الطريق إلى أوربا… محفوف بالمخاطر !.

يتوجه معظم أفراد الشعب الصومالي المتضرر إلى الخارج كأوربا والولايات المتحدة وغيرهما من الأماكن التي أيقنوا بأنهم سوف يجدون فيها ما يسد رمقهم بعد الوصول إليها، وأنها قد تكون بديلا عن مسقط رأسهم –الصومال الحبيبة- وذلك بعد اندلاع الحروب الأهلية وتفشي المجاعات، ودمار لحق بالبلاد والعباد بغض النّظر عن هويتهم وانتماءاتهم، واعتاد الشعب بالمصائب المتلاحقة التي لا تميز بين الأطفال والشيوخ والعجائز، وأكلت الأخضر واليابس والشجر والحجر.

رغم وعورة الطريق والخيوط المحفوفة بكلاليب جهنّم الدنيا لم تخطر في أذهان الكثير من أبناء الصومال بأن يترددوا في التوجه إلى أوربا عن طريق إيثوبيا والسودان وليبيا كمعبر وأحيانا بمصر، ويشكل الذين قدموا إلى أوربا في وقت مبكر من أكثر العوامل التي جعلت التهريب محفزاً قويا ؛ حيث ينشرون صورهم في مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر وغيرهما يحكون لأصدقائهم الماكثين في الوطن بما لديهم من رغد العيش والحياة التي وجدوها بعد قدومهم إلى أوربا ووجوههم النيرة التي تبدو مصقولة كالسجنجل وزالت عنهم الكآبة التي لحقتهم قبل رحيلهم إلى أوربا !.

كلّ هذا ساهم في تحريض الشبّان على الذهاب إلى المهجر فرارا من ويلات الحرب التي بسببها أصبح الكثير منهم يتيم الأب والأم، وشردت الكثير ، وعوقت الآلاف، وأرملت نساء كثيرات، بيد أن الطريق لم يزل يبتلع الكثير من الشبّان والشابات الذين نتحدى بهم المجتمعات الأخرى، وأصبحت جثثهم ملقاة في صحراء قالحة، لم يجدوا فيها غرابا يبحث في الأرض ليواري سوءاتهم كما حصل في قضية قابيل عندما قتل أخاه هابيل، والبعض الآخر يغرقون في أعماق البحار، تلتهم الحيتان أجسامهم ولا مغيث !.

بالمناسبة فبل سنتين تقريبا التقيت بشابّ كان يحب الذهاب إلى أوربا حبّ السمك للماء، ولم يكن بيني وبينه تعارف سابق قبل تلك اللحظة، وهذا الشاب لم يتجاوز عمره الثلاثين تقريباً وارتحل عدة مرات إلى أوربا لكن عاد خائبا، وكلّ مرة يذهب إليها تنتهي رحلته بالفشل والسبب الأكبر الذي أخبرني هو التفتيش الدقيق الذي تنفذه المخابرات الإماراتية بجوازه المزيّف !.

وبما أننا التقينا في قارعة الطريق طلبت منه أن يحدّث لي حديثه في إحدى المقاهي بقربنا فسرد لي العديد من الغرائب والمشقات التي تجاوزها؛ فكانت كل بلية أشدّ بالتي بعدها، والقصة الأكثر تشويقا كانت عندما ارتحل ذات مرة إلى ألمانيا مع صديقين له إذ صادفتهم حادثة مؤلمة حقاً؛ حيث فوجئوا بجبال كونت الثلجية، ولم يظهر لهم طريق سليم يوصلهم المقصد غير هذا حتى يختفوا عن أنظار حراس الحدود !.

سلكوا الطريق وأصبحوا معرضين لبيئة مختلفة تماما عن البيئة التي عايشوها، وليس لديهم من الأحذية والملابس المخصصة للسير على الجبال الثلجية فتجاوزوا الأميال بسلامة ولكن المفاجأة الموجعة برزت لهم بعد وصولهم المقصد الذي ضحوا له كل غال ونقيس؛ إذ بدأ أحدهم يشتكى من رجليه وبعد مجيئهم إلى أحد أطباء المدينة أخبرهم بأنه لا حل إلا بقطعهما تماما، ولا خيار آخر يكفيه من أنين الليل إلا هذا ! فقطعت وحقق مآربه مقطوع الرجلين ونكص صاحباه على عقبيهما خائبين ومعتبرين بالفاجعة التي جعلتهم نادمين على فعلتهما!.

ليست البليّة بهذه فحسب بل هي أخفها وأيسرها، ففي إحدى المرات وأنا أتصفح الفيسبوك رأيت مقطعا مصورا مكتوبا عليه كلمات حزن، ففتحته؛ فإذا بستين شخصا تقريبا من بينهم أطفال ونساء يستغيثون لإحدى السفن الإيطالية وسط البحر والأمواج تحاصرهم من كل مكان، وكان يبدو أن معظمهم قد أيقنوا الهلاك واستسلموا للموت، وكانت السفينة الإيطالية تبذل قصارى جهدها لإنقاذهم من الغرق؛ فتسير نحوهم حتى أصبحت دانية نحو الغرقى و لكن مع الأسف حالت الأمواج العاتية بينهم وبين حلمهم، ورمت كل واحد منهم على بعد ميل وشاءت الأقدار أن لم ينج منهم إلا النزر القليل!.

%d مدونون معجبون بهذه: