبة في تأسيس المستوطنات العلمية، والمجتمعات الأكاديمية التي ساهمت في نشر العلم والمعرفة، وفي خدمة الدين واللغة العربية في ربوع شبه الجزيرة الصومالية، وفي ربوع البلاد المجاورة لها في القرن الإفريقي[21]وقد سخر الزيلعي كل طاقاته وإمكاناته لخدمة المجتمع، ومحاربة الأمراض الاجتماعية التي تنتشر فيه، وتبث بدور الفتنة والفرقة بين أفراده، وتحول دون تكاتفه وتعاونه. وقد اعتبر الغيبة والنميمة من أخطر هذه الأمراض؛ ولذلك حذر منهما كثيراً؛ فألف كتيباً خاصاً بهما بعنوان:”إلقام الشكيمة لأرباب الغيبة والنمنيمة”. والاقتباس التالي يعكس مدى انزعاج المؤلف من انتشار هذه الظاهرة بين شرائح المجتمع المختلفة، وبخاصة بين دور العلم والمعرفة”.([22])

أسرته:

     يقول علوي شريف علي: ” إن المعلومات التاريخية عن خلفيات أسرة هذا العالم محدودة؛ فلا نعرف حتى الآن اسم أمه، ولا اسم جده فضلاً عن غيرهما من العم والخال ممن قد يكون له تأثير في توجيه حياته الاجتماعية والأكاديمية، ويبدو أن الزيلعي قد تزوج بها مبكراً، وهو في بلدته”جودلي”، وأنجب ابنتين، تسمى الكبرى منهما فاطمة، والصغرى لم تذكر اسمها، ثم ذهب إلى مدينة مقديشو لطلب العلم والمعرفة كما ذكرنا سابقاً، وانضم أخيراً إلى حلقة الشيخ إسماعيل المقدشي، وبقي معه فترة لم تحدد المصادر التاريخية مداها ([23]) وبعد إكمال المراحل التعليمية التقليدية في الصومال، عاد الزيلعي إلى بلدته”جودلي”، ففوجئ بفسخ زوجه، وبوفاة ابنته الصغرى أثناء غيابه، وكان لهاتين الحادثتين، فيما يظهر، تأثير كبير في حياة الزيلعي الأسرية، وبخاصة حادثة فسخ زوجه التي اعتبرها اعتداء وجوراً في حقه. ولربما كانت هذه الحادثة من أهم الأسباب التي جعلته يفكر في الهجرة من مسقط رأسه نهائياً، وإلى الأبد، ولا نجد أي حديث أو ذكر، أو حتى إشارة صغيرة عن الحياة الأسرية والزوجية بالنسبة إلى الزيلعي طوال إقامته في مدينتي: هرر وجكجا، ولكنّنا نجد في مستوطنة قلنقول حديثاً عن زوجة للزيلعي، اسمها فاطمة الإسحاقية، كما نجد حديثاً آخر في هذه المستوطنة عن زوجة للزيلعي، اسمها ” راضية” ([24]) ويضيف شريف علوي ” وليس من الواضح عما إذا كان الإسمان يرجعان إلى امرأة واحدة، أو إلى اثنتين، وأغلب الظن أنهما يعودان إلى امرأة واحدة؛ ذلك أن من التقاليد والأعراف الصومالية أن تلقب الزوجة([25] المثالية براضية بجانب اسمها الحقيقي الذي قد يكون فاطمة أو خديجة أو عائشة.، ومن هنا نصل إلى هذه النتيجة، وهي أن الزيلعي قد تزوج مرتين، الأولى منهما في بلدته، جودلي، وقبل ذهابه إلى مقديشو لطلب العلم، والثانية أثناء إقامته في أرض قلنقول، وأن زوجه الأولى، وهي التي تم فسخها أثناء غيابه، قد أنجبت له ابنتين، إحداهما، وهي الصغرى، قد توفيت أثناء غيابه، والثانية عاشت وكبرت، وعمرت، وأنجبت أطفالاً كثيرين، ولا زالت سلالاتها موجودة إلى الآن، وهي كثيرة، وكانت تعرف بالشيخة فاطمة بنت عبد الرحمن الزيلعية، أما زوجه الثانية فهي فاطمة الإسحاقية التي كانت تشتهر في المجتمع القلنقولي (بِرَاْلِيًةْ ) [26])وأغلب الظن أنها لم تنجب له أي شيء. ومن ثم تبقى الشيخة فاطمة بنت شيخ عبد الرحمن الزيلعية السلالة الوحيدة التي تركها الشيخ عبد الرحمن من ورائه”([27])

انتقاله الى قلنْقُولْ

            ” غادر الشيخ عبد الرحمن الزيلعي مدينة جكجكا، واتجه إلى الجنوب، واستقر به المقام في النهاية في مستوطنة زراعية تقع جنوب “جكجكا”، وتبعد عنها حوالي 200 كيلو متر، وتسمى”قلنقول”، واستضافه فيها أحد أعيان هذه المنطقة، وهو الشيخ يوسف بن أبي بكر الذي أصبح فيما بعد ساعده الأيمن في إدارة المستوطنة، وفي إحياء رسالتها التعليمية والتربوية والدينية. هذا وقد يكون من أسباب المغادرة محاولة الابتعاد عن الهجمات الحبشية المتكررة التى كانت مدينة “جكجكا” تتعرض لها بين الفينة والفينة، والتي كان من بين ضحاياها عدد كبير من تلاميذه، ويبدو بأن السلطات الحبشية، التي كانت تخطط لغزو منطقة غرب الصومال، كان يساورها القلق والخوف من ظهور حركة جهادية وطنية مثيلة لتلك التي قادها الإمام أحمد جوري (ت: 1542م) في القرن السادس عشر ضد الأحباش، وأن”حرت أولامدو”([28])قد تكون مؤهلة لذلك الدور، ومرشحة للقيام به؛ لذلك جعلت السلطات الحبشية من أهم أهدافها القضاء على هذه الحركة قبل أن يستفحل أمرها. ويظهر أن الشيخ عبد الرحمن الزيلعي قد أحسّ بالنوايا العدوانية السيئة عن لحبشية؛ فقرر البحث عن أماكن أكثر أمناً واستقراراً من مدينة جكجكا؛ فارتحل إلى مستوطنة “قلنقول“.( [29])

      ” والذي يؤيد هذا الرأي هو أن القوات الحبشية أخذت تطارد”حرت أولا مدوّ”حتى هاجمتها في مقرها الجديد في”قلنقول”عام 1893م، أي بعد وفاة المؤسس بعشر سنين تقريباً وأحدثت فيها من التخريب والتدمير ما يفوق الوصف. وقد شاهد آثار ذلك العدوان الرحالة الإيطالي، “فيتوريا بوتنجو” الذي زار مستوطنة قلنقول عام 1893م، وكتب ما يلي:”إنه أثناء رحلته عبر قلنقول عام 1893م، قد شاهد آثار التدمير والنهب والسلب الذي قامت به القوات الإثيوبية في مستوطنة الطريقة Tariqa Settlement (حرت أولا مَدَو)”، ومهما يكن من شيء، فإن الشيخ عبد الرحمن الزيلعي وطلابه قد ارتحلوا من مدينة جكجكا، واستقروا في مستوطنة قلنقول الزراعية في حدود عام 1875م. ومن هنا استأنف([30] نشاطه التعليمي التربوي، وانضم إلى حلقته الدراسية الجديدة أعداد كثيرة من طلاب العلم والمعرفة، وما زال هذا العدد يزداد يوماً بعد يوم حتى بلغ في بعض الأحيان إلى أكثر من ألف طالب([31])، ذلك أن الشيخ لم يكن يُدَرَّسُ مادة واحدة في حلقته الدراسية، بل أعداداً كبيرة من المواد حتى قيل، لربما مبالغين: إنه كان يُدَرَّسُ في اليوم الواحد ما لا يقل عن اثنتي عشرة مادة،([32]) ويبدو أن الإمام الزيلعي كان يدرّس المنظومة المسماة بحرز الأماني، والمشهورة بالشاطبية في علوم القراءات مدة طويلة، وأن طلابه الذين أعجبوا بقوة تمكنه من معرفة هذه المادة طلبوا منه أن يضع لها شرحاً جديداً حتى تعم به الفائدة. استجاب الزيلعي لطلبهم، وبدأ في الحال القيام بهذا الجهد الأكاديمي الكبير؛ واستعان بكتابين من أهم شروح هذه المنظومة؛ واختصرهما في كتاب واحد، ولكنْ بعد أن أضاف إليه الكثير من مسائل هذا العلم، وسماه”توضيح لباب المعاني، شرح حرز الأماني”.، الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الزيلعي“.( [33])

        ” فقد استطاع الزيلعي أن يؤسس مجتمعاً أكاديمياً عظيماً، وبيئة علمية يسود فيها الجدّ والاجتهاد في طلب العلم والمعرفة، وتنتشر فيها المحبة والوئام، وتزول عنها الانتماءات القبلية والولاءات الإقليمية، وتسيطر عليها الروحانية والعبادة حتى سمي عام وفاته (عام العبادة).( [34]

          وقد شاهد مقر المجتمع الزيلعي الرحالة البريطاني، سويان،( [35] )وكتب ما يلي: “قابلت (سويان) مؤسس حركة”حرت أولا مدو”في إحدى رحلاتي السبع عشرة، وكان حينئذ شيخاً هرماً، وكانت الحركة أو المستوطنة مليئة بالعلماء والمدرسين (ودادو، ومعلمين) من مختلف القبائل الصومالية، وكانت المستوطنة كبيرة مثل ميدينة هرجيسا”([36]) ” ويظهر أن الشيخ عبد الرحمن الزيلعي لم يخرج من مستوطنة قلنقول إلا لأداء فريضة الحج، أو لبعض الزيارات الموسمية للمراكز العلمية التى أنشأها في كل من هرر وجكجكا حتى وافته المنية في قلنقول في اليوم الخامس من شهر ربيع الثاني عام 1299هـ الموافق 1881م وقد عُرف ذلك العام، عام وفاته، بعام العبادة؛ لما ساد فيه من تدين وتقوى، ولما تميز به من أجواء دينية وروحانية عمّت المجتمع “.( [37])

انتقاله إلى بمدينة جِكْجكَا:

        يقول علوي شريف علي : ” غادر الشيخ عبد الرحمن الزيلعي مدينة هرر، واتجه إلى مدينة جكجكا [38])، ونزل ضيفاً على صديقه، حاج جامع، وبدأ نشاطه الأكاديمي والتربوي في مركزه الجديد، ذلك المركز الثقافي التعليمي الذي لا يزال يعمل إلى يومنا هذا، ولكنْ باسم أحد تلاميذه، وأكبر أبناء مضيفه، الشيخ عبد السلام بن حاج جامع (مقام شيخ عبد السلام). مع أن سمعته الأكاديمية سبقته إلى هذه المدينة التى لا تبعد عن هرر سوى مائة كيلو متر أو أقل؛ لذلك التحق بهذا المركز أعداد كبيرة من طلبة العلم حالما بدأ نشاطه التعليمي والتربوي، فكان يدرّسهم يومياً ما عدا يوم الجمعة. أما المواد الدراسية فقد كانت، فيما يظهر، من فنون اللغة العربية كالنحو والصرف والبلاغة وعلوم القراءات. وهذه هي المجالات التى برز فيها نبوغه، وترك من ورائه مؤلفات تستحق الاهتمام والدراسة والتقدير. ومن أهم إنجازاته في هذه المدينة إنشاؤه المنظمة الثقافية والروحية المسماة”بحرت أولا مدّو”(طلبة أصحاب العصي السود): xerta ulo Maddow، تلك المنظمة التى يرجع إليها الفضل في إرساء أعمدة اللغة العربية في هذه المنطقة، – غرب الصومال – حتى أصبحت مقراً لعلومها المختلفة كالنحو والصرف والبلاغة والعروض، ولا زال الكثير من طلاب العربية يولون وجوههم صوب هذه المنطقة لدراسة تلك الفنون (علم الآلة).، تشير بعض الروايات أن الإمام الزيلعي أنشد قصيدته المشهورة في مدينة جكجكا وعنوانها “حادية الأرواح” . ويعزى سبب إنشادها إلى حادثة مأساوية حدثت لطلابه، وهي أن القوات الحبشية قد تعودت الإغارة على المدن الغربية الصومالية. وفي إحدى هذه الغارات المتتالية دخلت مدينة جكجكا، وقتلت عدداً من طلبة الشيخ؛ فروّعه منظر هذا العدوان، وقتل طلاب العلم الأبرياء دونما ذنب أو جريمة؛ فأنشد قصيدته هذه. ولكنْ بعد تحليل نصوصها فإننا لم نجد ما يثبت أو يؤكد صلتها بآثار تلك المأساة. والحقيقة أن محتواها لا يختلف كثيراً عن المحتوى التقليدي المألوف في قصائد المدائح النبوية الأخرى، وهو إظهار اللوعة والحنين إلى الأماكن المقدسة، والشوق إلى أهلها، وخاصة أولئك الذين عاشوا مجاورين لهذه الأماكن المقدسة “.( [39])

الهوامش


[1] – تحريف لاسم القرية: جَوْدْلَي

[2] – علوي شريف علي وآخرون، فتح اللطيف شرح حديقة التصريف ،ص، 10.

[3] – المرجع السابق، ص 11.

[4] – قيل أن سبب تسميته بالزيلعي هو أنه ينتمي إلى إحدى القرى اليمنية النائية التي تسمى”بزيلع”، ولكن الذي تؤيده أي وثائق أو مصادر تاريخية ويمكن الاعتماد عليها هو ازيلع مدينة صومالية وليست مدينة يمنية كما ذهب إليها بعض الباحثين

[5] – المرجع السابق، ص11 .

[6]– هو سعد الدين أبو البركات محمد بن صبر الدين. وقد استشهد في زيلع عام 805هـ- 1403م بعد حكم دام ثلاثين سنة، وكان تقياً ورعاً مجاهداً.

[7] هو: جمال الدين، محمد بن سعد الدين، وقد استشهد في هذه المدينة سنة 835هـ-1432م بعد حكم دام سبع سنين. وكان خير ملوك زمانه ديناً ومعرفة وشجاعة وجهاداً وعدلاً.

[8]– هي إحدى الممالك الصومالية التي قامت في القرن الإفريقي ما بين متصف القرن السابع إلى منتصف القرن العاشر الهجري.

[9] – عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة، ص، 12

[10] – المرجع السابق، 13

[11] – المرجع السابق، ص 13 .

[12] – هو الاستقبال بالأناشيد الدينية مع تقديم أصناف القرى والأطعمة على عادة الصوماليين التي لم تزل سائدة وخاصة في البيئات الريفية والبدوية إلى يومنا هذا.

[13] – الصواب هو مشكلات وليست مشاكل

[14] – الصواب زوجه

[15] – عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة ، ص 14 .

[16] – المرجع السابق، ص12

[17] – المرجع السابق، ص 15

[18] – المرجع السابق، ص 16

[19]– المرجع السابق ص 18.

[20] –  عبدالرحمن الزيلعي ديوان مجموعة مشتملة، ص27

[21] – المرجع السابق، ص28

[22]– المرجع السابق، ص 28

[23] – المرجع السابق، ص 30

[24]– عبد الرحمن العلي، ديوان المجموع الحاوي، ص 31، 41.

[25] – كلمة الزوج لاتلحقها تاء التأنيث في الاستعمال العربي كما سلف

[26]–  (رَاْلِيَةْ raaliya)  بمثابة راضية لكنها بقلب الضاد لاماً حسب النطق الصومالي وهو لقب للزوجة الميثالية البارّة لزوجها.

[27] –  عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة، ص 31

[28] –  اسم لتلامذة عبدالرحمن الزيلعي ومعناه اصحاب العصيّ السود،

[29] – عبد الرحمن الزيلعي، ديوان مجموعة مشتملة، ص، 19

[30] – الصواب عاد الى نشاطه

[31]– عبد الرحمن العلي، جلاء العينين، ص/ 42.

[32]– المرجع السابق، ص-17.

[33] – عبد الرحمن الزيلعي، المجموعة المباركة،، ص،23

[34] – المرجع السابق، ص،21

[35] –  مؤلف كتاب “سبع عشرة رحلة في الأراضي الصومالية

[36]– يبدو أن الذي رآه الرّحالة البريطاني، سويان، لم يكن الزيلعي، وإنما كان محمد الدندراوي، مؤسس الطريقة الدندراوية في الصومال، لكن الموقع الذي تمت فيه المقابلة، و “تغا فافن (Togga Faafan)، هو المقر الرئيسي”لحرت أولا مدو”دون أدنى ريب أو شك.

[37] – عبد الرحمن الزيلعي مجموعة مشتملة،، ص،21

[38] – مدينة جكجكا تقع شرقي هرر، وتبعد عنها حوالي مئة كيلو متر. عاصمة الإقليم الصومالي في الإتحاد الإثيوبي،

[39] – علوي شريف علي وآخرون، فتح اللطيف شرح التصريف،عبد الرحمن الزيلعي، ص، 18

4 تعليقات

  1. شكراً للكاتب الصوفي.. أنا لست صوفيا أو بالأحري أشعري الفكر ولكن من باب العلم ينقصني المعرفه خريطة الكيانات الصوفية المنتشرة في الساحة الصومالية . من هو الزيلعيون ولسمتريون والأويسيون انجاز التذكير هل هم يندرجون في بوتقه واحدة (القادرية ) وأين الأحمدية وأماكن انتشارها ومنظريها ..أرجو من أخي الكاتب إجابة صريحة.

  2. sufiyada joogta somalia vast majority waa qaadriyo xitaa tima waynta rabiiiciyiinta la dhaho sidoo kale waxaaa jiro sufiyo la dhaho shaadaliyah oo yar kuwaasna waxay tuntaaan gurbaaan ikhtilaad badana way sameeeyaan sida la ii sheegay ceelasha biyaha muqdishop ayuay joogaan ayaan malqay ………………

  3. شكراً للكاتب الصوفي.. أنا لست صوفيا أو بالأحري أشعري الفكر ولكن من باب العلم ينقصني المعرفه خريطة الكيانات الصوفية المنتشرة في الساحة الصومالية . من هو الزيلعيون ولسمتريون والأويسيون انجاز التذكير هل هم يندرجون في بوتقه واحدة (القادرية ) وأين الأحمدية وأماكن انتشارها ومنظريها ..أرجو من أخي الكاتب إجابة صريحة.

  4. من هو مؤسس حرت اولو مدو ا صحاب العصا السوداء انه العلامة حاج نوري الحسني في مركز جد عسبو الشهير هكذاسمعت ياشيخ حسن البصري راجع المراجع

%d مدونون معجبون بهذه: