مقديشو … حضارة ضاربة في العمق

العرب وأثرهم في الأوضاع السياسية والثقافية في (مقديشو) في العصور الوسطى الإسلامية

الشعوب العربية هي أهم الشعوب التي اتصلت بساحل شرق إفريقية منذ القدم، وأبقاها أثراً في تلك البقعة من القارة، وقد ساعد على ذلك عامل القرب الجغرافي ؛ لأن العرب بصفة خاصة هم أقرب الشعوب دون غيرهم من شعوب آسيا، فهم يواجهون ساحل شرق أفريقية مما ساعد على كثرة التردد بين سواحل شبه الجزيرة العربية الجنوبية بصفة خاصة وبين شرق إفريقية كما ساعد نظام الرياح الموسمية في المحيط الهندي على كثرة الهجرات لأن العرب نَظَّمُوا رحلاتِهم وفقاً لنظام الرياح، فكانت لهم رحلتان في العام. وهناك العامل الأساسي
الذي دفع العرب لارتياد سواحل شرق إفريقية، كما دفع غيرهم من الشعوب الآسيوية وغيرها وهو الأهمية الاقتصادية لشرق إفريقية وما فيه من سلع وثروات.

ولقد كان لدول عبر الجنوب كدولة (معين) من حوالي (1300 – 650 ق.م) ودولة (سبإٍ) (حوالي 950 إلى حوالي 115 ق.م) ثم دولة (حِمْيَر) (115- 525م)، كان لهذه الدول النشاط الكبير في الحركة التجارية البحرية والبرية، كما عملت هذه الدول على تنظيم طرق القوافل وتأمينها داخل الجزيرة العربية. كذلك كان لعرب الحجاز دور كبير في إزدهار التجارة، وقد نوه القرآن الكريم برحلات قريش التجارية، وكان عرب الحجاز قد تمكنوا من السيطرة على ناصية التجارة بعد تدهور أحوال عرب الجنوب منذ القرن السادس الميلادي، وكان من نتيجة هذا النشاط العربي تقدم فنون الملاحة وبراعة العرب في هذا المجال. كما أن البحار الجنوبية صارت مألوفة عند العرب، وقد وصفها الرحالة الجغرافيون أدق وصف، كما وصفوا نشاط العرب البحري والتجاري، ومن هؤلاء ياقوت الحموي وقبله المسعودي.

تدفقت الهجرات العربية إلى افريقية في العصر الإسلامي لأسباب دينية وسياسية، فضلاً عن العامل الاقتصادي الذي كان مسيطراً على معظم الهجرات. وقد أشارت الروايات أن الصومال عرفت الإسلام منذ ظهوره، ومع ازدهار الإسلام كدين ودولة ازداد النشاط البحري، وتوافدت على سواحل الصومال مجموعات ضخمة من دعاة الإسلام من عرب وفرس وغيرهم، لإنشاء مراكز عربية اسلامية ثابتة لنشر الاسلام والثقافة العربية الاسلامية بين القبائل الإفريقية، في سواحل الصومال الشمالية والجنوبية المطلة على المحيط الهندي، بل استطاع العرب المسلمون التوغل إلى داخل هذه البلاد، لنشر الإسلام واللغة العربية بين قبائل الداخل، وذلك بعد أن قام العرب بتأسيس مدينة (مَقْدِيشو) التي أصبحت مركز انطلاق جنوباً وإلى الداخل كما سيجيء تبيان ذلك.

تتابعت الهجرات العربية لنشر الاسلام في الساحل الإفريقي الشرقي منذ عهد الخلفاء الراشدين، وازدادت أيام الأمويين والعباسيين، ونذكر من هذه الهجرات على سبيل المثال لا الحصر، هجرة الخوارج الذين حاربهم علي بن أبي طالب وهزمهم في موقعة النَّهروان. وهجرات بعض العرب الأمويين الذين أشارت الروايات بأن عبدالملك بن مروان هو الذي أرسلهم إلى تلك الجهات، لتأسيس المراكز الإسلامية. وقد أفاضت الروايات في ذكر هجرات الأمويين إلى الساحل، وأشارت إلى أن عبدالملك عندما تناهى إلى مسامعه أخبار الهجرات العربية إلى إفريقية أرسل أخاه حمزة لنشر الدعوة الاسلامية، ومحاولة مَدّ نفوذ الأمويين في الصومال. وفي رواية أخرى أن ابنه جعفر هاجر إلى شرقي افريقية وحكم في منطقة (كيوايو Kiwayu ) في جنوب مقديشو في أرخبيل (لامو) وتوفي بها.

وتنسب الروايات تأسيس الإمارات العربية الأولى في شرقي افريقية لعهد عبدالملك بن مروان ورجاله الشاميين، الذين تسميهم الروايات بالشاميين (Mashami) أو (الواشامي Washami) ويظهر أنهم وصلوا إلى شرقي إفريقية في مجموعات صغيرة حوالي 700م أو قبله بقليل. وطبقاً لما ورد في الرواية أن عبدالملك هو العامل الأساسي الذي دفع العرب لتأسيس إمارة عربية في (لامو Lamu) ويذكر (ستانيقند Stigand) أن عبدالملك بن مروان قام بإنشاء امارات عربية على ساحل شرقي افريقية عندما أرسل مهاجرين سوريين عام 77هـ (696م) لمد نفوذ الأمويين هناك وقد نجح هؤلاء المهاجرون في تكوين مدن تطورت وأصبحت إمارات عربية هامة مثل (بيت Pate) أو (باتا Pata) و (مالندى Malindi). و (ممبسه Mombassa) و (زنجبار Zanzibar) ويواصل صاحب كتاب (أرض الزنج) (The Land Of Zing) حديثه ويضيف بأن الروايات قد ذكرت أن المراكز التالية أنشأها عبدالملك بن مروان وجعل على كل واحدة منها والياً عربياً يحكمها نيابة عنه وهي كما يلي: (براوه Brawa) (تيولا Tula) (أموي Omui) (كيزمايو Kismayu) (فمبي Vambi) (كوياما Koyama) (شانقا Shanga) (بازا Paza) (بيت Pate) و (لامو Lamu) وما زال اسم عبدالملك بن مروان يذكر في تلك الجهات لدرجة أن السكان قد حرفوا اسمه، فمثلاً ينطقون (عبدالمالك) أو (ابن مرواني) ومرد ذلك ضعف اللغة العربية وظهور اللغة السواحيلية.

وفي أواخر عهد الدولة الأموية كانت هجرة الزيود عقب مقتل زيد بن علي زين العابدين عام 122هـ (740م) فراراً من اضطهاد بني أمية لهم، وعرف هؤلاء بالزيدية. واستقرت هذه الجماعات – كما أشارت المصادر – في ساحل (بنادر) الصومالي، وحكموا فيه ما يقرب من مئَتَيْ سنة ونشروا الإسلام بين قبائل (بنادر) كما أصلحوا الأراضي، وزرعوا بعض النباتات التي أرفدتهم بثروات طائلة، ودرت عليهم أموالاً هائلة. بل توغل الزيدية إلى داخل الأراضي الصومالية ونشروا الإسلام بين قبائل (أنهار) جوبا و(شبيلي) من بينها قبائل (الجالا) التي اعتنقت الإسلام بحماس كبير، بدليل أن كثيراً من الصوماليين من أفراد هذه القبائل قد أصبحوا فقهاء ووعاظاً واضطلعوا بنشر الإسلام بين القبائل الوثنية.

تأسيس (مقديشو):

إلا أن الذي يهمنا في هذا الجانب هو وصول أكبر الهجرات العربية والإسلامية إلى ساحل الصومال المعروف بساحل (بنادر) وأعني بهذه الهجرة، تلك الهجرة التي حدثت خلال العصر العباسي، والمعروفة بهجرة الإخوة السبعة، فقد هاجرت هذه الجماعة العربية في بداية القرن العاشر في حوالي عام 301هـ (913م) من (الأحساء) عاصمة دولة القرامطة، والإخوة السبعة من قبيلة (الحارث) العربية، جاؤا في ثلاث سفن محملة بالرجال والعتاد الحربي. وقد نما إلى علم هذه الجماعة العربية أخبار الجماعات العربية التي سبقتهم إلى ذلك الساحل، وربما سمعوا عنها من التجار، أو من جنود سعيد الجنَّابي، وقد كان في صفوفهم جند من الزنج والأَرِقَّاء الذين جاءوا إلى الجزيرة العربية والعراق في فترة من الفترات. لذلك قررت هذه الجماعات العربية أن تحذُوَ حَذْوَ الهجرات العربية التي سبقتها، يراودهم الأمل العريض في تكوين وطن جديد، وقد تحقق لهم ما أرادوا بفضل جهودهم.

استولى الإخوة السبعة على كل سواحل (بنادر) بعد أن قاموا بتأسيس مدينة (مقديشو) التي جعلوها عاصمة لدولتهم الجديدة، فامتد نفوذهم حتى جنوبي (ممبسة) وربما وصلوا إلى جزيرة (مدغشقر). وقد وصف المسعوديُّ هذه الجزيرة، وذكر أن فيها قوماً من المسلمين، غلبوا على هذه الجزيرة، وسبوا من كان من الزنج، كغلبة المسلمين على جزيرة (اقريطش) في البحر الرومي.

لم تمض فترة طويلة على استقرار هذه الجماعات العربية، حتى أصبح كل الساحل سُنِّيًّا على المذهب الشافعي، وذلك بعد أن اصطدم الإخوة السبعة بالزيدية الشيعة الذين اضطروا للانسحاب إلى الداخل. ولا يزال المذهب الشافعي هو السائد في بلاد شرقي افريقية. وقد اكتفى هؤلاء العرب على بسط نفوذهم في المنطقة الساحلية فقط، إذْ أنَّ الداخل لم يكن معروفاً لديهم، إما لأنهم يجهلونه، أو لصعوبة التوغل، فسيطروا على الساحل ريثما يتم لهم كشف مجاهل افريقية المختلفة وكان من نتيجة هذه الهجرة الأخيرة أن بسطت (مقديشو) نفوذها، وساعدت العرب المسلمين على إنشاء مواطن استقرار على طول الساحل الممتد من (مقديشو) في الشمال إلى مدينة (سوفالا) في الجنوب.

لقد حكم الإخوة السبعة هذا الساحل فترة لا تقل عن السبعين عاماً، وإليهم يرجع الفضل في إنشاء مدينة (مقديشو) – كما سبق القول – فظلت هذه المدينة تتزعم الحركة الإسلامية والْمَدِّ الإسلامي فترة طويلة خلال العصور الإسلامية المختلفة في ذلك الجزء. وفي الوثيقة العربية التي عثر عليها البرتغاليون في مدينة (كلوة Kilwa ) في (تنزانيا حالياً) عام 910هـ (1505م) أمكن معرفة الأخبار الهامة عن مدينة (مقديشو) في القرون الأولى للهجرة، منها أخبار البعثات العربية الإسلامية القادمة من الأحساء على ثلاث سفن بقيادة سبعة إخوة، نزلوا في ساحل الزاهية (بنادر) وقاموا بتأسيس مدينتي (مقديشو) و(براوة) وهاتان المنطقتان من أول المناطق التي وطئتها أقدامهم، وطاب لهم فيهما المقام. وخضع لنفوذهم، في فترة وجيزة كل الشريط الساحلي الممتد من (مقديشو) حتى (ممبسة) لدرجة أنهم وصلوا أماكن لم يصلها العرب من قبلهم، وقد كان الإخوة السبعة من عرب (الأحساء).

وجاء أيضاً في وصف (دي باروس De Baros ) لـ (مقديشو) أن تأسيسها قد تم على أيدي جماعة عربية من (الأحساء) هم جماعة الإخوة السبعة، وأصبح لها وزنها وكيانها، ولها نظمها. وأصبحت (مقديشو) مركزاً يتجمع فيه كل المسلمين الوافدين إليها من كل جهات الساحل، وهي أول إمارة تحاول بسط سيطرتها ونفوذها التجاري على طول الساحل جنوباً حتى (سوفالا) وتذكر الرواية كذلك بأن تاريخ تأسيس (مقديشو) ربما كان في عام 301هـ (913م). وتضيف الرواية أن علي بن حسن الشيرازي مؤسس سلطنة الزنج الإسلامية في (كلوة) عام 975/ 976م قد مر بـ (مقديشو) فعلاً، إلا أن المقام لم يطب له فيها، لوجود جاليات عربية متعددة، فواصل زحفه حتى وصل إلى جزيرة (كلوة) حيث أسس له دولة إسلامية هناك، كان العنصر الفارسي فيها هو دعامتها وسندها، ويذكر أيضاً أن بعض المهاجرين العرب قد هاجروا من (عُمَان) إلى ساحل إفريقية الشرقي وأن قبيلة (الحارث) من (عُمَان) ادعت تأسيس مراكز لها في (مقديشو) و(براوة).

ومهما يكن من أمر فإن مدينة (مقديشو) أسسها جماعة الإخوة السبعة من قبيلة (الحارث) العربية من (الأحساء) في الطرف الغربي للخليج العربي، وقد وصلوها في عام 301هـ (913م) وذكر ياقوت أن (مقديشو) مدينة في أول بلاد الزنج في جنوب اليمن في بر البربر في وسط بلادهم.

ويقول أبو الفِدَاء: إن (مقديشو) تطل على بحر الهند وأهلها مسلمون، ولها نيل عظيم يشبه نيل مصر في زيادته في الصيف. وقد ذكر أنه يخرج شقيقاً لنيل مصر من بحيرة (كورا) ويصب بالقرب من (مقديشو) في بحر الهند. و(مقديشو) مدينة كبيرة بين الزنج والحبشة، قال ابن سعيد عن (مقديشو): ومن شرقي (خافوني) بالنون في الآخر المشهور على البحر مدينة (مركة) وأهلها مسلمون وهي قاعدة (الهاوية) التي تزيد على خمسين قرية، وهي على شطي نهر يخرج من نيل (مقديشو) ويصب على مرحلتين من المدينة في شرقيها، ومنه فرع يكون خوراً لـ (مركة). وفي شرقي ذلك مدينة الإسلام المشهورة في ذلك الصقع المترددة في ألسنة المسافرين وهي (مقديشو).

وموقع (مقديشو) من أصلح مواقع الساحل لرسو السفن. وقد عرفه المصريون القدماء، وأهل بابل وآشور. والفينيقيون والرومان، وكان يعرف عند الإغريق منذ ألفي عام باسم (سيرابيون Serabion) وعرف في العصور الوسطى باسم (حمر Hamer) وقد أتاح لها هذا الموقع القريب من خليج (عَدَن) التحكم في مدخل البحر الأحمر إلى حد كبير، والسيطرة على الحركة التجارية في المحيط الهندي. فكانت ترد لهذه النقطة سفن الجزيرة لعربية محملة بأنواع المنتجات والسلع، وتأتي سفن الهند وغيرها من بلدان آسيا عبر المحيط الهندي، وتنقل هذه المنتجات إلى الحبشة وعبر البحر الأحمر إلى مصر شمالاً وجنوباً حتى (سوفالا).

وتتضارب الآراء نحو تفسير اسم المدينة (مقديشو)، فمن قائل أنها من كلمتين عربية وفارسية وهما (مقعد + شاه)، إشارة إلى المكان المفضل الذي اتخذه الحاكم مقراً لحكمه، ونطق الكلمتين معاً. أو نسبة للمكان الذي اتخذه الشيخ مكاناً لجلوسه (مقعد الشيخ) والبعض يقول: إن كلمة (مقديشو) معناها المكان الذي تتجمع فيه الأغنام للبيع وعبر عنها الرحالة الغربيون بأسماء مختلفة مثل: (موجوديشيو Mougidshu) و (موجود سكوا Mougoudiskua) و (موجاديشوا Mougadishu) و (مقدشيكو Makdishiku) و (مقديكسو Magdiksu) أو (مجدكسو Magdiksu)، وكل حسب نطقه.

أما عن أقسام المدينة وأحيائها، فقد كانت (مقديشو) في بداية نشأتها تتكون من ضاحيتين أساسيتين هما ضاحية (حمروين) وضاحية (شنفاني) وكانت ضاحية (حمروين) تمتد على طول الساحل من (كران) إلى ساحل حمر، أي المكان المعروف باسم (حمر جب) أما ضاحية (شنفاني) فهي مشتقة من اسم حي كان في (نيسابور) ببلاد فارس، وقد سميت بهذا الاسم تخليداً لذكرى أهل (نيسابور) القاطنين في (مقديشو). وكلمة (حمروين)، مركبة من كلمتين عربية وصومالية: فـ (حمر) معناها ذهب، وكلمة (وين) معناها بالصومالية كثير أو كبير.

شكل الحكومة:

واجهت جماعة الإخوة السبعة العربية في بداية أمرهم على الساحل بعض الصعوبات أهمها أن الزيدية الشيعة الذين كانوا قد سبقوهم، واستولوا على أجزاء من ساحل (بنادر) واستوطنوا حول أرخبيل (لامو) قد بدأوا في نشر مبادئهم وأفكارهم، ولا سيما وأنهم كانوا من الشيعة المتعصبين لهذا المذهب، بينما كان الإخوة السبعة على المذهب السني الشافعي. وقد دافع الزيود عن عقيدتهم دفاع المستميت، وحاربوا جماعة الإخوة السبعة بكل ضراوة إلا أنهم غُلِبوا على أمرهم في النهاية وهُزموا أمام الإخوة السبعة أخيراً عام 330هـ (948م).

وبعد أن تغلب الإخوة السبعة على الصعاب التي واجهتهم في بداية أمرهم، بدأوا في وضع الأسس والتشريعات المختلفة التي تكفل لهم الاستقرار والحياة الكريمة. فتكون مجلس من كبار العرب، وأعضاؤه اثنا عشر شخصاً، يرأسهم شيخ لا يحمل لقب سلطان أو ملك، ويسمى هذا المجلس باسم (مجلس المدينة) وكان هذا النظام أفضل نظام طبقه العرب المسلمون في ساحل (بنادر) في العصور الوسطى، ويتمتع هذا المجلس بكل السلطات، وله حق النظر في القضايا المدنية والجنائية وفض المنازعات. وكان بجانب هذا المجلس مجالس فرعية في كل حي من أحياء المدينة، وهي في شكل طائفة تخضع لشيخها الذي يتولى أمرها، ويقوم بإكرام الغرباء، وقضاء حاجاتهم.

وباتساع المدينة حدث ترابط بين السكان العرب والصوماليين، وبموجب اتفاقية أُبرمت في القرن العاشر بين العرب والفرس من جهة، والقبائل الصومالية من جهة أخرى، تكون اتحاد على صورة مجلس من الأشراف، وأعيان القبائل للنظر في أمور البلاد. والقبائل التي تكون منها ذلك الاتحاد كانت نحو تسع وثلاثين مجموعة وهي مجموعة قبائل عربية وفارسية وافريقية تفاصيلها كالآتي:

اثنتا عشرة عشيرة من قبيلة (مكري Mukri) واثنتا عشرة من قبيلة (جيداتي Djidati) وستة من (أكابي) وستة من (الإسماعيلي) وثلاثة من (عفيفي Afifi).
كان اختصاص هذا المجلس هو حفظ الأمن، وتطبيق العدالة بين الجماعات، ووضع حَدٍّ لهجمات بعض القبائل الرعوية الصومالية على التجار من العرب والفرس، وبالتالي لمواجهة غزاة آخرين كانوا يأتون من البحر. وتم هذا الاتحاد بعد أن أصبحت (مقديشو) عاصمة لساحل بنادر الذي ضم هذه المشيخة وإماراتها التابعة لها مثل مركة وبراوة التي سيجيء تفصيلهما، هذا بالإضافة إلى الأراضي المحيطة بهم، وكان يطلق على جميع هذه الأراضي (مقاديش). وعرف أحياناً سكان هذه الجهات باسم سكان بنادر وبضائعهم باسم بضائع بنادر. لقد استمر مجلس هذه المشيخة والممثل في سلطة الشورى بين العرب والفرس والصوماليين نحو أكثر من مئتي عام على ذلك النحو، حتى انتخب أبو بكر فخر الدين عام 1100م حاكماً على جميع أراضي هذه البلاد، وهو من سلالة الأخوة السبعة بتعضيد من قبيلة بني قحطان العربية التي أصبحت لها النفوذ والسيادة، وبذلك أصبح إعلان سلطنة أبي بكر فخر الدين الوراثية نهاية لعهد الإدارة الفيدرالية والمتمثل في مجلس المدينة الذي سبقت الإشارة إليه. وفي عهد أبي بكر فخر الدين احتفظت قبائل قحطان ومكري بنفوذها ومكانتها الدينية الممتازة ؛ لأن قاضي الوحدة قبل قيام السلطنة التي أسسها أبو بكر فخر الدين كان من بين أبناء هاتين القبيلتين. وبفضل قبائل قحطان ومكري استطاع أبو بكر فخر الدين أن يقيم سلطنة وراثية في (مقديشو) كما أقر السلطان أبو بكر قبائل مكري على امتيازاتها. وقد استمر حكم أبي بكر فخر الدين سبعة عشر عاماً حتى توفي عام 1117م.

إمارات المشيخة:

كان امتداد (مقديشو) واتساعها قد غطى على جميع أجزاء الساحل المعروف بساحل الزاهية (بنادر) وذكرت الوثيقة أن سكان مقديشو أول من وصل إلى بلاد (سفالة) في (موزمبيق) وأن سفنهم كانت تتردد على بلاد سفالة (سوفالة Sofala) لاكتشاف مناجم الذهب الموجودة في تلك الجهات واستغلالها. وأشارت الوثيقة أيضاً إلى هجرات قوامها من الفرس المسلمين جاءت إلى (مقديشو) حاملة معها معالم حضارة فارس.

أما أكبر الإمارات التي خضعت لسيادة (مقديشو) وسيطرتها فهي مركة Maraka التي خضعت لسيطرة الإخوة السبعة ونفوذهم منذ الوهلة الأولى. ومركة من مجموعة المدن العربية التي نسب تأسيسها ستايقند stigand إلى عبدالملك بن مروان. حتى إذا جاء الأخوة السبعة إلى الساحل جعلوها من أكبر مدنهم السياسية. وحتى يومنا هذا توجد طوائف في مركة تدعي انتماءها إلى الاخوة السبعة. ويقول أبو الفدا عن ابن سعيد أن مركة أهلها مسلمون. ومن الواضح أن سكان مركة اعتنقوا الإسلام بالقرب من (حافون).

ومما يذكر أن جماعة الإخوة السبعة أتوا في مراكب شراعية، ورسوا في ساحل (مركة) وشيدوا لهم مسجداً صار فيما بعد مركزاً لكثير من الأُسر الصومالية. وتتابعت هجرات العرب لتلك الجهة، حتى أن الكثير من الأسر الموجودة حالياً تدعي نسبها إلى الجماعات الأولى التي جاءت إلى (مركة) من بلاد العرب، كما هو الحال عند كثير من الأسر في الوقت الحالي في كل من (براوة) و (مقديشو). ومن المحتمل أن مدينة (مركة) قامت كمركز تجاري يقع على الطريق بين شمال وجنوب الصومال، وأن سكانها كانوا في بداية الأمر من العرب ثم صارت تمتليءُ بالعنصر الصومالي في كل مكان.

وتتمتع مدينة (مركة) الجميلة النشيطة بمركز ممتاز لموقعها الجغرافي، وكثرة خيراتها. وفي الوقت نفسه تقع على الطريق البحري التقليدي بين زنجبار وبلاد العرب. وقد حققت (مركة) مكاسب كثيرة للإسلام في شرقي افريقية، بالإضافة إلى المساهمة الفعالة في نشر الدعوة الإسلامية على طول الساحل الصومالي وفي الأقاليم الداخلية.

أما إمارة (براوة Brawa) فهي إمارة عربية خضعت لحكم الإخوة السبعة وجماعتهم من بعدهم. وأجمعت بعض الروايات أن الذين أسسوا (براوة) هم جماعة عبدالملك بن مروان من السوريين المهاجرين، ثم جاء الإخوة السبعة من بعد ذلك وأضافوا عليها فنونهم، ثم توسعت المدينة في عهدهم، فانتشر العمران واتسع البناء. و (براوة) تقع في شمال نهر (جوبا) وجنوبي (مركة). وهذه الإمارة لم يذكرها أحد من جغرافي العرب أو رحالتهم، وهي مدينة هامة كانت تعتمد عليها (مقديشو) في أنها تلعب دور الوسيط بينها وبين الإمارات العربية في جنوبها.

وتنقسم مدينة (براوة) إلى عدد من الأحياء هي: بغداد، البمبا، بيروني، سابي، وبلوبازي، وأكثر منازلها من الحجارة البيضاء، ومن طابق إلى ثلاثة أحياناً، ومياهها عذبة. وفي مسجد (براوة) نقش يتضمن تاريخاً يرجع إلى القرن التاسع الهجري. ويقال: إن أول من سكنها رجل من قبيلة قرة يدعى (أو على) وصلها حوالي عام 900م، وكانت (براوة) في ذلك الوقت منطقة موحشة غابية لا تسكنها إلا الوحوش الضارية، غير أن (أو على) أعجب بطيب هوائها على ساحل البحر، فاستعان بالمواطنين الأوائل في قطع شجارها وأعشابها، وأقام بها عدداً من المساكن أطلق عليها (براوة بن أو على). ويقال: إن هذا الاسم كان يطلق على ملك (الجالا براوات) وهناك رواية أخرى تشير إلى أن بعض أفراد قبيلة حاتم الطائي في الجزيرة العربية قد استوطنت (براوة) في فترة من الفترات، وقد وصلت إليها عام 900م، وقد ازداد سكان المدينة بوصول جماعات أخرى، منها جماعات صومالية مسلمة، عرفت باسم (التن) من سكان الساحل، وعمروا المساجد، وأقاموا كثيراً منها في الداخل. ثم توافدت عليهم جماعات (وردان) أي (الجالا) وقد قدموا مع ملكهم (براوات) وأقام (الجالا ) جنباً إلى جنب مع المسلمين نحو ثلاث مئة عام. وكان بالقرب من (براوة) جماعة (الأجوران) وهي قبائل زنجية التي امتد نفوذها على بعض أجزاء (براوة) فأعلن (التن) الحرب عليهم، وكان لـ (التن) الانتصار على (الأجوران) وانتهت المفاوضات بينهما على أن يبقى (الأجوران) في الجانب الشرقي، ويحتل (التن) الجانب الغربي له، كما تعاهدوا فيما بينهم على ألا يدخل البلاد غير الحيوانات، وما عدا ذلك فكل قادم مصيره القتل. إلا أن تلك الاتفاقية لم يكتب لها الدوام كثيراً، إذ وصلت جماعة من (الحمرانيين) الصوماليين على سفن إلى (براوة) وسكنوا مع (التن) في سلام ومحبة.

اضمحلال سلطنة (مقديشو):

منذ نهاية القرن العاشر بدأت مشيخة (مقديشو) في التدهور والانحلال، نتيجة الانقسام الداخلي في حكومتها المركزية، هذا بجانب ضعف الروح العسكرية، وتفكك القوات، حتى إذا جاء (الشيرازيون) الفرس إلى الساحل لم يجدوا سوى قوة عسكرية ضعيفة، ومشيخة تمزقها الخلافات، فضلاً عن عدم اتحاد إمارات المشيخة ووقوفها قوة واحدة ضد، (الشيرازيين) الفرس الذي وصلوا إلى (مقديشو) و (مركة) و (براوة) تحت زعامة علي بن حسن الشيرازي، وتمكنوا من الاستيلاء على هذه الإمارات بسهولة ويسر، ثم واصلوا زحفهم جنوباً إلى (كلوة) حيث أسسوا سلطنة الزنج الإسلامية، إلا أن (الشيرازيين) الفرس ابقوا على كل النظم الموجودة في تلك البلاد التي استولوا عليها، دون تغيير، واكتفوا بوضع حاميات عسكرية قوية، وفرضوا على تلك المدن الجزية التي تدفع سنوياً، ولم يقدر للشيرازيين الفرس البقاء في (مقديشو) و (مركة) و (براوة) بل زحفوا جنوباً، وذلك لأن تلك المناطق التي تركوها لم تكن صالحة لاستقرارهم، إذ أن الأمطار لم تكن غزيرة فأبحروا جنوباً إلى (كلوة) وأسسوها.

وفي القرن الرابع عشر جاءت أسرة (المظفر) وهي من قبيلة (بني نبهان) العربية، الذين كانوا يحكمون في (عُمَان) وعاصمتها (مَسْقَط) وقد أصابها الاضمحلال والتفكك، وذلك عندما قامت بعض القبائل العربية الأخرى بطردها عن حكم (مسقط) فأدَّى ذلك إلى فرار سليمان بن المظفر إلى ساحل شرقي إفريقية، حيث أسس إمارة عربية في (بيت Pate) عام 601هـ (1203م)، واستطاعت هذه الإمارة أن تبسط سيطرتها على (مقديشو) حوالي 740هـ (1331م) وأَنْ تخلف أسرة فخر الدين التي خضعت لسلطان الشيرازيين منذ عام 976م. وكان الرحالة ابن بطوطة قد زار (مقديشو) في عام 1330م/ 1331م وذلك في أثناء حكم أبي بكر بن الشيخ عمر بن المظفر، وذكر وصفاً ضافياً لأحوال (مقديشو) الاجتماعية.

وفي عهد هذا الشيخ بلغت (مقديشو) ذروة مجدها في القرن الرابع عشر الميلادي، ووصفها ابن بطوطة بأنها متناهية في الكبر، ولها صلات اقتصادية وثيقة مع مصر، وقد ظلت (مقديشو) أقوى مدن الساحل فترة من الزمن، وذكرت في حوليات (الصين) ولاسيما في عهد أسرة (منج Ming) وتجارتها مع (الصين) رائجة. ولاحظ (فاسكو داجاما) أنها مدينة عظيمة. وفي عهد السلطان أبي بكر ابن عمر انتظمت أمور البلاد، وعم الرخاء، وامتد نفوذ (مقديشو) التجاري الذي كان يضم (مركة) و (براوة) كذلك حتى (سوفالا) في أقصى جنوب الساحل. لما وصل البرتغاليون إلى الساحل الشرقي لإفريقيا، وتأكد لـ (داجاما) أهمية هذا الساحل، بدأوا في توجيه ضرباتهم إلى المدن العربية والإسلامية على طول هذا الساحل، فاستولوا على (كلوة) عاصمة سلطنة الزنج، ثم واصلوا زحفهم شمالاً حتى وصلوا إلى (مقديشو) التي تعرضت لضربات البرتغاليين. ذلك أن البرتغاليين عندما وصلوا إلى (مقديشو) عام 1498م وجهوا نيران مدافعهم نحو هذه المدينة، وذلك في أيام الشيخ فخر الدين حاكم (مقديشو) إلا أن البرتغاليين لم ينجحوا في الاستيلاء عليها بفضل حصونها المنيعة، ومقاومتها العنيدة الباسلة، مما جعل البرتغاليين ينصرفون عنها بسرعة.

لقد كانت الأحوال في (مقديشو) تختلف عن غيرها من إمارات الساحل، فقد قاومت جميع المحاولات التي بذلها البرتغاليون لإخضاعها، ولاسيما حينما حاول البرتغال في عام 1507م غزو (مقديشو) بكل ما لديها من قوة وإمكانيات. إلا أن (مقديشو) قاومت كل محاولات البرتغاليين اليائسة بفضل وجود العنصر العربي، الذي ساعد على المقاومة، بالإضافة إلى أنها تمتعت بمناعة أسوارها وحصونها، واشتهرت بثروتها الضخمة وكثرة عدد سكانها، فلذا كانت مركزاً للمقاومة طيلة المئتي سنة التي قضاها البرتغاليون في هذا الساحل. وفي المرات القليلة التي حاول فيها (البرتغاليون) ضرب مينائها بالمدافع والنزول بها، صمدت هذه المدينة الباسلة، وكان دفاعها قوياً وصامداً. وذكرت المصادر البرتغالية بأن (مقديشو) من أقوى إمارات الساحل، وتدعمها قوات ضخمة من الفرسان، لذلك كانت (مقديشو) هي المشيخة الوحيدة التي لم يستطع (البرتغاليون) إخضاعها، بل كانت تناصبهم العداء طوال مدة إقامتهم على الساحل. وكان شيوخ (مقديشو) ورؤساء القبائل فيها قد بعثوا برسائل منهم إلى سلطان (عُمَان) صاحب أقوى بحرية في مياه البحار الشرقية يطلبون منه حق الإسلام والجوار، وذلك عندما تزايد الضغط البرتغالي على (مقديشو) فكانت استجابة سلطان (عُمان) سريعة وحازمة. إذ قدمت قوة بحرية عمانية بقيادة الأمير سالم الصارمي عام 1067هـ (1640م) لمعاونة إخوانهم مسلمي (مقديشو) وملحقاتها، وإبعاد النصارى (البرتغاليين) عن تلك السواحل. فكان الانتصار لقوى المسلمين، والهزيمة للقوى البرتغالية، وقام أهل (مقديشو) بتنصيب الأمير سالم الصارمي سلطاناً على (مقديشو) وملحقاتها فترة من الزمن لتنظيم أمورها. وقد ارتبطت سلطنة (مقديشو) منذ ذلك التاريخ بسلطنة عُمَان اقتصادياً وسياسياً وحربياً، كما كان لأئمة مسقط وسلاطينها نفوذ في منطقة (بنادر) وعاصمتها مقديشو حتى مطلع القرن الثامن عشر.

معالم الحضارة والثقافة الإسلامية في (مقديشو):

كانت القبائل العربية التي هاجرت إلى (مقديشو) تحمل معها دينها ولغتها، وكانوا يختلطون بالسكان، وينقلون إلى لغات هذه البلاد الكثير من كلماتهم، خصوصاً ما كان منها متعلقاً بأمور الدين. وقد ظلت اللغة العربية هي لغة التسجيل والتدوين والمراسلات في العهود والاتفاقيات وغير ذلك سواء في الساحل أو مع الدول الخارجية. ومنذ فجر التاريخ والقلم العربي هو القلم المعروف في الساحل دون غيره، والمعروف أن أسس الثقافة هي طريقة التعبير إلى اللغة، واللغة العربية اختلطت بلهجات قبائل الساحل الافريقية عشرات القرون، وتوالد عنها لغة جديدة هي اللغة السواحيلية، كما أصبح الدين الإسلاميَّ أساس التشريع والقضاء ومصدر القيم الروحية.

وحظيت علوم الدين بنصيب وافر من العناية والخدمة في الصومال و (أثيوبيا) وقد عني أهلها بكتاب الله حفظاً وتجويداً وتفسيراً، فقد كان حظهم من هذه العلوم كبيراً كما كان نصيب اللغة العربية جزيلاً ووافراً، وازدهرت العربية وعلومها على أيديهم، وتركت أثرها القويَّ في الساحل الصومالي وخاصة حول (لامو) وصارت (براوة) بالقرب من (مقديشو) كجزيرة عربية كعبة المعرفة، ويأتي إليها طلاب العلم من الأماكن النائية لشهرة علمائها وتفوقهم في الدين. وقد حملت مساجدها أسماء الخلفاء عمر وعثمان وعلي، وانتشر بها شيوخ الصوفية ومنها القادرية والإدريسية والزيلعية والأحمدية. ومن ثم اعتبرت (براوة) كعبة المعرفة والهداية في ساحل (بنادر) وأجزاء الساحل الأخرى، وأصبح في (براوة) وحدها أكثر من خمسة وعشرين مسجداً عدا الزوايا فعددها كبير.

لقد نفخ المسلمون في سكان الصومال حُبَّ الأدب وفنون الشعر، وخرج منهم شعراء وخطباء مفوهون، وأصبح لهم أدب يعتزون به، وبرز كثير من العلماء والشعراء والأدباء باللسان العربي كالفقيه البليغ فخر الدين أبي عثمان بن علي بن محمد البارعي الزيلعي، الذي قدم القاهرة من (مقديشو) في القرن الرابع عشر، ونشر الفقه فيها ومات بها، وله كتاب سماه (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق) ومن المؤرخين الصوماليين باللسان العربي شهاب الدين الملقب بعرب فقيه وله كتاب (فتوح الحبشة) ومن الأدباء البارزين عبدالله منير الزيلعي.

أما عن أشهر دعاة الإسلام في (مقديشو) خلال فترة العصور الوسطى حتى نهاية القرن الثامن عشر فنذكر منهم على سبيل المثال، الشيخ أبادير، الذي تذكر عنه حوليات (مقديشو) أنه جاء من الجزيرة العربية في خلال القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) واستقر في مملكة عدل (زيلع) ثم دخل (هرر) التي أصبحت بفضل جهوده قاعدة إسلامية لنشر الدعوة في الصومال، و (أثيوبيا) ويذكر ابن حوقل أنَّ أهالي (زيلع) كانوا مسيحيين، في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي، ولكن أبا الفداء يذكر أنهم كانوا مسلمين في القرن الرابع عشر، وقد يكون هذا التحول إلى الإسلام بفضل الشيخ أبادير الذي بشّر بالإسلام، ودعا إليه بين أهل (زيلع) في القرن العاشر.

ومن دعاة الإسلام كذلك أربعة وأربعون شيخاً وفدوا من (حضرموت) إلى (مقديشو) و (براوة) و (مركة) لنشر الدعوة الإسلامية، فنزلوا أول مرة في مدينة (بربرة) على ساحل الصومال الشمالي، واستقروا بها فترة قصيرة، ثم نزلوا جنوباً إلى (مقديشو) و (براوة) ثم انتشروا في البلاد. واستطاع أحدهم وهو الشيخ الوقور إبراهيم أبو زرباي أَنْ يسلك طريقه إلى مدينة (هرر) حوالي عام 1430 حيث قام بنشر الدعوة وإنشاء المساجد، وما زال قبره معظماً في المدينة إلى يومنا هذا.

أما أشهر الدعاة الصوماليين وأبرزهم فهو المجاهد الكبير أحمد بن إبراهيم الجران (أو أحمد بن جرا الملقب بالأشول أو الأعسر). الذي ظهر في القرن السادس عشر، وأحدث تحولاً كبيراً في نشر الدعوة الإسلامية، واتسم جهاده بالبطولة والفدائية. فقد قام هذا المجاهد الكبير بتحرير الأراضي الصومالية من نفوذ النصارى الأحباش، فانطلق من (مقديشو) وجعل منها قاعدة ليبدأ منها الجهاد في سبيل الله. وبذل أحمد بن جرا جهوداً جبارة من أجل توحيد الجبهة الإسلامية والقيام بغزوات على التجمعات المسيحية، والمقاطعات الحبشية، التي تقوم بغزو أراضي المسلمين في الصومال، بزعامة بطارقتها، بل استطاع الصوماليون بقيادة هذا المجاهد الكبير أن يصلوا إلى أبواب العاصمة الحبشية، بل وتمكنوا بقيادته أن يضموا بلاداً جديدة داخل الحبشة المسيحية دخلت في الإسلام، وتحمست له. لذلك يعتبر الإمام أحمد بن جرا علماً من أعلام المسلمين في بلاد إفريقية الشرقية، ومجاهداً كبيراً في نشر الدعوة والثقافة الإسلامية.

استمر الدعاة يتدفقون على بلاد الصومال إلى زمن قريب ففي عام 1830 وفدت جماعات من الوهابيين النجديين من الجزيرة العربية، واستقروا في بلدة (بارديرا) وقاموا بتنظيم دعاية قوية للإسلام كان لها النجاح في حالات كثيرة. ومن المجاهدين الصوماليين، الذين ظهروا خلال القرن التاسع عشر، وحارب المبشرين، ودعا إلى الكفاح المقدس تحت راية الإسلام، ووحد كلمة المسلمين في الجهاد. وبالطبع يضاف إلى هذه الأدوار، دور الطرق الصوفية التي قامت بنشر الدعوة الإسلامية، وتفسير تعاليم الإسلام، بالإضافة إلى محاربة البدع، والعمل على جعل المسلمين إخوة متحابين في الله.

توالت الهجرات الإسلامية ودعاة الإسلام خلال عصور التاريخ الإسلامي المختلفة فخرج كثير من الصوماليين والأثيوبيين لطلب العلم، فخرجوا من (مقديشو) و (براوة) وغيرهما لطلب العلوم الدينية في مكة والمدينة المنورة والقيروان وفاس وطرابلس والقاهرة وصنعاء. وإذا ما تحصلوا على علومهم ومعارفهم في أحوال المسلمين، وتعاليم الإسلام، عادوا إلى بلادهم كدعاة للإسلام. وعلى ذلك ازدهرت بهم مراكز الثقافة الإسلامية في هذه البلاد الإفريقية، ونهضت بدور فعال في نشر الثقافة والدعوة الإسلامية.

وكان لابد أن تتطور مراكز الدعوة الإسلامية مع مرور الزمن، وأن تزداد الهجرات العربية الإسلامية من ناحية، ويزداد نشاط الدعاة في الصومال و (أثيوبيا) من ناحية أخرى، فهو عمل مشترك بين القادم الداعي وبين المستقر الموجهة إليه الدعوة، فتحولت المدن الصغيرة إلى مدن زاهرة تمثل حلقة تمتد من (مقديشو) و (براوة) و (مركة) وهرر إلى (أوفات) وبقية الإمارات الإسلامية (دول الطراز الإسلامي) في الحبشة. ويمكن معرفة مدى انتشار الإسلام وتلاقي هذه المراكز في توحيد الجبهة الصومالية الإسلامية حتى أصبحت الصومال دولة إسلامية خالصة. وبالإضافة إلى المراكز الإسلامية الكبرى المشار إليها، والتي نهضت بدور كبير في حمل الثقافة والتراث الإسلامي ونقله إلى جهات مختلفة في الساحل ثم إلى الداخل الإفريقي، وكان أثر (مقديشو) فيها بارزاً. وظهرت مراكز إسلامية أخرى تأثرت بالنهضة الثقافية في (مقديشو) وملحقاتها، واسهمت هذه المراكز بدور كبير في الدعوة إلى الإسلام ونشر الثقافة الإسلامية، ومن أهم هذه المراكز: (حافون) و (وار شيخ) و (عظلة) و (كسمايو) و (بارديرا) و (لوخ) و (بيدوة) و (بربرة).

والجدير بالذكر أن العرب نقلوا إلى هذه البلاد بالإضافة إلى ثقافتهم وتراثهم فإنهم نقلوا أيضاً نظام الشورى الإسلامي، وكانوا في بداية أمرهم أقرب بذلك إلى نهج الخلفاء الراشدين. ففي (مقديشو) أدخلوا نظام الشياخة كما سبق القول، وهو نظام عربي قديم يعتمد على عراقة النسب والكرم والشجاعة والمروءة. وهذا النظام نقله الإخوة السبعة الذين أسسوا (مقديشو) لذلك أصبح الحكم في أيام الإخوة السبعة يعتمد على الشورى. وكان أساس الانتخاب لمنصب الشيخ هو السن والفضائل. يقول ياقوت عن سكان (مقديشو): إنما يدبر أمورهم المتقدمون منهم. وفي موضع آخر يقول: وهم مسلمون لا سلطان عليهم، لكل طائفة شيخ يأتمرون له. وبجانب منصب السلطان والشيخ في (مقديشو) فقد وجدت مناصب أخرى رفيعة تلي الشيخ والسلطان من حيث الأهمية. فكان الوزير على رأس الأمراء والأعيان. وكان القاضي في (مقديشو) شخصية هامة وتلي الشيخ والوزير من حيث الأهمية والاختصاص، وكثيراً ما تولى القاضي بنفسه وظيفة الحسبة التي انتشرت انتشاراً واسعاً على طول هذا الساحل. وكانت مهمة المحتسب كما هو معروف الإشراف على الأسواق ومراقبة المكاييل والموازين ومعاقبة من يَخلُّ بالأمن، وهؤلاء جميعهم وعلى رأسهم الشيخ أو السلطان في (مقديشو) وغيرها تحيط بهم هالة من التقديس تظهر بجلاء في المناسبات الدينية. كما تحيط بهم كذلك مجموعة من الوزراء والأمراء بجانب ذكر اسم الشيخ في خطبة الجمعة.

في ضَوْء ما تقدم يتضح لنا أن سواحل إفريقية الشرقيةَ وعلى الأخص منها ساحل (بنادر) – ساحل الصومال الحالي – قد كانت وما زالت جزءاً هاماً من دار الإسلام، متميزاً في إطارها نابضاً بكل ما نبضت به الحضارة الإسلامية أثناء العصور الوسطى من ألوان الحياة الفكرية والعلمية، ونظمها السياسية والاجتماعية، وإبداعاتها الأدبية والفنية، متفاعلة معطياتها في كل تلك الأبواب مع معطيات رفقائها من الشعوب الإسلامية وغير الإسلامية. وتمتعت هذه البلاد بحضارة إسلامية راقية، ونظام إسلامي للحكم سليم، لأنها كانت قريبة من ينبوع الحضارة والثقافة، وعلى صلة وثيقة بموطن أرقى الحضارات الإنسانية وهي الحضارة الإسلامية.

المرجع: د. غيثان بن علي بن جريس مجلة العرب، العدد 3، السنة 30، ص 185-202

المصدر: الموسوعة الإخوانية

3 تعليقات

  1. مبروك على ما قدمته لنا من حضارة بلاد الهجرتين وما زلنا ننتظر المزيد وشكرالك ولمن ساعدك

  2. من هو كاتب هذه السطور ؟؟؟؟

%d مدونون معجبون بهذه: