تراجم بعض روّاد مدرسة التصوف الإسلامي في الصومال (1-12)

مقدمة

   ” ترتسم في بعض الأذهان؛ بل في كثير من الأذهان عن أولياء الله وأهله صُور باهتة الملامح مشوّهة الملامح  مشوّشة الظلال صور يجّسدها الوهم، ويجّسمها الظن، تضفي عليها المغالاة القليل من الحق والكثير من الأحاديث الكواذب، وظّلت المكتبة الإسلامية الحديثة  تفتقر الى لون من البحث الجاد الذي يترجم في صدق وحق وتركيز وعمق وأمانة ودقة لهذه الشخصيات الإيمانية بأسلوب يقرّبها للعامة وينقيها ممّا ألصقه البعص([1]) بها من الدخيل والمدسوس والمزاعم ويجليها على حقيقتها في ثوبها الطاهر وفي صورتها المجلوة وملامحها الأصيلة”.([2])

          لاشك أن روّاد المدرسة كانوا رابطة قويـّة للمسلمين في الصومال، وكوّنوا مدارس لها مشارب مختلفة لا تحيد عن كتاب الله وسنّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- قيد أنملة ونحن الآن في أشّد الحاجة إلى دراسة  عميقة عن هؤلاء، وسأتحف القارئ بصورة ناصعة وصادقة عن مبادئهم وأخلاقهم وكتبهم، وما أطرحه لك أيها القارئ العزيز ضئيل بالنسبة لما ذُكر عن تاريخ حياتهم ورابطتهم العلميّة، لذا سأحاول أن آخذ سيرة أشهرهم، وهناك أمور لابد من الحديث عنها عند كتابة تراجمهم، فمنها أنّ أي كاتب عن روّاد المدرسة وأقطابها انّه لابد أن يتعرض للحديث عن كرامات رجالات المدرسة التي اشتهروا بها، وقد وجدت نفسي وجهاً لوجه مع عشرات من صفحات كرامات الشيخ، وإنّ معظم صفحات كتبهم مشحونة بمناقب وكرامات الشيوخ، وقد قال العلماء ” إن كرامات الأولياء فيوض من سيد الأنبياء ” فآثرت أن أترك الكلام فيها لأهلها؛ لأنها مكتوبة بلغة ومصطلحات وألقاب لا يفهمهما إلا أهلها، و أحاول أن أوْقف القارئ الكريم فقط على بعض نصوص ماجاء عن تراجمهم، وهي صفحات قليلة وليس تركي لكرامات الشيوخ نكراً لوجودية كرامة لأحد من أولياء الله الصالحين، وعلي الرغم من وضوح مثل هذه المعاني على كثرتها في الكتاب والسنة إلا أن كثيراً من الناس يضطربون في الكرامة ويخبطون فيها خبط عشواء، والحديث ذو شجون. أما عند رجالات التصوف وأكابر العلماء فالكرامة مقام لا ينكر عندهم،  وقد اعتمدت أساساً في توثيقي لمعلومات الباحثين والمتعمقين في دراسة هذا الموضوع الذين تفنّنوا في وصفههم برواد المدرسة بما عرف وحُكي عنهم.

الشيخ اويس القادري:

    يقول الشيخ العلي: ”  الشيخ حاج أويس بن حاج محمد بن محاذ بشير البراوي مولدا، الشافعي مذهبا، القادري مشربا، الأشعري عقيدة، البيولي مرقدا، الولي المكرم والجهبذ المفخم صاحب الكرامات الكثيرة والمقامات الشهيرة، المرشد المسلك، المجتهد في طريقة الغوث ( [3]) الشيخ عبدالقادر الجيلاني([4]) رضي الله عنه، وناشرها في بلادنا و وادينا” :( [5])

ولادة الشيخ :

 يقول الشيخ العلي : ” كانت ولادة الشيخ أويس في بلدة براوة الشهيرة في سنة ألف ومائتين وثلاث وستين هجرية رضي الله عنه.

أسماؤه:

‌     ” من أسماء الشيخ‌    * أويس القادري     * ونائب الجيلاني  * وأويس الثاني * وصاحب الخرقة

‌  * عبدالرحمن القادري  *  صاحب الكرامات.

وغيرها من أسماء كثيرة مباركة، وأسماء الشيخ القادري رضي الله عنه قد نقلت من قصائده وألفاظه.” وللشيخ أويس القادري رضي الله عنه أولاد ذكور وإناث؛ فأولهم وأكبرهم الشيخ حاج عبدالقادر الملقب بحاج شيغو بن الحاج أويس القادري رضي الله عنهما، وكان خليفة  القادرية  والده الكريم، وقد مات في حياة والده في 7 سنة 1325 هجرية، وقبره في البلد الأمين.([6] والثاني :- الشيخ حاج محمد الملقب بالشيخ شاعر أويس رضي الله عنهما، كان خليفة  القادرية، ناشر الطريقة كوالده، وقبره في بلد الأمين. والثالث : الشيخ سخاء الدين المشهور بالشيخ سخاو الدين([7]) بن الشيخ أويس رضي الله عنهما، كان خليفة للقادرية، ناشرا للطريقة، وقبره في  بلدة “جمامه” والرابع: الشيخ عمر حاج أويس رضي الله عنهما وقبره في براوة. والخامس: الشيخ  حاج موسى ابن الشيخ أويس القادري رضي الله عنهما، وكان خليفة القادرية، ناشرا للطريقة حتى توفي في 17/من شهر جمادي الثانية 1379 هجرية، وقبره في قرية بغداد بالصومال. والسادس: الشيخ حاج محي الدين ابن الشيخ أويس رضي الله عنهما، وكان خليفة القادرية، ناشر  الطريقة حتى توفاه الله تعالى في 3 من 8 1380 هحرية في مقديشو، وللشيخ أيضا ذكور غير هؤلاء، وله بنات منهن:- حاجة زينب ” وقبرها في براوة رضي الله عنها، ومنهن :- حاجة رقية وقبرها في مقديشو، ومنهن: حاجة ميمونة * ومانه حمزة *  وحواء…وغيرهن ممن توفين رحمة الله عليهن.

أسماء خلفائه:  

” روي أن عدد خلفائه خمسمائة وعشرون خليفة، منهم خلفاء من شتى أصقاع الصومال وقبائلها،([8]) ومن خلفائه علوي النضيري، ومن شتى أقاليم الصومال([9]) من خلفائه غير الصوماليين كما يبدو من أسمائهم مثل خلفاء من زنجبار([10])، و حضرموت اليمنية، ومنهم خلفاء من مكة”.([11])

     علمه:

” كان عالماً نحريراً عارفاً بدقائق العلوم وغوامضها، وأكثر علمه من مواهب الله تعالى، ولا يظهر علمه للناس لاشتغاله أكثر الأوقات بالذكر والتوسل بأهل التقوى من الأنبياء والأولياء، كان بارعا في فن العروض، وكان الشيخ أويس عارفا بالعروض وضروبه مستعملها و مهملها فقال مرة : ” إن أبحر العروض المستعملة ستة عشر بحرا وهي المشهورة بين الناس باستعمالها ” وأضاف الشيخ ” ومعها أبحر مهملة لا يحرم استعمالها وهي كثيرة في قصائده منها قصيدة : ربنا الـــله ذوالجلال *    ربنا الله ذوالكمال

       فمن كان عارفا بالمستعمل والمهمل من أبحر العروض فلا يمكن أن يجهل تقطيعها، حاشا وكلا بل الشيخ أويس كان عالما بالعروض وأنواعه وتقطيعه”.([12])

سخاؤه :

يضيف عبد الرحمن العلي: ” كان الشيخ أويس سخيا وباذلا لا يدخل شيء في يده من أنعام ودراهم أو دنانير وثياب وغيرها إلا أنفقه في سبيل الخيرات سريعا، وكان في البداية محترفا محبا للصالحين وخادما للأولياء”.([13])

دور الشيخ أويس في نشر العلم والإرشاد:

 ” شمر الشيخ أويس عن ساعد الجد في إرشاد عباد الله تعالى إلي الطريق المستقيم برا وبحرا، وكان يسافر لأجل ذلك إلي البلاد البعيدة من أرض السواحل بلادها وشوانيها، وأرض البنادر قراها وبواديها وكان إذا أراد السفر يخرج معه جمع كثير من الرجال والنساء والولدان، والأحرار والعبيد لأجل التعاون على العبادة كالصلاة والذكر وإطعام الفقراء والمساكين”.([14])

بداية رحلته:

أول ما بدأ الشيخ كان بخدمته” للشيخ الولي محمد جناي البهلول وشيخه النحرير العالم الشيخ حاج محمد طاين الشاشي، وهو الذي حثه على الرحيل إلى بغداد وأخذ السلسلة القادرية؛([15]) لأن الطريقة القادرية كانت قبله خالية عن السلسلة المنسوبة الي الشيخ عبدالقادر الجيلاني. فلما وصل إلى بغداد أقام بها أياما عند الشيخ الفاضل مصطفي بن السيد سلمان، ثم ذهب إلى المدينة المنورة ثم عاد إلى بغداد ثانية، ومن ثم أدخله الخلوات السيد مصطفي بن السيد سلمان ورباه تربية الشيخ لمريده حتى بلغ مكان الولاية ([16]) المحمدية المطلقة العظمى، وأعطى له السلسلة القادرية والعَلَمْ المنسوب للشيخ عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه، وقد نقل من بعض الرواة أن الشيخ أويس في مدة سفره في الحجاز والعراق كان يزور اليمن ونواحيها إلى أن وصل إلى بربرة ونزل في بيت خليفة الشيخ موسى بن عراله الأسحاقي القادري. ولقي فيها الشيخ عبدالرحمن الزيلعي رضي الله عنه في جامع بربر، وأخذ منه الإجازة القادرية مع جمع كثير، ثم رأى الشيخ عبدالرحمن الزيلعي في المنام الشيخ عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه وأمره أن يأخذ السلسلة القادرية والخلافة من الشيخ أويس، فحضر عنده، وأخذ الإجازة والخلافة [17])والسلسلة منه؛ وذلك قبل موت الشيخ عبدالرحمن الزيلعي بسنتين”.([18])

رحلة الشيخ أويس إلي عدن:

” ثم سافر الشيخ أويس القادري إلى أرضه فوصل عدن فسمع فيها وفاة الشيخ عبدالرحمن الزيلعي في “قلنقول ” في شهر ربيع الثاني سنة 1299 هـ فسافر  إلي زيارته في قلنقول فأقام بها عند ضريحه مدة، ولقي فيها الشيخ إسماعيل بن عمر المقدشي القادري صاحب عين شيخ الزيلعي في الطريقة القادرية رضي الله عنه، ولقي فيها خمسة من  الشيوخ من خلفاء الزيلعي الكبار، فأخذوا كلهم من الشيخ أويس القادري رضي الله عنه السلسلة  والخلافة”.([19])

     ” وأولاد الشيخ حاج جامع الثلاثة أخذوا منه الإذن والسلسلة والخلافة، فكلهم كالزيلعي خلفاء الشيخ أويس القادري كما أخبر بذلك الشيخ نور الدين بن حاج يوسف القادري عفا الله عنه، وقد نقل هو ذلك عن الشيخ حاج محمد بن الشيخ محي الدين القادري، والشيخ محمد بن عبدالملك الشيدلي القادري، والشيخ محمد غيذبركان القادري، والشيخ “يس بن عَلِيَو الرَحَنْوَيني القادري” والشيخ أحمد بن معلم عثمان الكندرشي القادري، وهم خلفاء القادري “.([20])

عودة الشيخ أويس إلى مقديشو  

“وبعد وصول الشيخ أويس إلى الصومال نشر الطريقة القادرية في أرض البنادر بلادها : وباديها وخلف خلفاء كثيرين، أولهم وأعلمهم الشيخ عبد الرحمن المشهور بالشيخ صوفي الشاشي القادري الولي المكرم، وخلف غيره من العلماء الكرام والسادة الأعلام، وكلهم أخذوا من الشيخ أويس الطريقة العلية القادرية، وانتظموا في سلك الشيخ أويس.عفا الله عنه، ورجع إلى الحرمين مرات عديدة “.([21])

وفاة الشيخ أويس:

 “مازال في مدة عمره المبارك مجتهداً ملازماً للاستقامة دائم الذكر لله تعالى ومرشداً للمريدين مسلكا في الطريقة القادرية، واعظاً ناصحاً للمسلمين معيناً للفقراء والمساكين والضعفاء والأرامل والأيتام، راحماً مشفقاً بهم إلى أن توفاه الله تعالى إلى رحمته الواسعة، شهيداً مقتولاً في بيولي ([22]) بأيدي الظلمة والحساد؛ وذلك في يوم الأربعاء 23 من شهر 3 سنة 1327 هـ .رحمه الله تعالى رحمة الأبرار وأسكنه دار القرار في جوار النبي المصطفي المختار صلى الله عليه وسلمr” [23])

الهوامش

 


[1] – الأصل عدم إضافة كلمة بعض بالتعريف

[2] –  صلاح عزام، أقطاب الصوفية الثلاثة، المقدمة دون ذكر الصفحة

[3] –  الغوث هو ” القطب”  وقيل ” هو القطب حينما يلتجأ اليه ولا يسمّى في غير دلك غوثا ” أنور فؤاد أبي الحزام،  معجم  المصطلحات الصوفية، ص، 132

[4] – وقبره موجود في بغداد بالعراق

[5] –  عبد الرحمن العلي، الجوهر النفيس في خواص الشيخ أويس، ص، 8

[6] – ليس المقصود بالبلد الأمين – مكة – انما هي قرية تقع في إقليم شبيلي السفلي الصومالية

[7] – كان عضواً بارزا ًفي وحدة الشباب(syl) الذين قاموا  بتحرير البلد الصومالي من الاستعمار الأجنبي.

[8] – من هذه القبائل قبيلة كندرشي وشاشي، وإسحاق، ومريحان، ووعيسلي الأبجالي، وأورتبلي، وأغاذين وبيمالي، وسعدي، وطارود، وعورملي وغيرها.

[9] – من هذه الأقاليم ” براوة وبيداوا ومقديشو، ومركا وزيلعي وغيرها.

[10] –  زنجبار : جزيرة مرجانية في  المحيط الهندي قرب ساحل تنزانيا، لويس معلوف المنجد في اللغة والإعلام ، ص، 280

[11] – عبد الرحمن العلي، الجوهر النفيس في خواص الشيخ أويس،ص17

[12] – المرجع السابق،،ص12

[13] – المرجع السابق،،ص12

[14] – المرجع السابق، ص11-12

[15] –  السَلْسِلَة ) حلقات ونحوها يتصل بعضها ببعض ويعبّر بها عن الأشياء المتتابعة، معجم الوجيز  مجمع اللغة العربية، ص 317

[16] –  هي الأتصاف بالأخلاق علي الكمال ان يكون – الولي – اعلي من غيره من كل وجه في المقام  وهي عامة وخاصة، فالعامة هي من آدم  الى عيسي عليهما السلام، والخاصة تبرز أنوارها واسرارها من بعثة محمد   (ص) وتستمر الى ان تقوم الساعة ويرث من بعده اقطاب هذه الأمة،  ايمن حمدي، قاموس مصطلحات  الصوفية، ص95

[17] –  الخلافة هي الإمامة وقيل هي قسمان خلافة صغري وهي الإمامة والرياسة الظاهرية، وخلافة كبري وهي الإمامة واالرياسة الباطنية، عبد المنعم الخفي، معجم مصطلحات الصوفية، ص91

[18] – عبد الرحمن العلي، الجوهر النفيس في خواص الشيخ أويس،ص9

[19] – المرجع السابق،ص10

[20] – وربما سبب كثرة خلفائه هو أنه كان كثير الترحال، ومن رحلات الشيخ أويس من الرحلات التي قام بها الشيخ أويس رحلته إلى بعض دول إفريقيا مثل كينيا وتنجيق وزنجبار وغيرها مثل اليمن.

[21] – المرجع السابق، ص11

[22] –  تقع بيولي وسط البادية وبعيدة عن العاصمة (مقديشو)

[23] ) عبد الرحمن العلي، الجوهر النفيس في خواص الشيخ أويس، صن 13- 14

 

تعليق واحد

  1. دكتور / فوزي بارو

    أطيب تحياتي للأخ الكاتب حسن البصري
    نشكرك على مقالاتك القيمة في رحاب مدرسة التصوف الإسلامي في الصومالي ، حقا إنها مقالات مفيدة لتاريخ التصوف في الصومال قديما وحديثا ، ولك منا أطيب الشكر .
    من جانب آخر نعلم جميعا أن الشيخ كان أديبا بارعا نظم قصائد كثيرة وقرض أشعارا في مجالات الحياة المختلفة ، هل بإمكانك أن تفيدنا تلك القصائد والأشعار ؟ أو تشير لي إلى كتب بعينها جمعت فيها أعماله الأدبية ؟ غير كتاب جوهر النفيس .. وهل لشيخ أويس رحمه الله ديوان ؟ … علما بأني في صدد دراسة حول أعمال الشيخ الأدبية ، بعنوان : (الشيخ أويس القادري أديباً ) نرجو منكم المساعدة حول هذا الموضوع ، ولكم منا فائق الاحترام . وشكراً .

%d مدونون معجبون بهذه: