من هو الرئيس الجديد للبرلمان؟

في خضم الأزمة الصومالية المستعصية تلوح في الأفق بارقة أمل لميلاد عصر جديد واعد. فلقد تم تدشين برلمان بتوافق شعبي، يعكس الرغبة العارمة في تحقيق تغيير جذري وقطيعة كاملة مع الماضي، للإنطلاق نحو الإستقرار والتقدم والوحدة وإقامة دولة حديثة قادرة، تؤمن للشعب تطلعاته في الأمن والتنمية واستثمار موارد البلاد البشرية والإقتصادية التي توفر الكرامة والرفاهية للجميع.

هذا التفاؤل مصدره اختيار برلمان لأول مرة في التاريخ الحديث يمثل التوافق الوطني الذي دفع إلى المسرح السياسي خبرات وكفاءات مؤهلة واعية بالعمل السياسي وتملك الحس الوطني ما يبشر بالخير، وبأننا نسير في الاتجاه الصحيح نحو دفع طاقات البلاد إلى معركة البناء واستعادة مكانة الصومال في المجتمع الدولي، ولاسيما في موقعه المناسب في العالم الإسلامي والعربي والإفريقي.

ولقد تابعت انتخاب رئيس البرلمان الجديد البروفسور محمد شيخ عثمان جواري في التلفزيون. وفي نفس الوقت الذي كانت تجري فيه العملية الإنتخابية في قاعة البرلمان في مقدشيو، كان التلفزيون الوطني الصومالي يقوم باستطلاع الرأي في مرشح المشاهدين المفضل لهذا المنصب بين الصوماليين عبر العالم أجمع، الذي تمخض عن اختيار الغالبية العظمى من المصوتين لرئيس البرلمان الجديد قبل إعلان النتيجة الرسمية للانتخاب. وهذا إن دلّ على شيئ فإنما يدل على السمعة الحسنة والثقة الغالية التي يتمتع بها هذا الرئيس لدي الرأي العام الصومالي.

لقد عرفته لأول مرة تقريبا في عام 1973، عندما كان نائبا لمدير مكتب العمل في وزارة العمل والصحة، وكان حينئذ عضوا في هيئة المحققين الذين كان عددهم أحد عشر شخصا، من بينهم الجنرال عبد الله فاضل الذي كان في المجلس الأعلى للثورة، والوزير عبد العزيز نور حرسي الذي كان وزيرا للمواصلات والجنرال محمد جامع الذي أصبح فيما بعد القائد العام لقوات الشرطة، وآخرون لا أتذكرهم الآن. وكنت عندئذ رئيسا للخطوط الجوية الصومالية. وكانت المهمة المنوطة بها هذه اللجنة هي تقديم تقرير إلى السلطات العليا عن النشاط المهني والتجاري والعلاقة بين الإدارة والموظفين والعمال في الشركة. واستمرت اللجنة تمارس عملها لمدة شهر كامل.

ورغم صغر سنه حينئذ وتواضع منصبه بالمقارنة مع الآخرين في اللجنة من الوزن الثقيل، لاحظت فيه اليقظة وفطانة الرأي والقدرة على التركيز وتوجيه الأسئلة الدقيقة المناسبة المتعلقة بالموضوع والتي تؤدي إلى استنباط الحقائق بسرعة، كما لاحظت فيه الموضوعية والحيدة ومرونته في أدب جم في مراجعة فريقه عندما يخرج عن حدود اختصاص المهمة المكلف بها أو يشتط أو يفقد أعصابه عند مساءلة أولئك الذين يتم استجوابهم أو التحقيق معهم. ولمست فيه عقلية تحليلية وملكة قانونية وهدوء أعصاب وعدم الإنفعال إطلاقا.

لم أكن أعلم عندئذ أنه درس القانون لذلك انبهرت عندما رأيته يلم إلماما دقيقا بتفاصيل تقنين قانون العمل الذي كان دائما يستشهد به في تصويب أخطاء الفريق المحقق عندما كان يضل الطريق.

ثم اشتركت معه ومع آخرين من المديرين العامين في عام 1977 في معسكر التدريب في” حلني”. ولاحظت فيه رجاحة العقل وأنه يتمتع بقدرات قيادية ومقدرة على السيطرة على الجماهير والتدخل عندما تتعقد الخلافات والإشكالات لتفكيكها والتقريب في وجهات النظر لتسهيل الحصول على التوافق العام.

وهو يتميز بالهدوء، وبروح المودة التي يشيعها بين جميع معارفه، كما أنه يتمتع أيضا بروح الدعابة.

ثم تفرقت بنا السبل، ولم أشاهده قط بعد ذلك لأنني منذ عام 1979 سافرت إلى الخارج بحكم العمل.

لقد تقدم محمد شيخ عثمان في السلم الوظيفي والإداري والسياسي حتى أصبح وزيرا للعمل في ظل حكومة الرئيس محمد زياد بري.

وخلال عمله في السلك الوظيفي والإداري الذي امتد لأكثر من عشرين عاما لم يذكر بسوء إطلاقا، بل اشتهر بطيب الخصال وحميد الشمائل.

ثم التجأ محمد شيخ عثمان إلى النرويج بعد انهيار النظام في عام 1990، ولا شك أنه بما يتمتع به من كفاءة وموهبة استزاد خبرة ومعرفة وعلما هناك بدليل تكليفه بالمسئولية العظيمة التي تحملها برئاسة لجنة إعداد الدستور التي أدارها بمهارة واقتدار. هذا الدستور الذي بموجبه ينتقل البلاد إلى عهد جديد، والذي به تفتح صفحة جديدة لمستقبل زاهر.

إن الثقة التي يتمتع بها الرئيس الجديد للبرلمان والتي حظي بها من العامة والخاصة ومن المهجر ومن الأطراف الدولية تعكس الأمل الكبير المعلق عليه في المساهمة في نقل البلاد إلى بر الأمان.

إنه بسيرته الذاتية الثرية وبخبرته القانونية والإدارية وبعلاقاته العامة الجيدة مع الجميع وبالكفاءة المتميزه التي أهلته لكي يتولى إدارة عملية صياغة دستور الجمهورية الثالثة تبشر بأنه سيكون في مستوى الآمال الكبيرة المعلقة عليه، وأنه قادر على تجديد عهد الرواد الأوائل من البرلمان الأول والبرلمانيين الكبار في عهد الجمهورية الأولى من أمثال آدن عبدلله عثمان الرئيس الأول للجمهورية وعبد الرزاق حاج حسين رئيس الوزراء الذي حاول بناء الدولة الحديثة والقيام بالإصلاح الإداري وملأ الدنيا وشغل الناس ولم تسمح له الظروف القاهرة بإنجاز المهمة.

تحية إجلال وتقدير لهذا الفارس الجديد الذي نتمنى له التوفيق في مهمته الخطيرة.

%d مدونون معجبون بهذه: