الحركات الإسلامية الصومالية..النشأة والتطوُّر [3]

بداية ظهور التنظيمات الإسلامية في أواخر الستينيات:

أولا: منظمة النهضة الإسلامية:

في عام 1967م تأسّست منظمة النهضة الإسلامية التي انتهجت النهج الإخواني، من قِبَل خرّيجي الجامعات المصرية والسعودية، وترأس المنظمة الشيخ عبد الغني شيخ أحمد، الذي درس الشريعة في الأزهر الشريف، وعمل في وزارة الشؤون الدينية في الصومال في الحكومات المدنية حتى أصبح وزيرا لها عام 1970م، وأصبح الشيخ محمد أحمد نور غَرْيَري نائبا له، هذا ما أجمعت عليه المصادر التي بين يديَّ. أما دور الشيخ محمد معلم في المنظمة فلا يزال غامضا هل كان عضوا فعَّالا فيها أم لا، كما سيأتي النقاش حوله. يقول الشيخ محمد أحمد غَرْيَري: ” في عام 1967 تأسّست منظمة النهضة ونحن مجموعة [من] المثقفين بالثقافة العربية والإسلامية أغلبهم من الموظفين والمدرسين ورجال القضاء، وكانت ذات طابع “إخواني” غير معلن، وترأسها الشيخ عبد الغني شيخ أحمد (رحمه الله توفي في أغسطس2007) والذي كان مستشارا في المحكمة العليا وكنتُ نائبه. وخلال فترة وجيزة خطَّت الجمعية خطوات حثيثة في مجال العمل الدعوي، ومن أهم ما قامت به استيراد كتب الثقافة الإسلامية بمختلف أنواعها إلى البلاد، واستفدنا من علاقاتنا الواسعة في البلاد العربية، وكان قبل ذلك الثقافة قليلة والمكتبات شبه معدومة، وكان في الساحة الكتب الصَّفراء، فجلبنا كتب الفكر الإسلامي المعاصر، ومنها كتب سيد قطب – رحمه الله- مثل “في ظلال القرآن”، و”معالم في الطريق”، و”هذا الدين”، و”المستقبل لهذا الدين”،و”جاهلية القرن العشرين” لمحمد قطب ، وكتب محمد الغزالي ، ومؤلفات أبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي مثل “ماذال خسر العالم بانحطاط المسلمين”، وكان الشباب ينهل من تلك الكتب حيث وزعنا الكتب ليسهل الحصول عليها بين مكتبة الجمعية، ومكتبة وزارة الشئون الإسلامية، وفي مكاتب خاصة يستعيرها من يريد، أو يطالعها داخل المكتبة”.[1] أقول: المكتبة التي افتتحتها منظمة النهضة في مقديشو، والدرس الذي كان يلقيه الشيخ محمد معلّم في مسجد عبد القادر- وكان يعدِّ درس التفسير من هذه المكتبة خاصة من كتاب (في ظلال القرآن) لسيّد قطب – هما الحجر الأساس لإقبال الشباب على الصحوة الإسلامية. قال حسن محمود عبد الله: “حدَّدت منظمة النهضة ثلاث أهداف رئيسيىة وردت من نظامها بالصورة التالية: الأوَّل: جَعْل القرآن الكريم دستورا للشعب الصومالي وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مختلف المجالات. الثاني: محاربة كل الأوضاع التي لا تتفق مع المبادئ الإسلامية وأحكام الشريعة الإسلامية. الثالث: تقوية الروابط الأخوية بين المسلمين وإعادة وحدتهم”.[2] أقول: بناء على ما ورد في كلام نائب رئيس الجمعية الشيخ محمد غَريَري: ” أسَّسنا المنظمة ونحن مجموعة من الشباب المثقفين”، نتساءل: مَن هم أعضاء المنظمة غير الرئيس عبد الغني ونائبه محمد غريري؟، وماذا كان دور الشيخ محمد معلم في المنظمة؟. لم يأت في كلام الشيخ محمد أحمد غَريَري أن الشيخ محمد معلّم كان عضوا في المنظمة، وتبعه الأستاذ حسن محمود عبد الله على ذلك، فقال بعد أن ذكر الرئيس ونائبه: ” وكان الدرس الذي بدأه الشيخ محمد معلم رحمه الله في مسجد مقام الشيخ عبد القادر من جهود منظمة النهضة، حيث تفاوض الشيخ عبد الغني [وهو رئيس الجمعية] مسئولَ المسجد الشيخ علمي درر (حاج طجح) وبدَّد مخاوفه من الوهابيين، وتحمَّل المسؤولية أمام الشيخ بأنه لن يكون الشيخ محمد معلم من هذه المدرسة، وعلى هذا الأساس وافق حاج علمي بالدرس، وكانت من الجهود الموفَّقة للمنظمة”.[3] ويؤكِّد على ذلك أن كلام الشيخ محمد أحمد غَرْيَري في تأسيس منظمة النهضة خلا من ذكر الشيخ محمد معلّم، بل قال في آخر هذه المقابلة واصفا الشيخ محمد معلّم: ” داعية ناجح، عالم فاضل ، لكنه لم يكن من مؤسسي حركة الإخوان في الصومال”. غير أن المراقب الأسبق لحركة الإصلاح د.محمد علي إبراهيم أفاد بأن الشيخ محمد معلم الذي تأثَّر بالفكر الإخواني “انسجم مع (جمعية النهضة) التي أسَّسها الشيخ عبد الغني شيخ أحمد، والذي جلب الكتب من مصر، والشيخ محمد غريري خريج الجامعة الإسلامية في السعودية وجلب مكتبة كبيرة أيضا من السعودية ، فكان الشيخ محمد معلم أمينا لتلك المكتبة، وكان ذلك تقريبا سنة 1967م، والشيخ محمد معلم لكونه عالما لغويًّا استفاد من المكتبة، فكان يحضر تفسيره من كتاب “الظلال ” لسيد قطب”.[4] ومنه استقصى الأستاذ محمد الأمين الهادي منصب الشيخ محمد معلم في المنظمة فقال: ” كان من قيادة النهضة الشيخ عبد الغني شيخ أحمد الذي تولَّى رئاسة المنظمة، والشيخ محمد أحمد نور غريري وكان نائبا للرئيس، والشيخ محمد معلم حسن الذي كان مسؤول المكتبة”.[5] أقول: الأقرب إلى الواقع أن علاقة الشيخ محمد معلم بالمنظمة كانت علاقة تعاون وانسجام، ولم يكن عضوا قياديًّا فيها، بل إن الشيخ كان يستفيد من المكتبة ويحضر دروسه منها. وبعد الانقلاب العسكري في الصومال في 21/10/1969م أصدرت الحكومة العسكرية قرارا بحلّ الجمعيات المدنية ومنها منظمة النهضة الإسلامية، واكتفت قيادات المنظمة في أداء مهامهم الدعوي من خلال مواقعهم الوظيفية في وزارة العدل والشؤون الدينية، وانتقل النشاط إلى العمل السّري، حتى انتهت المنظمة باعتقال القيادة، وانفلات الشيخ محمد غَريري من القبض عليه في منتصف السبعينات وهروبه إلى السعودية.

ثانيا: جمعية وحدة الشباب الإسلامي:

في عام 1968م اجتمع عشرة رجال من مدرّسي الثانوية وبعض خريجي الأزهر ذوي الثقافة العربية في شمال الصومال، واتَّفقوا على إنشاء (جمعية وحدة الشباب الإسلامي). قال محمد الأمين الهادي: ” ومن أبرز هؤلاء عمر عيش الذي اقترح الاسم، والشيخ عبد الرحمن حاشي، وسعيد شيخ، وقاموا بتسجيل الجمعية في عام 1969م كجمعية اجتماعية في عهد رئيس الوزراء محمد إبراهيم عغال الذي تعاطف معهم، ولم تعلن الجمعية توجُّهها الإخواني، وترأس الجمعية الشيخ عبد الرحمن حاشي”.[6] غير أن الشيخ عبد الله عمر نور – وهو من المخضرمين – ذكر أن “الوحدة التي تأسست في عام 1969م، – وكانت ذات توجّه إخواني-سلفي مختلط – ترأَّسها الأستاذ عمر حسن، ثم الأستاذ عبد القادر حاج جامع”.[7] والظاهر أن عمر حسن هذا هو عمر عيش الذي اقترح الاسم كما ذكره الأستاذ محمد الأمين، لكن هناك خلاف فيمن ترأس الجمعية في البداية هل هو عمر حسن أم عبد الرحمن حاشي؟!!، ومصدر الأستاذ محمد الأمين هو مقابلته مع الشيخ مصطفى عبد الله جامع أحد أعضاء وحدة الشباب السَّابقين، وهو المعتمد في هذا المجال. أما رئيسها الأخير الشيخ علي ورسمه فقد أَغْرَبَ حيث قال: ” وفي الشمال تأسّست في مستهل السبعينيات جماعة تسمَّت بـ”وحدة الشباب الإسلامي” وكان رئيسها الأوَّل عبد القادر حاج جامع، ثم خلفه في القيادة الشيخ علي وسمه”.[8] ويؤرّخ حسن محمود عبد الله تاريخ تأسيس جمعية الوحدة بتاريخ 25/8/1969م، وأرجّح أن يكون هذا التاريخ وقت تسجيل الجمعية والإعلان عنها، إلا أن التحضيرات واللقاءات سبقت هذا التاريخ، ومما لا شكَّ فيه أن جمعية وحدة الشباب الإسلامي تأسست قبل (حركة الأهل) بشهور عديدة، وحركة الأهل تأسست بعد الانقلاب العسكري، كما سيأتي. قال الأستاذ محمد الأمين الهادي: “بدأت وحدة الشباب الإسلامي كردّ فعل لأنشطة كتائب السلام الأمريكية التي بدأت تنشط في شمال الصومال بداية الستينيات، واستشعر المدرّسون والمثقفون الخطر من أنشطتها الثقافية والتبشيرية، ونشطت الجمعية في الجانب الفكري والثقافي والاجتماعي والدعوي، وركَّزت على طلبة الثانوية والمدرّسين والمثقفين، فانتمى إليها المئات من الشباب، وأنشأت مكتبة إسلامية في هرغيسا وبعدها أصبحت الجمعية عضوا في الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية. وبعد تـأسيس حركة الأهل في الجنوب اتفقت الحركتان على أن تتَّحدا أو تندمجا تدريجيا، وعلى هذا الأساس سجَّلت الحركتان في لائحتيهما ما يشير إلى أنَّ من كان عضوا في إحدى الحركتين وينتقل من الشمال إلى الجنوب أو العكس فإنه يصبح تلقائيا عضوا في الحركة الموجودة في الطرف الآخر، وبعد ضغط النظام العسكري على الإسلاميين وحُكم على عدد الكبير من العلماء بالإعدام، وحظرت حركتا الأهل والوحدة، حدث خلاف في الوحدة في كيفية التعاطي مع الحدث هل نستمرُّ على تحدّي النظام أم لا؟، وبرز من بين شباب الجمعية من رفض فكرة الاستسلام والهجرة، وبادر إلى تغيير جذري لوِجْهَة معظم مؤسسيها، ومن هذه القيادات الشابة عبد القادر حاج جامع الذي أصبح الرئيس الجديد لتنظيم الوحدة، وإلى جانبه مجموعة من الشباب وبعض الشيوخ المثقفين من غير الصف القيادي الأول، واتَّهموا القيادة القديمة بالخذلان والفرار يوم الزحف. في أواسط السبعينيات اشتدَّت مواجهة وحدة الشباب مع النظام العسكري في الصومال، وتم إغلاق مركزها في غرهيسا وأحرقت مكتبتها التي كانت تضم الكثير من الكتب الإسلامية، واعتقلت قيادات وأعضاء من الصف الرابع أو الخامس في وقت ما زالت قيادات الحركة قابعة في السجن. وبعد الانشقاقات التي شهدتها صفوف حركة الأهل في الجنوب تسرَّبت أفكار التشدد والتكفير إلى شباب الوحدة في الشمال أيضا، ولمواجهة هذا التوجُّه قرَّر أمير حركة الوحدة الشيخ عبد القادر حاج جامع فصل الأعضاء الذين اقتنعوا بالتكفير، وتم فصل 40 عضوا من الوحدة، وانفصمت العلاقة التنظيمية بينهم وبين حركة الأهل. وفي بدايات الثمانينات اشتدَّ الصراعات داخل “الوحدة”، وتمَّ عزل عبد القادر حاج جامع، وتمكَّنت القيادة الجديدة من تجنيد أعضاء جدد من العائدين من الخليج ممن درسوا في الجامعات السعودية، ومن بينهم أشخاص تركوا حركة الإصلاح ومنهم الشيخ علي ورسمه – وهو من مدينة برعو – فاتَّصلوا به، وأقنعوه بالانضمام إلى الوحدة، ولحل الخلاف بين المجموعتين برز فريق وسط قرر إبعاد القيادتين السابقة واللاحقة إنقاذا للحركة، واتفقوا على إسناد القيادة إلى شخص محايد من برعو وليس من هرغيسا، فوجدوا ضالتهم في الشيخ علي ورسمه، ولكن واجهتهم مشكلة أنه لم يكمل عامين في داخل الحركة كما تنص اللائحة، وهنا لابد من تعديل اللائحة فعدلت لكي تناسبه، وأصبح علي ورسمه قائد حركة وحدة الشباب الإسلامي” إهـ ملخَّصا.[9] أقول: كانت وحدة الشباب الإسلامي تتبنى الفكر الإخواني حتى أثَّر فيها الشيخ علي ورسمه، واستمال أغلب أعضائها إلى الفكر السلفي، ومهَّد الطريق للاندماج مع الجماعة الإسلامية التي هي أيضا تأثَّرت بالفكر السلفي. قال الشيخ علي ورسمه: ” كان شباب ” الوحدة” يتركزون في هرغيسا متمسّكين بالمنهج الإخواني القديم، ولكن بعد رجوعي من السعودية اعتبروني قدوة لهم، مع أني لم أكن رئيسهم من حيث التنظيم، ولكنهم شباب يفتقرون إلى القُدوة لأن العامَّة لا تعترف بهم؛ فحاولتُ أن أنقح منهجهم، وأضيف إليه الجانب العقدي– عقيدة السلف-، ومنها كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحين جاء الوفد لاحقا لغرض توحيد الجماعتين (الجماعة الإسلامية والوحدة) جاءوا وقد تمهَّد الجو، وسهل الالتقاء، ولم يصادفوا فرقا بين المنهجين :الوحدة والجماعة الإسلامية. ولكن الأمر الجدير بالذكر هو أن غالبية أعضاء الوحدة وخصوصا الكبار المؤسّسين بعد إعلان الوحدة عادوا إلى صفوفهم القديمة، ولم يتأقْلَموا مع الوضع الجديد، ولم يرضوا بالمنهج العقدي”.[10] أقول: وهذا ما سنبحث عنه عند الحديث عن اندماج الجماعة الإسلامية ووحدة الشباب الإسلامي بإذن الله.

---------------- هوامش -----------------------
  1. حوار مع الشيخ غريري، مرجع سابق. []
  2. ” تاريخ الحركة الإسلامية الصومالية” ص:30 []
  3. نفس المصدر، ص: 30. []
  4. حوار مع د.محمد علي إبراهيم، المراقب الأسبق لحركة الإصلاح، أجرته معه شبكة الصومال اليوم بتاريخ 6/4/2009 في القاهرة. []
  5. ” الإسلاميون الصوماليون” ص:25. []
  6. نفس المصدر، ص: 30-31. []
  7. مسيرة الإسلام في الصومال الكبير” ص:226. []
  8. حوار مع الشيخ علي ورسمه، أجراه معه الأخ محمد عمر، ونشر في الصومال اليوم []
  9. ” الإسلاميون الصوماليون” ص:31-34. []
  10. حوار مع الشيخ علي ورسمه، مرجع سابق. []
%d مدونون معجبون بهذه: